شخصيات لها تاريخ «47»مصطفى كامل..زعيم الحركة الوطنية المصرية فى القرن الـ20

كان والده من ضباط الجيش المصرى وأنجبه وهو فى سن الستين وكان متفوقاً فتخرج فى الخديوية الثانوية والتحق بمدرسة الحقوق نشر فى جريدة «الفيجارو» الفرنسية مقالة فضح بها «كرومر» وما جرى من قتل وتعذيب بحق أهالى قرية «دنشواى» فى يونيو 1906 درس الحقوق فى فرنسا وخدم الحركة الوطنية بمقالات نشرها فى مجلة تملكها جولييت آدم التى كانت تدعم الشعوب الواقعة تحت الاحتلال البريطانى أنشأ مدرسة وأسس جريدة اللواء والحزب الوطنى ودعا لإنشاء الجامعة المصرية وتبرع بمبلغ خمسمائة جنيه وحرض الأثرياء المصريين على التبرع

هو هدية السماء للشعب المصرى المجروح، ظهر فى لحظة هزيمة وانهيار، بعد وقوع مصر فى قبضة الجيش البريطانى، وهزيمة الثورة العرابية ونفى قادتها إلى جزيرة "سيلان" ومطاردة أنصار الثورة، وإيداعهم فى السجون، أو قتلهم بغير محاكمة، ورغم أن "مصطفى كامل" ينتمى إلى "كتامة الغاب" فى محافظة الغربية، كانت "الوطنية" التى استمدها من والده الضابط فى الجيش المصرى، ووالدته، وانتمائه للريف، هى التى تحرك وجدانه وتشعره بالمسئولية تجاه الشعب المصرى كله، وكانت أمارات النبوغ ظهرت عليه منذ وقت مبكر، فأنهى دراسته الثانوية فى الخديوية الثانوية، والتحق بمدرسة الحقوق، وبعدها سافر إلى "تولوز" فى فرنسا، وحاز شهادة فى الحقوق من جامعتها، وأنفق وقته فى الكتابة والتشهير بجرائم الاحتلال البريطانى، مستفيداً بالدعم الذى قدمته له الكاتبة والحقوقية الفرنسية "جولييت آدم"، وكان على وفاق مع الخديو عباس حلمى الثانى، الذى كان يشكو من سلب الاحتلال البريطانى سلطاته وتجاهله وتجاوزه، وتسيير البلاد بما يوافق مصالح بريطانيا العظمى.

اتفق المؤرخون على أن "مصطفى كامل" هو الذى أشعل الروح الوطنية فى قلوب المصريين، بعد هزيمة الثورة العرابية وفقدان مصر استقلالها، واتفقوا على أنه كان "فارس دنشواى" الذى أدار المعركة ضد "كرومر"، واستطاع طرده من مصر فى "مارس 1907"، وهذه مقاطع من  المقال الذى كتبه مصطفى كامل فى جريدة "الفيجارو" الفرنسية:

ـ وقضت المحكمة ثلاثة أيام فى نظر القضية، وظهر بوضوح أن الضباط الإنجليز كانوا هم الذين أثاروا الفلاحين، وذلك بصيدهم فى أملاكهم، وبجرحهم إحدى نسائهم، وأن الفلاحين قد هاجموا الإنجليز على أساس أنهم كانوا يسرقون ما يصيدون، وليس كضباط بريطانيين، واعترف أطباء إنجليز، ومن بينهم الدكتور "نولان" الطبيب الشرعى أمام المحاكم، بأن الكابتن "بول" قد مات من ضربة شمس، وأن جروحه وحدها لم تكن تكفى لكى تتسبب فى الوفاة.

ولم تعط المحكمة أكثر من ثلاثين دقيقة لأكثر من خمسين متهماً، لكى يدلوا بأقوالهم، ورفضت سماع أحد رجال الشرطة، الذى أكد أن الضباط الإنجليز قد أطلقوا النار على الفلاحين، وبنت المحكمة حكمها على تأكيدات الضباط الذين كانوا قد تسببوا فى المشاجرة، وفى يوم 27 يونيو صدر الحكم، فحكم على أربعة من المصريين بالإعدام شنقاً، وعلى اثنين بالأشغال الشاقة االمؤبدة، وعلى واحد بالأشغال الشاقة خمس عشرة سنة، وعلى ستة بالأشغال الشاقة لمدة سبع سنوات، وعلى ثلاثة بالسجن لمدة عام مع الجلد، وأخيراً على خمسة بالجلد دون السجن، وجُلِد كل منهم خمسين جلدة من "كرباج" له خمسة ذيول، وقررت المحكمة تنفيذ هذا الحكم فى اليوم التالى، وبهذا الشكل لم تستغرق المدة بين الحادث وتنفيذ الحكم إلا خمسة عشر يوماً، وفى الساعة الرابعة من صباح يوم الأربعاء 28 يونيو، أحضروا الأربعة المحكوم عليهم بالإعدام، والثمانية المحكوم عليهم بالجلد من "شبين الكوم" عاصمة "المنوفية" إلى قرية "الشهداء" على بُعد أربعة كيلومترات من "دنشواى"، وانتظر المحكوم عليهم هناك، لمدة تسع ساعات تنفيذ هذا الانتقام الفظيع، وفى الساعة الواحدة من بعد الظهر، ساروا بهم إلى "دنشواى"، وكان المسئولون الإنجليز قد حرصوا على أن يكون تنفيذ الحكم فى نفس الساعة، ونفس المكان الذى وقعت فيه المشاجرة، وفى دائرة مساحتها ألفا متر، وتحيط بها الحبال، نُصِبت المشانق وآلات الجلد، وكان جنود "الدراجين" الإنجليز يحيطون بالمحكوم عليهم، وكان فرسان مصريون يحمون الإنجليز، وأشرف "المستر ميتشيل" ومدير المديرية على عملية التنفيذ، واقترب منهم ابن أول محكوم عليه بالإعدام وطلب السماح له بأن يتلقى من والده وصيته الأخيرة، ولكنهم رفضوا قبول هذا الرجاء، وفى الساعة الواحدة والنصف، امتطى الجنود الإنجليز خيولهم، وأشهروا سيوفهم، وبعد دقيقة بدأت عمليات الشنق وشُنِق رجل، فصرخ أعضاء أسرته وأقاربه وكل الأهالى، وهم واقفون عن بُعد، حتى ملأوا الجو بصرخاتهم التى تُقطّع القلوب، وجُلِد شخصان أمام الجثة، وتكرر نفس المشهد ثلاث مرات، وتم شنق أربعة رجال، وجلد ثمانية، واستمر هذا المشهد مدة ساعة، وهو مشهد وحشى، مثير للنفس، وبكى منه بعض الأوربيين الموجودين بدموع الرأفة والجزع، وانصرف كل فرد، وهو يكرر الكلمة التى ذكرها أحد المشنوقين "لعنة الله على الظالمين"، وسيبقى يوم 28يونيو 1906، يوم شؤم فى التاريخ، وهو جدير بأن يُسجَّل حوليات القسوة والبربرية، وعمّت مصر كلها مشاعر الانفعال والسخط حين وصلتها أنباء الحكم فى دنشواى.

وأضاف مصطفى كامل قوله:

ـ ولقد جئت اليوم لكى أطلب إلى الأمة الإنجليزية نفسها، وإلى العالم أجمع إذا كان الغياب المطلق إلى هذه الدرجة لمبادئ العدالة وقوانين الإنسانية يمكن قبوله؟ وأطلب إلى الإنجليز الغيورين على سُمعة وكرامة بلادهم أن يقولوا لنا: إذا كانوا يرون نشر النفوذ المعنوى والمادى لإنجلترا عن طريق الطغيان والبربرية؟

جئت أطلب إلى أولئك الذين يتحدثون عالياً عن الإنسانية، ويملأون العالم برفضهم لفضائح أقل ألف مرة فى إثارتها للنفوس، عند أهال غير أهل "دنشواى"، أن يثبتوا إخلاصهم وصدقهم بالاحتجاج المخلص والقوى، على عمل فظيع، يكفى أن يجعل الحضارة الأوربية تسقط إلى النهاية فى أعين الشعوب الشرقية، وأطلب أخيراً إلى الأمة الإنجليزية إذا ما كان يجدر بها ترك ممثليها يلتجأون، إلى قوانين استثنائية، وإلى وسائل أكثر من همجية، لكى يحكموا مصر، ويعلموا المصريين قوانين العدالة الإنسانية.

 معركة ضد كرومر

ولم يكن مقال "مصطفى كامل" فى جريدة "الفيجارو" مجرد مقال عابر أو عادى، بل كان "حملة نضال" ضد اللورد كرومر، الذى كان وراء محاكمة أهالى "دنشواى" وإرهاب أهالى المتهمين، وكان وزير الخارجية البريطانى "إدوار جراى" يدافع عن "كرومر" ويزعم أن الشعب المصرى متعصب، وأن فى مصر تطرفاً إسلامياً، وهذا هو دفاع مصطفى كامل ورده على هذه المزاعم البريطانية:

ـ وإنى مُعجب، بكل إخلاص وعرفان بالجميل، بالنواب والكتاب الإنجليز، الذين رفعوا أصواتهم وأعلنوا أقوى غضبهم على هذه المسرحية الحزينة التى مُثّلت فى مصر، ولكن السير "إدوارد جراى"، حينما وجد الرأى العام قد انقاد لهم، وأنه تبرأ من سياسة "لورد كرومر"، تحدث فى مجلس العمومة البريطانى وادَّعى وجود تطرف إسلامى فى مصر، ورجا النواب ألا ينشغلوا بالشئون المصرية وألا يسببوا لها ارتباكاً وهى تواجه خطراً يتهددها، ولكننى أعلن بأعلى صوتى أن هذا الخطر المزعوم إنما هو من محض خيال اللورد كرومر، وهذا الخطر الموهوم إن هوإلاوسيلة يبرربها المسئولــون الإنجليـز هذه الجـريمة الأخيرة ، وجرائم أخرى تتحسب لوقوعها فى المستقبل، ولاوجود لهذا الخطر، وإن الفظائع التى ترتكب ضد مصرليس لها مايبررها ،وأؤكد بحق أقدس شىء فى الدنيا أن التعصب الدينى غير موجود فى مصر،نعم إن الإسلام سائد فيها ،لأنه دين الأغلبية، ولكن الإسلام شىء والتعصب شىء آخر.

ووقع السير "إدوارد جراى فى خطأ بالنسبة لهذه المسألة، وإنى أرجوه أن يفكر لحظة فيما يلى: لو كان فى مصر تعصُّب حقيقة فهل كان فى وسع إنجلترا أن تحاكم اثنين وخمسين مسلماً أمام محكمة استثنائية مؤلفة من أربعة قضاة مسيحيين وقاض واحد مسلم؟ وهل تنفيذ الحكم فى "دنشواى" بهذه الصورة المثيرة، لم يكن يكفى وحده لإشعال نار التعصُّب المدمرة والصاعقة لو كان له وجود؟ ألم تكن كل هذه التحريضات كافية لإخراج الشعب المصرى عن هدوئه، وانفجار ذلك التعصب المزعوم، لو كان هناك تعصُّب حقيقى؟

وأضاف مصطفى كامل:

ـ ومن حق المصريين أن يطلبوا تحقيقاً جاداً وكاملاً فى هذه المسألة، ومصر تقع على مسافة يومين من أوروبا، فليأت الإنجليز المحبون للعدل، والذين يرغبون فى عدم تلطيخ شرف إنجلترا، وليذهبوا إلى المدن وإلى القرى، وليروا بأنفسهم كيف يعيش المسيحيون من كل جنسية مع المصريين، ولكى يقتنعوا بأنفسهم بأن الشعب المصرى ليس متعصباً أبدا، ولكنه ينشد العدل والمساواة، وأن كل ما يطلبه هو أن يعامل كشعب وليس كقطيع.

هذه هى المعركة الكبرى التى تصدى لها مصطفى كامل، وهى معركة "الكرامة" التى جعلته يستحق أن يكون "زعيم الحركة الوطنية" فى بدايات القرن العشرين، وهى سنوات كانت مريرة قاسية على "الوطن" المصرى، بعد دخول الجيش البريطانى الأراضى المصرية، بالخيانة والتواطؤ، من جانب السلطان العثمانى و"الخديو توفيق" وبعض الخونة من ضباط الجيش، ومن قبائل العربان الذين قبضوا ثمن الخيانة على هيئة حقائب مليئة بأوراق البنكنوت، مقابل الإرشاد عن تحركات الجيش المصرى، وكان "ديليسبس" مدير شركة قناة السويس، أكبر خائن للشعب المصرى والثوار العرابيين، ولكن ظهور الشاب الوطنى "مصطفى كامل" كان له أثره على الوجدان المعنى للشعب كله.

 مولد زعيم الوطنية

كان مولد "مصطفى كامل" فى "14 أغسطس 1870" فى قرية "كتامة الغاب" التابعة لمركز "بسيون ـ غربية"، وكان أبوه من ضباط الجيش المصرى، ورُزِق بولده "مصطفى كامل" وهو فى سن الستين، وتلقى ـ مصطفى ـ تعليمه الثانوى فى "الخديوية الثانوية"، وأسس "جمعية أدبية وطنية"، وكان يخطب فى الطلبة، خطباً وطنية، حماسية، ثم التحق بمدرسة الحقوق فى العام 1891 وأتقن اللغة الفرنسية، وأقام علاقات مع الشخصيات الوطنية البارزة التى كانت منحازة للثورة العرابية، مثل عبدالله النديم، الذى كان "صوت الثورة العرابية" والصحفى الناطق بلسانها، وفى العام 1893 غادر "مصطفى كامل" مصر إلى فرنسا، والتحق بكلية "الحقوق" فى مدينة "تولوز" وحصل على شهادة الليسانس فى الحقوق، وفى الفترة ذاتها تفجرت قدراته الإبداعية، فكتب مسرحية "فتح الأندلس" التى يعتبرها مؤرخو المسرح، أولى المسرحيات المصرية، وكانت فترة بقائه فى فرنسا خصبة من الوجهة السياسية، فكان يدعو لتحرير مصر من القبضة البريطانية، مدعوماً بالسيدة "جولييت آدم" التى كانت تمتلك مجلة، تدافع عن حركات التحررالوطنى فى العالم كله، وهنا نتوقف أمام ما كتبه "فتحى رضوان" الرجل الذى كتب قصة فيلم "مصطفى كامل" الذى أخرجه وأنتجه "أحمد بدرخان" وهو مقال نشرته مجلة "الهلال" المصــرية، وأعاد ـ رضوان ـ نشره فى كتاب له أصدرته دار الهلال ضمن سلسلة كتاب الهلال، وهو مقال تعرض للرسائل الخاصة بالزعيم مصطفى كامل التى أرسلها إلى "جولييت آدم" وإلى "الخديو عباس حلمى الثانى"، وفى هذا المقال دفاع عن الموقف السياسى للزعيم مصطفى كامل..

يقول فتحى رضوان المحامى وعضو الحزب الوطنى ووزير الإرشاد القومى فى عهد ثورة 23يوليو فى كتابه "نصف قرن بين السياسة والأدب"، وهو يناقش رسائل مصطفى كامل ومضمونها ودلالاتها السياسية:

ـ  بلغت هذه الرسائل مائة وثمانين رسالة، منها أربع عشرة رسالة كتبها مصطفى إلى صديقه الأستاذ "عبدالرحيم أحمد" الذى كان يعمل أميناً للقسم العربى بديوان "الخديو عباس حلمى" الذى تولى حكم مصر من سنة 1892 حتى سنة 1914، والذى عاصره مصطفى كامل معاصرةً كاملة، ومن هذه الخطابات ثلاثة موجهة من مصطفى كامل إلى "الخديو عباس"، ومنها ثلاثة عشر خطاباً أرسلها إلى زميل صباه "محمد فؤاد سليم بن لطيف سليم باشا، والذى كان أول أمين عام للحزب الذى شكله مصطفى سنة 1907، ثم عشرون خطاباً إلى صديقه وساعده الأيمن فى الكفاح وخليفته "محمد فريد"، وخطابان إلى شقيقه "على فهمى" الذى احتما نصيباً غير قليل من عناء وآلام الجهاد بحكم عمله تحت قيادة شقيقه، ثم ست رسائل إلى "أحمد حلمى" ـ كاتب "اللواء" الأول ـ وكان كاتباً فذّاً، ترجع إلى مقاله المعنون "يا دافع البلاء" شهرة مذبحة "دنشواى" إذ وصف أحمد حلمى، تنفيذ الشنق والموت فى أربعة من فلاحى "دنشواى" وحكم الجلد فى نحو ضعف هذا العدد من فلاحى تلك القرية، وأخيراً، مائة وسبع رسائل كتبها "مصطفى كامل" إلى صديقة عمره "جولييت آدم"، صاحبة المجلة الجديدة "نوفيل ريفو" التى كانت تحررها وترأس تحريرها، وقد أرسل مصطفى  رســالة إليها فـى "12 سبتمبر 1895" فأدهشها الخطاب، وظنت أن كاتبه فى سن النضج، فلما جاء لزيارتها بعد أن حددت له موعداً، رأته شاباً ناحلاً بدا لها كصبى، فأكد لها أنه بلغ الحادية والعشرين وحصل على إجازة القانون من كلية "فولويز" الفرنسية، منذ ذلك اليوم توثقت بينهما علاقة الود، وأصبحت له أمّاً وزميلة ومرشدة، وأصبح معجباً بها، وكان لها صالون يتردد عليه أكبر رجالات السياسة والأدب.

وينقل ـ فتحى رضوان، نص رسالة بعث بها مصطفى كامل إلى "عبدالرحيم أحمد" أمين القسم العربى فى ديوان الخديو عباس حلمى الثانى بتاريخ 25 يناير 1896:

 حضرة أخى الفاضل

بعد السلام أرجوكم أن تنتهزوا الفرصة هذه وتطلبوا من سمو مولاى أعزه الله أن يتكرم بتحديد مقابلة خصوصية أنفى فيها عن نفسى ما نسبه ذوو الأغراض لى، ولكن أعلم إذا كان سموّه لا يريد نهائياً مساعدتى فى خدمة بلادى، حتى يتيسر لى عنده أن أعمل ما أريد فى مصر أو خارجاً عنها عاجلاً أو آجلاً، وإنى أنتظر منك الرد هذا المساء أو غداً فى الصباح..

ويعلق ـ فتحى رضوان ـ على الرسالة بقوله:

ـ كان تصوّر خصوم الحركة الوطنية أن مصطفى الشاب الصغير الفقير، الذى لا سند له من السلطة، هو صنيعة الخديو، وهذه الرسالة تدل على أنه ليس "صاحب الحاكم" وهناك رسالة ثانية :

ـ بعد التحية والسلام ..

أخبركم بأنه يمل ّصبرى ولست أظن أن هناك داعياً لكل هذا التأخير فإن كان لمولانا أعزه الله رغبة فى تشريفى بمقابلته فلتحددوا لى هذه المقابلة هذا الأسبوع، وإلا فإنى أحمل كل هذا التأخير على عدم حاجتكم إلى خدماتى، وعلى رغبتكم فى تأخيرى عن بلوغ أمانىَّ العديدة النافعة للبلاد وأميرها إن شاء الله، وأظنكم لا تلومونى إذا عملت من أول الأسبوع الآتى بغير استئذانكم أو انتظار تبليغكم، فقد مضى فوق نصف الشهر من يوم ما جئتم عندى وبلغتونى رغبة الأمير حرسه الله فى تشريفى بمقابلته..

والتحليل الذى طرحه ـ فتحى رضوان ـ حول العلاقة بين "مصطفى كامل" و"الخديو عباس حلمى" يؤكد أن الطعن فى ولاء "مصطفى" كان من جانب أعداء الحركة الوطنية، فقد اتهموا مصطفى كامل بأنه كان ينفذ خطة "عباس حلمى" الخديو الذى حرمه الاحتلال من سلطاته، والحقيقة التى لا سبيل لإنكارها أن "مصطفى كامل" كان واعياً، وكان يمارس السياسة وفق قانون "المصلحة" لا العاطفة، فهو يريد أن يشتد عود "الوطنية" وكان يريد التنسيق مع "الخديو" لتحقيق الهدف المشترك، وهو إخراج الاحتلال البريطانى من الأراضى المصرية، وكذلك كانت علاقته مع "جولييت آدم"، كان الهدف منها مخاطبة "النخبة" الفرنسية المعادية للاستعمارالبريطانى، وكان يعلم أن "فرنسا" لها مصالحها أيضاً، وكان يستغل التناقض بين القوتين لانتزاع مكسب للحركة الوطنية المصرية، لكن هذا التفكير ـ السياسى النفعى ـ انتهى بتوقيع الاتفاق الودى بين فرنسا وإنجلترا، الذى نص ّ على اعتراف "فرنسا" بحقوق بريطانيا فى "مصر" وأن تعترف "بريطانيا" بحقوق "فرنسا" فى المغرب .

وفى العام "1900" أسس مصطفى كامل "جريدة اللواء"،  وفى العام 1907 أسس "الحزب الوطنى"، وكانت الفكرة الجوهرية التى عاش من أجلها هى حرية الوطن المصرى العريق صاحب الحضارة القديمة، ولكنه رغم هذا، كان يؤمن بالجامعة الإسلامية، ويؤمن بضرورة التنسيق مع "السلطان" العثمانى، ورغم هذه النزعة الإسلامية، لم يكن متعصباً للدين الإسلامى، بل كان يؤمن بحق المصريين بكافة انتماءاتهم الدينية، فى الحصول على الحرية والاستقلال، وكان يدرك أهمية التعليم الوطنى، فأسس مدرسة، درس فيها التلاميذ المصريون من كافة الديانات، وكان شغله الشاغل، مقاومة خطة "كرومر" المندوب السامى البريطانى الذى كان يعبث بالهوية الوطنية للتلاميذ من خلال فرض رؤى الاحتلال على التلاميذ المصريين، وهو صاحب فكرة إنشاء "الجامعة المصرية" من خلال رسالة نشرها على صفحات جريدة "المؤيد" وتبرع بمبلغ خمسمائة جنيه، وهو مبلغ ضخم بمقاييس ذلك الزمان، وتبعه الأغنياء المصريون، وتوالت التبرعات، ثم تشكلت لجنة ضمت شخصيات مصرية لها وزنها الأدبى فى المجتمع، وتحقق حلم المصريين وأصبحت "الجامعة المصرية" صرحاً يمد الحركة الوطنية بالمفكرين والثوار، وفى العام 1908 توفى زعيم الحركة الوطنية وهو فى ريعان الشباب، بعد أن أدى دوره الذى اختاره لنفسه، وهو التضحية فى سبيل تحرير مصر من الاحتلال البريطانى.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

أحمد ماهر

المزيد من ثقافة

طريقة لفتح المجاري المسدودة في المنزل بخطوات سهلة وآمنة

انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...

قصة مصورة - لابس فانوس

ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...

الإرادة.. معجزة الإنسان

يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...

حكايات الشيخ محمد عمران مع عبد الوهاب والنقشبندى والحاجة أم على

ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...


مقالات

إدارة المفاجأة… حين يصبح الزمن سلاحا
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 02:21 م
منزل زينب خاتون
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 09:00 ص
القراصيا في طبق من ذهب
  • الخميس، 26 فبراير 2026 06:00 م
رمضانيات مصرِية .. السر في التفاصيل ..!
  • الخميس، 26 فبراير 2026 03:12 م
"أول مهنة عرفها الإنسان ! "
  • الخميس، 26 فبراير 2026 01:00 م