حصل على التقديرية عام الثورة.. وحصل على «النيل » فى عام موته.. رومانسى وأزهرى عمل فى «الاستعلامات » فأصبح «شاعر الإذاعة»
كانت أشعار محمد إبراهيم أبوسنة من أوائل ما قرأت وأنا صغير من الشعر العربى الحديث، فقد شكلت لحظة مهمة للوجدان الشعرى وللثقافة العربية، ولقد تأثرت جداً بجرأته وإخلاصه لكتابة شعر التفعيلة فى ذلك الزمان البعيد، علماً بأن اسم أبوسنة كان يمثل لى ذكرى أول هدية شعرية أتلقاها من شاعر كبير، بينما كنت لا أزال طالباً فى الثانوى يبحث عن مخرج لمآزقه الصغيرة.
فذات مساء شتوى ممطر، وبينما كان أبى رحمه الله عائداً لتوه من العمل فى “الإذاعة” أواخر عقد الثمانينيات من القرن العشرين، فوجئت به يمنحنى نسخة من ديوان “رماد الأسئلة الخضراء”، أحد أهم دواوين أبوسنة، وهو يقول باسماً إنها من صديقه وزميله فى كلية اللغة العربية فى جامعة الأزهر الشاعر والإذاعى القدير محمد إبراهيم أبوسنة، الذى ما إن علم من أبى أن ابنه الطالب ـ الذى هو أنا ـ يكتب الشعر حتى أرسل لى معه هذه النسخة، فكانت تلك أول وأجمل هدية أتلقاها من شاعر كبير طوال عمري.
وطوال سنوات العمل فى مهنة الصحافة الثقافية لمتُ نفسى كثيراً لأننى لم تجمعنى فرصة مع الشاعر الكبير محمد إبراهيم أبوسنة، وهذا اعتراف منى بالتقصير تجاهه فقد كان من واجبى أن أذهب أنا إليه، على الرغم من أننا تزاملنا لسنوات قليلة فى المبنى “ماسبيرو” إلا أننى التقيته مرة واحدةً فقط ـ وبالصدفة ـ على هامش أحد مؤتمرات المجلس الأعلى للثقافة أو “كافيتيريا جابر عصفور”، يومها كنت أنا قد أصبحت عجوزاً لكننى وجهت له الشكر على الإهداء الذى كان عمره قد تجاوز العقود الثلاثة، فاندهش أبوسنة جداً من الحكاية، التى حاول أن يتذكرها، ثم سألنى عن أبى وبدا ذاهلاً وحزيناً ـ وهو يغادرنى حين علم أن أبى قد مات.
لقد رحل أبوسنة عن عالمنا، والحق يقال، بعدما حصل على العديد من الجوائز، فقد نال جائزة الدولة التشجيعية فى الشعر العام 1984، كما حصل على جائزة الدولة التقديرية العام 2011 فى الآداب، وجائزة النيل عام 2024، لكنه على ما يبدو كان سىء الحظ فى توقيتات حصوله على هذه الجوائز، فحين حصل على جائزة الدولة التقديرية كان ذلك فى العام 2011، بكل ما صحبه من توترات، كما أنه لم يسعد بالحصول على جائزة “النيل فى الآداب” أرفع الجوائز التى تمنحها الدولة وأعلاها قيمة “500 ألف جنيه مصري”، ـ ما كان يساوى نحو 10 آلاف دولار ـ وقد حصل عليها أبوسنة أواخر مايو الماضي، إلا أن الموت لم يمهله كى يفرح بها، فغادر الدنيا بعد خمسة شهور فقط من إعلانها.
لقد كان من حسن الحظ أن توّجت “جائزة النيل” مشروع أبوسنة الشعرى الغزير والحافل والطويل وهو لا يزال على قيد الحياة، حيث أصدر ديوانه الأول العام 1965 بعنوان "قلبى وغازلة الثوب الأزرق"، قبل أن يبدأ نشاطه الشعرى وصوته الخاص يتشكل مع دواوين: "حديقة الشتاء"، و"أجراس المساء"، و"تأملات فى المدن الحجرية"، و"البحر موعدنا"، و"موسيقى الأحلام"، فى حين صدرت له مسرحيتان شعريتان، مثلما أحب كثير من شعراء هذا الجيل أن يفعلوا وأصدر مسرحيتي: "حمزة العرب" و"حصار القلعة".
والحق أن من بين أبرز ملامح تجربة أبوسنة الشعرية أنه كتب بعين الرائى البصير نوعاً من القصائد التى تلتقط كثيراً من مفرداتها ومشاهدها من الحياة الواقعية للمدينة، وتروى جانباً من إهتمامه بقراءة الهموم فى العيون، باحثاً عن إيقاع المدينة التى كانت تتشكل رمزاً للقسوة والزحام والقبح، وهى التجربة التى كانت عنده تستند إلى حبكة قصصية متقنة، تريد أن تنقل واقعاً دموياً قاسياً، كما يقول فى واحدة من أشهر قصائده بعنوان "رسائل إلى حبيبة غائبة":
“بالأمس يا حبيبتى خرجتُ للطريق
لأقرأ الهموم فى العيون
همومَهم، أولئك الذين يعبرون
فى شارع المدينة الحزين
لعل هم وحدتى يهون.
إشارة حمراء قف
إشارة خضراء من هنا انصرف
وفجأة توقف الترام
وطوق الزحام جثة لطفلة تنام فى الدماء
ما زالت الحياة فى الأعضاء
ووجهها حمامة تموت فى الشفق
نوارة من الحقول تحترق
وشقت الزحام صيحة: صغيرتى
وكانت العجوز ترتجف
وتمتم الجميع بالأسف
تكسرت دوائر الزحام
وتابع الجميع سيرهم
ما أعجز الكلام
سوى إشارة حمراء قف
والموت موغل ولا يكف
الموت يا حبيبتى لا يعرف الإشارة الحمراء
يلوح ثم يختفى
الموت والحياة يا حبيبتى
زجاجة تضاء
ثم تنطفي”
كما كتب أبو سنة دراسات نقدية تتعلق بالشعر مثل: "دراسات فى الشعر العربي"، و"أصوات وأصداء"، و"قصائد لا تموت..مختارات ودراسات"، أما عن كتابه "فلسفة المثل الشعبي"، فقد سعدت جداً بقراءته والمساهمة فى إعادة إصدار واحدة من طبعاته الكثيرة العام 2003، ضمن سلسلة “مكتبة الدراسات الشعبية” التى كان يرأس تحريرها الروائى الكبير الراحل خيرى شلبي، وكنت أعمل معه ـ فى هذا الوقت ـ مديراً لتحرير السلسلة، والكتاب يقدم هو قراءة فنية وثقافية ونقدية لعدد من الأمثال الشعبية المصرية، التى ستظل لقرون طويلة مقبلة مصدراً لفهم الشخصية القومية ومنبعاً لا ينضب لتفسير كثير من أفكارها وعاداتها وتقاليدها.
شجر الكلام
برحيل الشاعر الكبير محمد إبراهيم أبوسنة تكون الثقافة العربية قد ودعت واحداً من أبرز شعراء “جيل الستينيات”، أو قل بالأحرى “شاعر الإذاعة المصرية” خلال سنوات مجدها التليد، وهو صاحب المجموعات الشعرية المعروفة: “قلبى وغازلة الثوب الأزرق” و”أجراس المساء” و “رماد أسئلة الخضراء” و“شجر الكلام”، وأحد الذين كتبوا قصيدة “شعر التفعيلة” بملامحها وجمالياتها وطرائقها فى التعبير والتصوير، وبالتالى كانت تجربة أبوسنة وسط مجموعة كبيرة من الشعراء منهم: أمل دنقل وفاروق شوشة وعبدالمنعم عواد يوسف وبدر توفيق وفتحى سعيد وغيرهم، وفى مقدمتهم الشاعر صلاح عبدالصبور والشاعر أحمد عبدالمعطى حجازى “أطال الله عمره”.
الحق أنك لن تفهم أبداً ذلك الدور المهم الذى لعبته قصيدة التفعيلة فى تغيير صورة الشعر القديم وتعديل اتجاهاته إلا حين تدرك الدور الذى لعبته هذه القصيدة وشعراء هذا الجيل بالتحديد فى تغيير الصورة النمطية للشعر العمودى أو قل بالأحرى تحطيمه، والبحث عن سبل وأشكال جديدة للشعر وكسر الحواجز من أجل الخروج على المألوف، فى وقت مبكر جداً بحيث أصبح وجود شعراء بحجم أمل دنقل مثلاً فى جيل الستينيات يمثل أكبر ضربة يمكن أن يوجهها شاعر لا يزال محافظاً على أصوله العربية إلى الذائقة الشعرية العربية، بمعنى أن الثقافة والتكوين الثقافى العربى لأمل دنقل أسهما فى أن تكون مغامرته فى حدود تثوير شكل قصيدة التفعيلة، التى كانت فى يوم الأيام، قبل نحو نصف قرن رمزاً من رموز التمرد على قصيدة الشعر العمودى التقليدية، التى كان الأديب الراحل عباس محمود العقاد من أشد المتشددين ضدها.
شاعر الإذاعة
بالمثل جاءت مساهمة محمد إبراهيم أبوسنة فى تثوير القصيدة العربية محكومة بثقافته وتكوينه الأزهري، طبعاً استطاع الشاعر أن يتمرد على كثير من القواعد الجمالية للشعر الذى يدرس فى الأزهر، لكن قفزة هذا التمرد ـ رغم أهميتها وضرورتها كخطوة ـ كانت قد توقفت عند حدود تثوير قصيدة التفعيلة، وعدم الخروج إلى أى أفق شعرى آخر، مثلما فعل من كتبوا قصيدة النثر من جيل الستينيات فى الشعر العربى مثل الشاعر العراقى سعدى يوسف مثلاً.
للأسف ومن سوء حظ شاعرنا على ما يبدو أنه مات فى زمن ليس من السهل أن تجد فيه من يقدر أهمية الدور الذى لعبته تجربة أبوسنة الشعرية وخصوصاً تجربته المهنية الفريدة فى العمل الإذاعي، التى يجب أن نبتذلها ونشبهها بـ “تيك توك” الزمن الماضي، لكى يفهمها أبناء الجيل الحالى الذين سيكون علينا أن نشرح لهم أهمية الدور الذى لعبته “الإذاعة” وقتها فى تشكيل روابط ثقافية حداثية لدى الناس، الذى خرجوا من شاعر الربابة فى القرون الوسطى إلى أحدث وسائل التواصل اللاسلكي، والتى أسهمت فى بلورة مفاهيم جمالية وشعرية ولغوية جديدة لدى جمهور المصريين مطلع القرن الماضي.
هنا أحب أن أختتم مقالى بشهادة من الشاعر والإعلامى سامح محجوب، حول تجربة أبوسنة فى العمل الإذاعى حيث كتب محجوب: “أبو سنة هو أجمل وأعذب من سمعته يقول الشعر أو ينشده لغيره فى برنامجه الإذاعى الأشهر( ألوان من الشعر) بإذاعة البرنامج الثانى الثقافى التى ترأسها فى أواخر عقد التسعينيات من القرن المنصرم، قبل أن يحال للتقاعد نائبًا لرئيس الإذاعة المصرية فى بداية الألفية الثالثة”.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى...
الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية
بدأت فلسفة الاختيار بمناقشة مسألة القدر المحدد بعلم الله مسبقاً ومن هنا ظهرت مذاهب فلسفية كالجبرية والمعتزلة والأشعرية
تربّى فى الزاوية ودرس العلوم الشرعية وكان يحب مجالس العلماء ويقربهم إليه وامتلك واحدة من أكبر وأهم المكتبات فى العالم...