ألفت عاطف: أكتب فى صومعة منعزلة

الكتابة الجيدة طبخة محسوبة تجمع طزاجة المكونات ومهارة الوعى الفن تخلقه الاستعارة والرمز والجنون.. ومهمة الكاتب تفتيت الواقع واللغة

ألفت عاطف، كاتبة وروائية شابة، وواحدة من الأصوات الأدبية اللافتة في المشهد الثقافي، قدمت في فترة قصيرة تجربة أدبية متنوعة بين الرواية والقصة القصيرة والشعر، تنشغل فيها بالعالم النفسي والإنساني، من خلال أعمال متميزة مثل روايتي ولا تقربي هذه الشجرة" و انحناء رضا الطويل"، إلى جانب المجموعتين القصصيتين الموت قبل الأخير" و"أبناء الظبية"، وديوان شعر "متلازمة السقوط من الجنة"، حصلت مؤخرا على جائزة ساويرس الأفضل مجموعة قصصية، فرع كبار الأدباء، عن المجموعة القصصية "أبناء الظبية". تحدثنا معها عن تجربتها الإبداعية وأعمالها والجائزة وعملها القادم.

ما تفاصيل المجموعة القصصية "أبناء الظبية"؟

تتألف المجموعة من ١٠ قصص قصيرة ونوفيلا، ورغم أنها مجموعتي القصصية الثانية وإصداري الخامس، ففكرتها وشخوصها يعيشون معى منذ سنوات ربما قبل شروعي في كتابة عملي الأول. حتى أن بعض الأهل والأصدقاء ممن لم يقرأوا مسودات العمل يعرفون "عزيز" و "أفرين"، بطلى القصة، قبل نشر الكتاب بأعوام، فقط من شغفي بالحديث عنهما.

هل عنوان المجموعة يحمل دلالة رمزية؟ وماذا كنت تقصدين ب"ظبية"؟

بالتأكيد.. في النوفيلا إحالة لقصة حي بن يقظان الرضيع الذي خلق وحيدا، على جزيرة لم يطأها إنسان قط، فعثرت عليه ظبية، أرضعته وأوته وصارت له أما. كبر في كنفها، وشرع في استكشاف العالم.

بعقل بكر شغوف وارتقى شيئا فشيئا من فهم أبسط المسلمات إلى أن وصل الأعمق وأعقد المعارف والمعاني، عن الموت والحياة والجسد والروح والخلق والخالق، تبدأ "أبناء الظبية" من سطرها الأول بمعضلة بين أخين، رباهما أبوهما في بيت مغلق، ولم يسمح لهما بمغادرته ولو مرة طوال ثلاثين عاما، ثم يموت فينشأ بينهما صراع عنيف، أحدهما يرى وفاة الأب فرصة عاش ينتظرها طوال حياته، الهروب واستكشاف العالم الغامض خلف الباب المغلق، والآخر يرفض الخروج ويقرر دفن أبيه في الشقة، واستكمال تحقيق إرادته حتى بعد رحيله. أما آفرين فهي أمهما الراحلة، وآفرين تعنى الظبية الصغيرة، بلغتها الأمازيغية.

ما أهم القضايا التي كنت حريصة على مناقشتها في المجموعة؟

قبل اتخاذ القرار باعتماد اسم النوفيلا اسما المجموعة بالكامل، كنت أوشكت على تسميتها "عودة أخيرة للبيت الأول" أو "تكوص"، فمعظم القصص مشغولة بفكرة البيوت بكل ما تحمله الكلمة من حمولة عاطفية ورموز وإيحاءات حميمة ومؤلمة في الوقت ذاته البيت قد يكون وطنا أو مدرسة أو أما أو طفولة أو ذكريات، قد يكون رحما أو قبرا أو حضنا أو قيدا، الخروج من البيت يمكن اعتباره اغترابا أو حرية، ولادة جديدة أو إجهاضاء تعافيا أو نفيا، والبقاء في البيت قد يكون استقرارا آمنا، أو عجزا نفسيا وتوقفا عن النمو.

تحضر الأحلام والكوابيس بقوة في النصوص، إلى أي مدى اعتمدت على اللاوعي في كتابة هذه القصص ؟

الكتابة الجيدة طبخة محسوبة المقادير تجمع بين طزاجة المكونات المخلوقة من اللاوعي، ومهارة الوعي في استخدامها وإدارتها، وتوظيفها في سياقات ذات معنى الانسياق الكامل خلف تداعيات اللاوعي والأحلام والكوابيس، يخلق كتابة أصيلة بل ومذهلة في بعض النصوص لكنها تقترب أحيانا من الهذيان وتستغلق على فهم القارئ. ومن جانب آخر الاعتماد الكامل على الوعى وانفصال الكاتب عن أعماقه المظلمة وطبقات عقله المطمورة. يصنع عملا جيدا لكن جافا، هيكل جميل بلا روح، طبخة مضبوطة بدون "نفس".

المجموعة تضم شخصيات تواجه تحولات غرائبية، فكيف وظفت هذه الشخصيات في التعبير عن قضايا إنسانية واقعية؟

لا تستهويني الفنون التي تعبر عن الواقع بمفردات وأساليب واقعية بالكامل الرسم المفرط في واقعيته يمكنني استبداله بصور الكاميرا، والقصص المفرطة في الواقعية تغنيني عنها التحقيقات الصحفية وحكايات الأصدقاء.. إلخ. الانتشاء بالفن تخلقه الاستعارة، الرمن الجنون، ومهمة الكاتب هي تفتيت الواقع وتفجير اللغة، ثم إعادة تدوير كل عناصر الحياة بأكثر الطرق مخالفة للتوقعات. وهكذا تصنع الدهشة، وفي سبيل هذا، أفضل كتابة قصة عن رجل يعيش بمسمار مغروس في رأسه، يؤول به الحال إلى تثبيته إلى الأبد في جدار بيتهم القديم عن كتابة قصة واقعية عن رجل يعجز عن تخطى صدمات طفولته.

عدد من أعمالك يحمل ملامحمن أدب الديستوبيا، ويظهر عالما مضطربا ومشحونا بالقلق. هل هذا التصنيف يعكس رؤيتك الأدبية؟ أم أن الواقع يفرض هذه العوالم على الكتابة؟

أنا مفتونة بالديستوبيا، سواء تجلت في عمل أدبي أو سينمائي، وأعترض بشدة على تصنيف كل أعمال الديستوبيا كأدب شعبي أو أدب يافعين مع احترامي للفئتين إلا إذا كانت تعتمد بالكامل على الإثارة والتشويق والحبكة الذكية وفقط، فهي مقومات أساسية لا غنى عنها، إلا أنني أطمع دوما في الارتقاء بالقصة لمستوى مختلف، عبر مقومات إضافية مثل الاهتمام أكثر باللغة، والتعمق داخل الشخصيات، وبناء طبقات متعددة متراكبة من الأحداث والمعاني والتأويلات والرموز والإسقاطات والتأملات، وعدم الاكتفاء بالفكرة المميزة والحبكة المثيرة. الديستوبيا أرض شديدة الخصوبة، تصلحالزراعة عدد عظيم من الأفكار، وهي مساحة شاسعة ترحب بكل أنواع الكتابة وبكل التصنيفات مع مزية إضافية واستثنائية، وهي خلق زمان و مکان وظرف غريب ومتفرد، يكونون بمثابة عدسة مكبرة تضخم وتبرز قضية ما بشكل جديد وأصيل.

في روايتي الأولى ولا تقربي هذه الشجرة" كانت الفكرة الأساسية فقدان الناس الحاسة السمع والقدرة على الكلام، وفرض الدولة نظاما جديدا يوفر بطاقات تحتوى على عبارات سابقة التجهيز تغطى كل مواقف الحياة، لتمثل الطريقة الوحيدة لتواصل الناس في كل المجالات والظروف، من أشدها بساطة لأكثرها تعقيدا، وتم تجريم التواصل بأي طريقة أخرى بداخل إطار كهذا يمكن مناقشة عدد كبير من القضايا الاجتماعية والسياسية والنفسية والعاطفية، وعرض نماذج مختلفة العلاقات والأزمات وتسليط الضوء على معانى شديدة الأهمية والعمق، كلها فرص يمكن تفويتها باللهات خلف الحبكة الشيقة، أو اقتناصها الصقل تلك الحبكة ومضاعفة قيمتها.

هل القصة القصيرة اليوم تأخذ مكانها المستحق في المشهد الأدبي؟

لا... للأسف لا تلقى ما يليق بها من اهتمام لا من الناشر ولا من القارئ، ولا من الكاتب نفسه، وهو الأشد خطورة.

في روايتك انحناء رضا الطويل"؟ ما دلالة الانحناء في الرواية. هل هو علامة ضعف أم وسيلة للنجاة ؟

تحكى الرواية قصة رجلين من زمنين مختلفين، ويمكن اعتبارها روایتین إحداهما اجتماعية نفسية، والأخرى ديستوبية في العالم الحقيقي يواجه البطل وحيدا مأساة فقد ابنته، ويمر برحلة مرهقة يتعرى فيها أمام نفسه. وينبش ذاكرته، ويغوص في أعماقه بحثا عن الخلاص، ينسحق تحت ثقل مأساته الشخصية، ومدينته الضاغطة، فيضطر للانحناء بمعناه الرمزي، أما في قصة الديستوبيا، فيتجسد المجاز، ونجد البطل الآخر الذي تخطى طوله المترين مضطرا للانحناء بالمعنى الحرفي، بعد أن التحمت مباني القاهرة جميعها وكونت بناية واحدة، ارتفاع كل سقوفها ۱۹۰ سنتيمترا. مما يجعله في بعض الأحيان يزحف على أربع، ليتمكن من ممارسة حياته، المدينة هنا لا تسحق ساكنيها بالمعنى المجازي فقط، فنجد أيضا أخته التوأم تسقط في عمود خرسانة وهي بنت السابعة، وتظل بداخله إلى الأبد. انحناء رضا الطويل كانت تجربة كتابية شديدة الإمتاع، ورغم تقل أحداثها على نفسي مارست فيها العابا سردية لم أمارسها من قبل.

هل للمدينة دور في تشكيل

أحداث الرواية؟

طبعا.. المدينة بطل أساسي لا يقل دوره أهمية عن الشخصيات، بل ربما أهم.

فهي ليست مجرد إطار مكاني تدور فيه الأحداث، وإنما طرف مؤثر ومحوري في الصراع مع أبطال الرواية.

لماذا اتجهت لكتابة الشعر إلى جانب القصة والرواية؟

لا أظن أن الاتجاه لكتابة الشعر هو التعبير المناسب في حالتي، فقد كان الشعر إفرازا طبيعيا لم يبدأ بقران ربما لأن قراءاتي المبكرة في طفولتي كانت شعرا، وهو أسبق من القصة والرواية بسنوات خلالها كتبت عشرات المسودات لقصص وروايات ناقصة، لم تكتمل قط، أما الشعر فكان حاضرا على الدوام، متدفقا ومكتملا ومرضياء على الأقل في تلك المرحلة، لكن، مع تقدمي في العمر وزيادة قراءاتي، أدركت أنني لست شاعرة، ولن أكون أحب الشعر واتطفل عليه، وأجيده في بعض الأحيان، بما لا يكفى لأنال ذلك اللقب. الاعبه مباريات ودية بلا تحكيم لأننا أصدقاء قدامي، ولأن بيننا سرا ما، لا يشغلني مشاركته مع أحد، ثم أنه يعيرني بعض أدواته في كتاباتي السردية، فاللغة الشعرية لم تغادرني ما زلت ازین بها القصص وأضيفها كالموسيقى للحكايات.

أيهما يشعرك بحرية أكبر في التعبير، الشعر أم السرد؟

السرد طبعا، وبالأخص الرواية، فهي عالم ساحر بلا حدود ولا قيود، قادر على احتواء كل أنواع الكتابة بلا استثناء.

أكتب الشعر والقصص القصيرة بداخل الروايات، أمارس جنونی کاملا موزعا على شخصيات وحيوات وعوالم مختلفة، أتقمص كل الأشياء وأكتب من داخل عقول الجميع، فالكتابة من خلال شخصيتي أنا، على وعن حياتي أنا أمر في غاية الملل مقارنة بمتعة تفتيت نفسي والآخرين والحقيقة والخيال والمنطق، وإعادة تركيب كل ذلك من جديد، في هيئات لا تشبه أيا من أصولها في شيء.

في ديوان "متلازمة السقوط من الجنة" قصائد اجتماعية وسياسية وإنسانية عن الحروب وانهيار المدن. هل الشعر وسيلة للاحتجاج بقدر ما هو وسيلة للتأمل؟

لا توجد فكرة - أو شعور - يعجز الشعر عن التعبير عنها، بشرط أن تشغل الكاتب وتتسلط عليه، وتحتله بالقدر الكافي، أن يمتلئ بها عن آخره إلى أن تفيض منه على الورق، وقد كان الاحتجاج بالفعل أحد الهواجس التي سيطرت علي في تلك القدرة.

ماذا تمثل لك الجوائز؟ وهل هي

مهمة للمبدع ؟

لا يمكن إنكار أهمية الجوائز الأدبية. تقدير العمل والإعجاب به من أي قارئ هو بهجة خالصة، فما بالك لو جاء هذا التقدير من لجنة تحكيم رفيعة المستوى، فاضلت بين مئات الأعمال واختارت عملك، البهجة هذا مضاعفة. أذكر ليلة حصولي على الجائزة بعد عودتي للمنزل، تلقيت اتصالا غاليا من المبدعة الكبيرة د/ فاطمة قنديل والتي عرفت يومها أنها أحد أعضاء لجنة التحكيم، قالت إنها بحثت عنى بعد انتهاء الحفل لتخبرني بشكل شخصي عن تميز المجموعة، وعن مدى إعجابها هي وباقي أعضاء اللجنة بها، طرت فرحا حينها. كانت هدية ثانية بعد هدية الجائزة وكلاهما حافز عظيم للاستمرار.

هل الجائزة تضع ضغطا إضافيا

على الكاتب في مشروعه القادم. أم أنها مجرد محطة اعتراف تمنحه الحرية ؟

الجائزة شهادة تقدير غالية وإعادة تزويد بالوقود وشحذ للطاقة، ولا أرى فيها أي ضغط. أكتب في صومعة منعزلة، فقاعة بعيدة تطفو في الهواء، حينما أنفرد بدفاتري يقف العالم بأكمله، بكل تفاصيله. على عتبة الغرفة، لا يعنيني وقتها في شيء، فقط أنا والحكاية في خلوتنا خارج الزمن.

 	أميرة سعيد

أميرة سعيد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - تعسيلة

لا مكان يصلح للنوم تحت شمس يونيو القاسية .. لا ظل شجرة يتكوم في فيئه، لا حديقة يتقى بعشبها الندى...

ألفت عاطف: أكتب فى صومعة منعزلة

الكتابة الجيدة طبخة محسوبة تجمع طزاجة المكونات ومهارة الوعى الفن تخلقه الاستعارة والرمز والجنون.. ومهمة الكاتب تفتيت الواقع واللغة

آلاء فودة.. قصيدة نثر غاضبة ليست عارية تمامًا من ماضيها

اختارت الكتابة عن «العائلة» أكثر الموضوعات استقرارًا فى الوجدان العربى تكمل مسيرة الكتابة المتمردة على العائلة وقد بدأها عبدالمنعم رمضان

النسيان نعمة تمكن الإنسان من تجاوز المحن

النسيان النسبى أو ما يسمى بالنسيان الحكيم محاولة نسيان الإساءة الصغيرة البسيطة فى مقابل ألا تتحول الحياة لدفتر حسابات النسيان...