آلاء فودة.. قصيدة نثر غاضبة ليست عارية تمامًا من ماضيها

اختارت الكتابة عن «العائلة» أكثر الموضوعات استقرارًا فى الوجدان العربى تكمل مسيرة الكتابة المتمردة على العائلة وقد بدأها عبدالمنعم رمضان

تقدم الشاعرة آلاء فودة في ديوانها الجديد "أبتر فرعى من شجرة العائلة"، تجربة

شعرية جسورة تنتمى إلى قصيدة النثر وتعتمد على أدب الاعتراف" بكل ما فيه

من قسوة وجاذبية، بكل ما فيه من جسارة وضعف، حيث تعتبر الذات الشاعرة

حياتها بكل ما فيها من عائلة وأهل وأصدقاء كتابا مفتوحا أمام القراء، وهي تقول

ذلك بكل وضوح وتحد في العبارات الأولى من الديوان، ولا تخشى أن تشير إليه

من بعيد في الإهداء: إلى ميرال ولمى وحلا.. نظفت قلبي قدر المستطاع

لتلعبن بأمان"، بينما تستعين بعبارة شعرية افتتاحية لـ لانج لييف ترجمة فى رحمى

تقول: "ما معنى أن تكون شاعرا ؟ أن تفتح نفسك مثل هوة سحيقة خربة الكل

يرى ما بداخلك لكن لا أحد يدرك من أنت".

هكذا، ومنذ السطور الأولى في ديوانها الصادر مؤخرا عن منشورات المتوسط" في ميلانو الإيطالية، تكمل الشاعرة قوسا شعريا اعترافيا غارقا في الأسى والحنين، كانت بدأته في ديوانها السابق "شامة أعلى الرحم".

الصادر عن الدار نفسها العام ۲۰۲۳ لتضع بهاتين المجموعتين الشعريتين بصمة في قصيدة النثر المصرية.

منذ العنوان تعلن الشاعرة موقفها الرافض للعالم الذي تعيش فيه لتكمل بذلك القوس الشعري الذي فتحته قبلها شاعرات مصريات في قصيدة النثر، مثل فاطمة قنديل وإيمان مرسال وامتد صوت التمرد النسائي إلى قصائد شاعرات مثل: هدى حسين ورنا التونسي وصفاء فتحى وعلية عبد السلام ونجاة على وملكة بدر وجيهان عمر، وغيرهن كثيرات مع اختلاف طرائقهن، والحق أن التمرد النسائي في قصيدة النثر كان داخل موجة تمرد قادها شعراء التسعينيات بقصيدة تقدم المشهد الهامشي واليومي والعادي في

الشعر بعيدا عن القصيدة التفعيلية الأناشيدية المموسقة، وفي مواجهة قصيدة الشعر العمودي التي كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة للأسف، خلال العقد الأخير من القرن العشرين.

تحكى الشاعرة آلاء فودة بين سطور الديوان الجديد مشاهد متناثرة من علاقتها المضطربة مع العائلة، تلك التي قررت فجأة أن تبتر فرعها منها، متحدية بقصائدها - ضمن تحديات أسلوبية وجمالية كثيرة . تراثا عريضا عرفته الثقافة العربية عن قيم "العائلة" في الشعر العربي والتي اعتبرت - خصوصا بالنسبة للمرأة العربية الشاعرة – ركيزة أساسية عكست دائما قوة روابط الدم وعلاقات المودة والترابط الاجتماعي

الحق أن التعاطي الشعري العربي الحديث مع فكرة "العائلة" بات الآن قديما إلى حد ما، منذ غريب عن العائلة " للشاعر من جيل السبعينيات عبد المنعم رمضان الصادر عام ۲۰۰۰، إلى "تحت شجرة العائلة" لأحمد يماني، أحد أبرز شعراء جيل التسعينيات، وبينما كان شاعر السبعينيات يبحث عن العزلة ويهجو العائلة - حارسة التقاليد - متمردا عليها في زمن ما، كان أحمد يماني في زمان ومكان آخرين يجد في حضن العائلة المصرية دفئا افتقده في غربته الهائلة التي يعيش برودتها وعنفها في إسبانيا، حيث يعمل هناك منذ أكثر من عقدين.

ولئن كانت "العائلة" جزءا من تراث "القبيلة العربية" في الشعر العربي القديم كما نعرف جميعا، إلا أن "عائلة" الشاعرة آلاء فودة تبدو في مكان آخر فقد ارتأت في العنوان أن تشير إليها بتعبير "شجرة العائلة"، كأنها تريد أن تذكرنا بواحدة من الشجرات المقدسة في التراث الثقافي مثل "شجرة المعرفة" أو "شجرة الخلود" أو "شجرة الحياة"، التي كانت تمنحفي التراث السومرى الحكمة والحياة الأبدية - أي العمر الطويل - لمن يأكل منها، وبالتالى تذكر "شجرة العائلة" أيضا بـ "شجرة الخطيئة"، أي شجرة معرفة الخير والشر، التي نهى آدم وحواء عن الأكل منها.

الشاعرة فعلا كانت في مرحلة ما تقدس العائلة، وحينما تمردت على هذه العائلة اختارت عنوانا يبدأ بالفعل "أبتر" المنسوب إلى الذات واستخدمت تعبير "شجرة العائلة" وفاء للتقديس القديم، مفضلة أن يكون بتر فرعها بإرادتها عنوانا للمجموعة الشعرية كلها، وهو إعلان صادم من امرأة بشكل عام ومن امرأة عربية على وجه الخصوص حيث تعتبر قصائد الديوان الثلاثة والعشرين تفسيرا له أو عزفا على اللحن العام للعنوان خصوصا قصيدة "موت العائلة"، التي يقول مطلعها: ماتت العائلة التي لم أنتم إليها يوما" ونحن لا نصدق أبدا أن الشاعرة لم تكن تنتمى لهذه العائلة، لأنها لو كانت حقا لا تشعر بالانتماء لها ما كانت شعرت بكل هذا الحزن والفقد، وما كانت كتبت لنا قصائد تتحسر على موت العائلة، وما كانت بحاجة إلى أن تعلنها هكذا بكل صراحة وألم على الملأ: " أبتر فرعى من شجرة العائلة".

عرق مبتور

الحقيقة هي أن الاعتماد على أدب الاعتراف في قصيدة النثر ليس أمرا جديدا، لكن الجديد هذه المرة أن الاعتراف يشمل موقف الشاعرة من علاقتها بالعائلة بما يحيلنا إلى موقفها من العالم، ونحن نعرف أن العائلات التي تعتز بماضيها كانت دائما رمزا للبقاء وللاستمرارية والتمدد، وبالتالي فالعائلات لا تموت فعلا إلا في وجدان أبنائها، حينما يحدث الصدام بين الماضي والحاضر أو بين الخير والشر، برغم كل ما بذلته الذات الشاعرة سابقا من تجارب في المحبة، وما فعلته من أجل التواؤم مع العائلة، بمعنى أنها حاولت مرارا وتكرارا تأجيل الصدام

ماتت العائلة التي لم أنتم إليها يوما

رغم تجاربي في المحبة ومحاولاتي

التشييد حكاية حقيقية

عن بيت وبلد وأسماء تتعاقب من الجدود للأحفاد.

الكراهية قوية كالموت

ويدي التي لم ترد الصفعات

تلوح من بعيد

المقبرة مفتوحة كجرح ينز بالذكريات".

هكذا تحتل الكراهية مكان العائلة حيث تحاول عناوين القصائد أن تؤكد تمرد الذات الشاعرة ونفورها من الانتماء إلى كيان عائلي، كأنها تعلن تمردها على الحياة داخل السياق الثقافي الضاغط الذي تعيش فيه تعلن خلافها مع الجذور ورفضها للأسلاف وتمردها على الموروث، على الرغم من أن لغة خطابها الشعري لا تزال عامرة بالتعبيرات القرآنية، كما سوف نلاحظ بعد قليل، وإلا أن هذه العينة من عناوين قصائده تشير إلى ما في حنقها على العائلة من تمرد موت العائلة" و"بلا شجرة عائلة" و "عرق مبتور" و"البيوت التي كانت أولى بالسكن" و"الآثام المتوارثة"

و" يحمل السكاكين على كتفه" و حاقدا على عمره" و "لا تملك بيتا". و "أسطورة الآباء".

والأمر لا يتعلق بنوع عابر من التمرد في العناوين فقط، بل هو النقطة المركزية في متن النصوص، والشكوى من الجميع تسم علاقتها بالآخرين سواء من العائلة "الآباء والأجداد"، أو من الأصدقاء الذين يشملهم الرفض أيضا، ولا يخرجون من دوائر الاتهام تقول في قصيدة "عرق مبتور":

"الآن، البيث فارغ ووحدك أمام جثة بلا كفن وعليك أن تستز أسلافك من خزى الحقيقة"

في اللحظة التي كان عليها أن تستر الأسلاف من خزى الحقيقة لم تجد الذات الشاعرة الحماية الكافية من محيطها، بل إنها على العكس تماما: "لم يحمني أحد، نحرني الأصدقاء"، هذا التعبير الصارم "نحرت" يجعل الأمر يبدو كأنه موقف وجودي ضد الجميع ليس العائلة فقط وبل ضد العالم:

"لم يحمنى أحد، نحرني الأصدقاء

أورثنى آبائی عرقا مبتورا

والذين أحببتهم دائما ما تركوني أمام جثة عارية

كلما حاولت أن أكفنها انكمش الغطاء من جهة القلب"

في قصيدة "بلا شجرة عائلة يمكننا أن نلاحظ تأثر الشاعرة باللغة القرآنية في بعض سطورها، ما يلفتنا إلى احتفاظ الشاعرة بذاكرة ثقافية عربية ليست بعيدة عن تراث لغة القبيلة تلك اللغة التي شاءت الظروف أن تعلن الشاعرة تمردها على بعض أبنيتها الثقافية، لكن مع الاحتفاظ ببعض ميراثها البلاغي:

في بالي بلاد كلما هبت ريخها أغمضت عيني

ورأيتها ركاما

وجف كلام الناس على السنة من رماد

وكلبهم باسط نباحه فوق جسر لا يصل إلى إشارة.

وكنت أول من نجاء

بلا جيش ولا عائلة

لكن، بتاريخ مبتور يبدأ من نسلي".

الشعر والأمومة

الحق أنك بمجرد الانتهاء من الديوان سوف تكتشف أنك أمام ذات شعرية طموحة تحاول أن تبدأ التاريخ من نسلها هي، أي من فعل أمومتها نفسه من تضحياتها وساعات عطائها وتعبها في تربية البنات، وبالتالي تستطيع في هذه الحالة فقط أن تبتر فرعها من شجرة العائلة، لأنها تستطيع أن تؤسس عائلتها الخاصة بطريقتين "الأمومة والشعر"، بحيث لا تكون بحاجة إلى عائلة أو موروث أو أسلاف لأنها سوف تصبح هي الأسلاف كلهم بالنسبة لعائلتها الصغيرة، حيث تظل قصائد الديوان محاولات للتخلص من صدمتها في العائلة، عبر إعادة تشكيل للعالم الذي أنجبته، إعادة تموضع للكائنات التي أنت بها إلى العالم، ففى إحدى القصائد تحول إحدى بناتها إلى قير

"أنجبث بنتا وقلت لها:

صیری قبرا

ساردم فيك

أحلامي التي اخترقها الحسد

قلبا مضغ القسوة بكل النكهات

رجالي الذين لم يطأوا إلا ظلى بلادا حلمت بالسفر إليها ولم أعد

جسدى المغلق بختم الطبيعة

دجاجاتي اللاتي تعفن

ذاكرتي التي أكلها الخرف".

يشار إلى أن الشاعرة آلاء فودة من مواليد مدينة الإسكندرية، وقد تخرجت في كلية الصيدلة العام ۲۰۱۳، وصدرت مجموعتها الشعرية الأولى "بحة في عواء ذئب" عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام ۲۰۲۱، وفازت بجائزة أخبار الأدب بينما أصدرت كتابها الثاني "شامة أعلى الرحم" ٢٠٢٣.

 	 محمود خيرالله

محمود خيرالله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - تعسيلة

لا مكان يصلح للنوم تحت شمس يونيو القاسية .. لا ظل شجرة يتكوم في فيئه، لا حديقة يتقى بعشبها الندى...

ألفت عاطف: أكتب فى صومعة منعزلة

الكتابة الجيدة طبخة محسوبة تجمع طزاجة المكونات ومهارة الوعى الفن تخلقه الاستعارة والرمز والجنون.. ومهمة الكاتب تفتيت الواقع واللغة

آلاء فودة.. قصيدة نثر غاضبة ليست عارية تمامًا من ماضيها

اختارت الكتابة عن «العائلة» أكثر الموضوعات استقرارًا فى الوجدان العربى تكمل مسيرة الكتابة المتمردة على العائلة وقد بدأها عبدالمنعم رمضان

النسيان نعمة تمكن الإنسان من تجاوز المحن

النسيان النسبى أو ما يسمى بالنسيان الحكيم محاولة نسيان الإساءة الصغيرة البسيطة فى مقابل ألا تتحول الحياة لدفتر حسابات النسيان...