«الأعمال الكاملة» سلسة كتب تصدرها هيئة الكتاب لاستعادة الذاكرة الثقافية «لوتريامون» أول شاعر سوداوى ترك بصماته على قصيدة النثر
على الرغم من أن عالمنا الحالى يبدو بحروبه وكوارثه الطبيعية والصناعية أكثر جنوناً من أى وقت مضى، إلا أننى أجد نفسى أحياناً مضطراً للاعتراف بأن المرء لا يقرأ رواية أدبية أو يخلو بديوان شعر من أجل أن يستعيد صورة الواقع الكابوسى اليومى مستنسخة فى العمل الفنى كما هى، بل يقرأ المرء الأدب بحثاً عن قصة حب جديدة فى عالم جديد، فى عالم يمكن أن تطغى فيه الأحلام والكوابيس والهلاوس والهذيان على نمطية الواقع وقساوته، يقرأ المرء الأدب بحثاً عن عالم يتناقض مع عالمنا وكوابيسه قدر الإمكان، على الأقل بحثاً عن عالم لا يهدد فيه رؤساء الدول بعضهم ـ علانية أو فى الخفاء ـ بالفناء التام.
بحثاً عن هذا العالم الجديد وعملاً بمبدأ: “أن تضيء شمعةً خيرٌ لك من أن تلعن الظلام”، أحب أن أتوقف أمام أحد المشاريع الثقافية المضيئة فى حياتنا، ومن بين جميع مشروعات النشر التى تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب برئاسة الدكتور خالد أبوالليل، يبدو أن سلسلة “الأعمال الكاملة” أصبحت هى التى تحتل المساحة الأهم فى مشروع الهيئة لإحياء ونشر التراث الفكرى والنقدى لكبار المفكرين والنقاد، أمثال: طه حسين وشكرى عياد ومصطفى ناصف .. وغيرهم، ومن بين كل هؤلاء كنت فى انتظار صدور أعمال ناقدنا الكبير الراحل الدكتور شاكر عبدالحميد (1952 ـ 2021)، خصوصاً كتابيه المهمين الأول “الأدب والجنون” الذى تربطنى به قصة قديمة حزينة، والثانى “التفسير النفسى للتطرف والإرهاب”، والأخير هو الكتاب الوحيد الذى لم أقرأه من قبل للدكتور شاكر.
قصتى مع “الأدب والجنون” إذن بكل أسف قصة حزينة، ذلك أنه من الكتب القليلة جداً فى حياتى التى حُرمت من قراءتها رغم أننى اقتنيتُها بالفعل، وأمتلك منها نسخةً هديةً فى مكتبتى ظلت حبيسة الأرفف لسنوات، وهذا أمر لو تعلمون فظيع، ذلك أننى تلقيت ذات يوم بعيد من العام 1995 نسخةً هدية من الطبعة الأولى لهذا الكتاب، التى كانت صدرت للتو عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، يومها كنت فى مكتب شاعر العامية الكبير الراحل محمد كشيك أحد مسئولى النشر فى الهيئة العامة لقصور الثقافة فى شارع قصر العينى، وكان كشيك ”رحمه الله” من ذوى الضحكات والقفشات والغرام بمنطقة “الكيت كات” التى كان أحد أبنائها المخلصين.
وعلى الرغم من سعادتى بالهدية وإعجابى الشديد ومنذ اللحظة الأولى بعنوان الكتاب واهتمامى الأشد بفهم العلاقة التى تربط الأدب والإبداع عموماً بالجنون والهلاوس والأحلام والتبصرات، ورغم شغفى بكتابات الدكتور شاكر عبدالحميد التى تجمع دائماً بين علم النفس والإبداع على خلفية اهتمامى بفهم جنون عالمنا المعاصر وفك شفرات ألغازه، إلا أننى لسوء الحظ لم أتمكّن ـ ساعتها ـ من قراءة “الأدب والجنون”، بسبب صغر حجم بنط صفحات هذه الطبعة القديمة على نحو لا يُمكن تصديقه ولا يمكن قراءة صفحة واحدة منه، فقد كانت قراءته كابوساً معرفياً حياً يودى بك إلى ضعف النظر لا محالة، لدرجة أننى حاولت وقتها ـ والله ـ قراءته باستخدام عدسة مكبرة، الأمر الذى فشل أيضاً بكل تأكيد، ليبقى هذا الكتاب تجربة تتجدد مرارتها ولا شك على مدار الأيام.
بسبب كل تلك الملابسات الفادحة فى علاقتى بـ “الأدب والجنون”، لم أتمالك نفسى من الفرح وأنا ألتقط نسخةَ طبعتِه الجديدة والأنيقة، ذات البنط الواضح، الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب قبل أيام قليلة، ضمن مشروع “الأعمال الكاملة” الذى يقوم على أغلفته فنان كبير بحجم وثقل الفنان أحمد اللباد، الذى منح غلاف الكتاب العربى شخصية جمالية متميزة، وبسبب كل هذا الماضى العنيد كانت فرحتى بهذه الطبعة الجديدة، على أمل أن أقرأ كتاباً أحببته وتمنيته لكنه استعصى على ثلاثين عاماً، وفى هذه اللحظة تذكرت وعداً من الدكتور شاكر تحقق بعد رحيله بسنوات، فقد عرفت الدكتور شاكر عبدالحميد وصرنا أصدقاء، وحين زرته فى مكتب وزير الثقافة حيث عُين فى حكومة الدكتور كمال الجنزورى العام 2012، لأجرى معه حواراً موسّعاً نشرته مجلة “الإذاعة والتليفزيون”، وقتها سألته عن سبب هذا البنط الصغير جداً لطبعة الكتاب الأولى من “الأدب والجنون”، فقال إنه ـ فى حقيقة الأمر ـ كان يريد للكتاب أن يصدر عن دار نشر حكومية ليعم نفعُه بين الناس بسعرٍ زهيد، وأنه سوف تتاح له يوماً ما ولا شك الفرصة لإعادة طبعه مجدداً، وقد صح كلامه بعد موته بسنوات، وها أنا أقرأه الآن وأكتب عنه مقالاً تأخّر ثلاثة عقود على الأقل.
الهذاءات والهوس
الحق أن سعيى وراء قراءة الكتاب كان ولا شك ترجمة حقيقية ودقيقة للسعى خلف شغف قديم عندى، يتعلق بالإجابة المناسبة عن أسئلة كثيرة تتعلق بجماليات العوالم البعيدة عن الواقع المباشر والقريبة من عالم الخيال والكوابيس والأحلام والجنون، وتأثيرها على الفرد خصوصاً إذا كان مبدعاً، وهل للفن أو للإبداع دور فى علاج أو إعادة تأهيل المريض؟ بمعنى هل يمكن أن نتحدث اليوم بصورة علمية عن العلاج بالفن، وكل هذه الأسئلة سوف تجد لإجاباتها أصداء بين فصول “الأدب والجنون”، الذى ينقسم إلى ثمانية فصول، تبدأ من “تاريخ الاهتمام بالمرض النفسي“، و”المرض العقلي: الخيال والأحلام”، قبل أن ينتقل إلى قراءة بعض الأعمال الإبداعية العظيمة من رواية وشعر من خلال المنظور النفسى، ملتقطاً حالات من المرض النفسى قدمتها تجارب إبداعية عالمية فى الرواية والشعر، مثل أعمال دستويفسكى “مشكلة القرين واضطرابات التفكير”، وأعمال سترندبرج ”دفاع رجل مجنون”، و”كفاكا ضد بلزاك ..مشكلة أشباه الفصاميين”، و”جماليات الجنون والأحلام إدجار آلان بو ويرار دى نرفال ولوتريامون والسيريالية”، أما الفصل الثامن والأخير فجاء بعنوان “المريض النفسى والإبداع الأدبى ..الفوضى والنظام”.
من بين أكثر الموضوعات أهمية فى هذا الكتاب يأتى سؤال هل العبقرية هى العمل والاجتهاد؟.. أم أن العمل والجهد والتنظيم هى أشياء مكملة للعبقرية؟.. يستعرض الباحث عدداً من الآراء العلمية فى هذا السياق، فمنهم من قال: “إننى لا أعرف شيئا عما يسمونه العبقرية، العبقرية هى العمل والاجتهاد”، وهو رأى هوجارث، أما كارليل فقال: “العبقرية أولاً وقبل كل شيء هى قدرة متفوقة على مواجهة الاضطراب”، وقد لفت الباحث إلى طائفة من العلماء لاحظوا تلازم مظاهر المرض العقلى مع الإبداع لدى بعض المشاهير من المعاصرين، ويضيف شاكر عبدالحميد: “أثبتت أبحاث تلازم الظاهرتين لدى عينة من 78 عبقرياً من أبناء العصر، وتبين إحصائياً أن 83% من هؤلاء العباقرة يعانون بعض الاضطرابات سواء منها النفسية أو العقلية، كما تبين أن 90% من بين الـ 35 القمة من هؤلاء العباقرة يعانون اضطراباً نفسياً وعقلياً” على الرغم من كل ذلك سوف تجد من يعتبر العلاقة بين العبقرية والمرض النفسى مجرد علاقة سطحية جلبتها الصدفة وحدها”. مثلما يقول فلورنز.
يتوقف الباحث عند الأمراض العقلية التى أطلق عليها اسم الجنون باعتبارها من الموضوعات المعروفة بشكل مستمر فى الأدب الغربى، وكذلك الأدب الشرقى منذ بدايتهما حتى العصر الحديث، وقد احتل “الجنون” مكانة مهمة فى التراث الإنسانى القديم، حيث تخيل الإغريق الآلهة ديوتوسوس فى صورة المتسبب فى الجنون Backo والمخلص من الجنونLysois فى الوقت نفسه، يقول الدكتور شاكر عبدالحميد: “تشير الأدلة إلى أن الإنسان قد انشغل كثيراً بالأشكال المتطرفة من الخبرة العقلية والوجدانية قبل أن يسجلها فى أشكال أدبية بوقت طويل، فالأساطير والحكايات الخرافية التى ظهرت فى أعمال هوميروس، وفى “التوراة”، وفى دراما الإغريق القدماء تشتمل على أشكال رمزية أولية للهذاءات ومظاهر الهوس والأشكال الأخرى الغريبة من التفكير والسلوك”.
جذور قصيدة النثر
يذكرنا الدكتور شاكر بأن أنشطة السوريالية، أحد أهم تيارات الفن فى القرن العشرين، ركزت فى الأصل بشكل كلى على “مادة الأحلام”، نتيجة عدة تحولات حدثت وقتها للإنسان على رأسها العلم الحديث، وكان أهم هذه التطورات العلمية التطور فى مجال علم النفس وظهور “تحليلات دكتور “فرويد”، من وجهة نظر هربرت ريد الذى قال “إننى أشك فى أن السوريالية كان يمكن أن توجد فى صورتها الراهنة لولا سيجموند فرويد”، بينما يذكرنا الباحث بقيمة الأحلام، فالأحلام تسمح لنا ببعض لمحاتها الثرية أثناء العمل، والأحلام بالنسبة لفرويد هى أساساً ـ إشباعات رمزية لرغبات لاشعورية”.
قد كان لافتاً لى على نحو خاص أن يصل الدكتور شاكرعبدالحميد ـ فى هذا الوقت المبكر ـ مطلع التسعينات من القرن العشرين إلى معرفة قيمة وأهمية ودور شاعر فرنسى من القرن التاسع عشر مثل لوتريامون، وأن يدرك تأثيره على مسار الشعر الحديث، فقد كان أول من كتب قصيدة النثر فى فرنسا، وهو صاحب الديوان الوحيد “أناشيد مالدورور”، الذى تحول بعد صدوره 1869 إلى “بيضة الديك” التى اقترحت نمطاً شعرياً جديداً، لم يكن موجوداً من قبل هو قصيدة النثر، التى كتبها لوتريامون كقصيدة هذيان بمزاج سوداوى، الأمر الذى لا يزال لصيقاً بها ـ ربما ـ إلى اليوم، و لقد هالنى اكتشاف شاكر عبدالحميد لقيمة لوتريامون ولتأثيره ”النفسي” الكبير على القصيدة الجديدة، فى وقت كان فيه أغلب نقاد الشعر العربى لايزالون يتأففون من الكلام عن قصيدة النثر، بانتظار أن تعود عجلة الزمن إلى الوراء، وأن يعودَ الشعر موزوناً مُقفّى.
يشار إلى أن الدكتور شاكر عبدالحميد (1952 ـ 2021) من مواليد محافظة أسيوط، تخصَّصَ فى دراسة علم النفس وتخرَّج فى كلية الآداب جامعة القاهرة عام 1974 وحصل على درجة الدكتوراة من الجامعة نفسها عام 1984، وعُين زيراً للثقافة وأميناً عاماً للمجلس الأعلى الثقافة، وحصل على العديد من الجوائز، منها: جائزة شومان للعلماء العرب من الأردن، وجائزة الدولة المصرية للتفوُّق فى العلوم الاجتماعية، وجائزة الشيخ زايد للكتاب فى مجال الفنون، ومن أهم مؤلفاته: “”الغرابة ـ المفهوم وتجلياته فى الأدب” “الخيال من الكهف إلى العالم الافتراضي”، “الفن والغرابة”، “العملية الإبداعية فى التصوير”، “الأسس النفسية للإبداع الأدبى فى القِصة القصيرة الخاصة”، و”علم نفس الإبداع”، و”الحلم والرمز والأسطورة” وغيرها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
المنطقة بعيدة عن الأحياءالسكنية المتكدسة، "هِو" كما يقولون.. والرصيف الذى يقف عليه الشاب، يطل على شارع واسع سريع، تملؤه السيارات...
نحت لنفسه مسارًا متفردًا داخل قصيدة النثر المصرية فى المقدمة يناقش د. محمد فكرى الجزار الفروق الجوهرية بين النقد الأكاديمى...
أضع دائمًا جزءًا من نفسى فى كل بطل وبطلة لرواياتى كلنا يسعى للجوائز.. لكنها ليست الغاية الوحيدة