نجيب محفوظ: طاعة ومحبة لله وأكبر ضامن لوجود المجتمع الإنسانى/ أبو حامد الغزالى: له ثلاث مراتب.. الأولى للعامة والأخيرة لـ «أخص الخاصة»
يأتى صوم شهر رمضان من تشريع الأحكام التى تدل على وجوبه كركن من أركان الإسلام، وكان قد فرض الصيام فى المدينة المنورة بالسنة الثانية للهجرة النبوية، وقد فرض فى شهر شعبان ليصبح بعد ذلك واجباً على كل مسلم فى هذا التوقيت.
تدل النصوص الشرعية، سواء من الكتاب الكريم أو من السنة المشرفة، على أن الصيام قد فرض على المسلمين كما فرض على غيرهم من الأمم، وقد شرعت أحكامه و مواقيته فى آيات الصيام وبينت تفاصيل ذلك بالأحاديث النبوية، وجاء فى مشروعية الصيام بكتابه العزيز قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون"، وقد نزلت هذه الآية الكريمة فى بداية فرض الصيام لتأتى بعدها آية أخرى تحدد ميقاته ومقدار أيامه، فيقول تعالى: "شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر فليصمه"، فيما أوضحت الآيات بسورة البقرة كل ما يتعلق بالأحكام الشرعية المتعلقة بهذا الصوم، ومنها أحكام الاعتكاف به مثلا مع تلك الرخص التى منحها الله لبعض عباده من إمكانية عدم صومهم وطريقة التكفير عن هذه الأيام للمعذورين منهم شرعا.
مراحل تشريع الصوم
قد لا يعرف الكثيرون أن الصوم فى الإسلام قد مر بمراحل تشريعية قبل أن يفرض بشكله الأخير، وذلك أن تشريع الأحكام بصفة عامة لم تنزل بالوحى كلها جملة واحدة، بل كان لها من التدرج ما يتيح للعباد تقبلها شيئا فشيئا، فكان منها ما تنزل بمرحلة الإسلام الأولى بمكة المكرمة، حيث كان بداية ترسيخ الإيمان بالله وحده هدفا أساسيا قبل أى حكم آخر، ثم شرعت باقى الأحكام دون ذلك بعد الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة، وهى مرحلة استقرار شأن الإسلام واكتمال الدين، فكان ما ضمن ما شرع ما يخص الصوم، فلم يشرع الصوم كدفعة واحدة، بل كان على مراحل، حيث كان المسلمون يصومون أيضا كصيامهم يوم عاشوراء الذى كان موجوداً حتى فى الجاهلية حتى إلى ما بعد هجرتهم للمدينة المنورة، وقد سُئل الرسول عن ذلك فقال إنه اليوم الذى نجى فيه الله تعالى قوم موسى وأغرق فرعون ونحن أحق من اليهود بصومه، فقد كان هذا الصيام شكرا لله، ولما فرض صوم رمضان قال الرسول الكريم: من شاء يصمه ومن شاء يتركه.
أما شهر رمضان وصومه، فقد قال الله تعالى فى أول تشريع "فى أيام معدودات"، أى كان الصيام فى البداية لا يشمل الشهر كله، وذلك لئلا يشق على النفوس فتفتر الهمم ويصعب التحمل، كما كان الله تعالى على مبدأ التخيير، وذلك فى قوله تعالى: "على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له"، وذلك يعنى أن من شاء يصم بالشهر أياما معدودات، ومن شاء أفطر على أن يطعم عن مسكينا، ثم حدث أن نسخ بعد ذلك هذا الحكم، فنزلت آية وجوب صوم الشهر كاملاً، فقال تعالى: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه" وذلك مع ثبات حكم إمكانية الإفطار لكن بعذر شرعى وتعويض تلك الأيام فى غير شهر رمضان أو إطعام مسكينا عن كل يوم إفطار، كما كان وقت الصيام فى مراحله الأولى يبدأ مع بداية الليل، ومن نام أو صلى العشاء صار صائما لليوم التالى وحرم من كل المفطرات، وقد شق هذا على المسلمين، فخفف عنهم الله بأن جعل وقت الصيام محددا منذ طلوع الفجر إلى غروب الشمس فقط.
الصيام والفلسفة
لا شك أن فلسفة الصيام تختلف عند أصحاب كل ديانة، وفى الدين الإسلامى كانت الرحمة فى ترك الشهوات تقربا لله، وهذا سر اجتماعى عظيم من وراء فلسفة الصوم الذى يجعل كل الناس أمام أحكامه سواء، وهو معنى راقٍ من معانى الإنسانية، بجانب أن لكل فعل فى الواقع حقيقتين، ظاهرة وباطنة، والصيام يعتبر هو التوافق بينهما بوصفه التمثيل الفريد لشهادة الجوارح على القلب، غير أن لهذا المعنى درجات كما قال العلامة "أبو حامد الغزالي" الذى قسم تلك الدرجات إلى ثلاث مراتب، منها "صوم العموم" وهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوات، و"صوم الخصوص" وهو كف سائر الجوارح عن الآثام، ثم صوم "خصوص الخصوص" وهو صوم القلب عن كل الصفات الدنية والأفكار الدنيوية، ولا يكون إلا الله بالكلية، وربما قد استقى هذا المعنى الأخير من قوله تعالى: "لعلكم تتقون"؛ و"مصطفى صادق الرافعي" كذلك أكد على هذه الأمور، حين أخبرنا أن تلك الصفات هى ما يحققها الصوم فى جميع المراتب، كما أن الصلاح الداخلى يجعل المرء قريبا من ربه ويؤدى إلى السلام والهدوء متمثلا فى وحدة المشاعر التى تسحق أمامها الشهوات والغرائز.
وفى كتابه "فلسفة الصيام" قال المفكر الإسلامى "محمد الغزالي": إن الصيام قد يكون عبادة مستغربة ومستنكرة أحيانا فى مواجهة الحضارة المادية التى باتت تسود العالم وتجعل للبدن سطوة على الروح، وتجعل الإيمان بالحياة العاجلة مقدما على الحياة الآخرة، لكن فى حقيقة الأمر أن الصوم جاء ليؤدب البدن ويعلى من قيمة الروح التى تهذب المادة وتطوع المادية، وهذا كله فى وقت محدد من كل عام فى طقس عنى بذلك على وجه التحديد، وعلى ذلك كان "الغزالي" كغيره من المفكرين الذين اعتبروا الصيام فريضة تعبدية خالصة جاء باطنها كظاهرها فهى تصلح للدنيا كما تصلح للآخرة.
ومن جانبه، مد الدكتور "مصطفى محمود" صاحب الأطروحات الروحية المميزة الخط على استقامته، وقال إن التحكم فى الشهوة والهوى وإلجام البطون هى علامات الإنسان، فأنت إنسان فقط فى اللحظة التى تقاوم فيها ما تحب وتتحمل فيها ما تكره.
وفى نفس الإطار، قدم اثنان من أشهر الأدباء والمفكرين وجهة نظرهما فى الصيام، وهما "عباس محمود العقاد" و"نجيب محفوظ" اللذان كتبا مقالين نادرين وشبه مجهولين للقراء فى هذا الأمر، كتب "العقاد" بمجلة الهلال عام ١٩٥٥ أن ميزة صيام شهر رمضان كونه فريضة اجتماعية رغم أن فرضه على آحاد المكلفين يأتى بموعد معلوم من العام لترويض الجماعة على نظام ونمط واحد، وفى هذا يعد الصيام إصلاحا للأمة فى تعويدها على الصيام ولو من خلال شهر واحد من السنة.
أما "نجيب محفوظ" فكتب فى مقال نشر بجريدة الجمهورية عام ١٩٥٧ تحت عنوان "الصيام طاعة ومحبة لله" أن أولى مبادئ التوحيد تحرير الروح، وهى أحد أهم المبادئ الهامة لضمان وجود المجتمع الإنساني، ففى ضوء الصيام يمكننا أن نحاسب أنفسنا ونسألها عن موقفها الحقيقى من الدين الذى نؤمن به وموقفها من الله تعالى الذى نعبده.
الصيام ووحدة ثنائية القطب
"العبادات، ومنها الصوم، تعد محور اتزان بين الأضداد، وهى وحدة منهاج بين الروحانية التى تميز الشرق فى مقابل المادية فى الغرب، لذلك فهى محطة استقرار نهائى بين صراع الحضارات".. هذا ما كتبه الرئيس البوسنى الراحل "على عزت بيجوفيتش" فى كتابه الشهير "الإسلام بين الشرق والغرب"، وقد حمل الكتاب فى طياته الفكرة التى تؤكد الثنائية الرشيقة بين الخلق والتطور والعلم من ناحية، والفن والثقافة والحضارة من ناحية أخرى، الأمر الذى يدل على أن هذه الثنائية هى التى تزن بين عالمين، وهما العالم المادى على الأرض والعالم الروحانى فى السماء؛ وفى خاتمة الكتاب، قال "بيجوفيتش": إن الصوم باعتباره عبادة، يعد وحدة ثنائية القطب، لما لها من تأثير على الإنسان وتطوره، وهو ما أكده العلم فى الأبحاث والدراسات التى أقرت بتأثير ذلك على الفنون والثقافة والحضارة .
أما المفكر الدكتور "عبد الوهاب المسيري" فيرى أن هذه الثنائية معجزة تدل على وجود متزامن بين نقيضين، وتدل كذلك على حضور متفاعل بين قيمتين قد جمعا بفضل الصيام فى كيان واحد كتجربة واحدة حقيقية تثبت أن المعيشة على هذا الأساس ليست إلا أكثر التراكيب الإنسانية تفردا، وذلك باعتبار أن مسألة هذه العبادة ليست مسألة شخصية تخص الفرد فقط، إنما هى مسألة التزام اجتماعى له طبيعته الخاصة.
الصيام فى شهر الثورة
كتب الكاتب السعودى "فيصل بن عبد الله" فى كتابه "الصوم ثورة" أن من تبقى من الاشتراكيين فى العالم ربما يضطربوا وهم عاجزون عجز من يحاول تغيير الإنسان بالنقصان، فلا يزال مذهب هؤلاء فى الدنيا مجرد رسائل نصح ونظريات، ولو أنهم نظروا إلى حكمة صوم رمضان لرأوا أن لهذا الشهر الكريم نظاما عمليا أقوى من كل ما يدعون إليه، وهو أبدع الأنظمة الاشتراكية الصحيحة، فهذا الصوم يعتبر فقرا إجباريا تفرضه الشريعة الإسلامية فرضا ليتساوى الجميع فى بواطنهم وفى كبريائهم الاجتماعي، ولو حقق الاشتراكيون فى الأمر لتأكدوا أن فى الإنسانية لا يختلف الإنسان فى بواطنه وما ملك من عواطف، إنما يختلف بأحكام العقل على ذلك كله، ومن هنا يتناول الصيام هذه الحالة من التهذيب والتأديب والتدريب، وكل ما يجعل الإنسانية فى حالة نفسية واحدة تتلبس كل نفس صائمة على اختلاف مكانها ومكانتها، وذلك بعدما يشيع الصيام فيها فى زمن واحد هو شهر رمضان، فضلاً عن أن ماهية الجوع والإحساس بالعوز هى فى الأساس فكرة اشتراكية فى معناها، وعلى نفس المنوال تأتى مسألة المساواة بين الغنى والفقير التى إذا انتزعت من المذهب الاشتراكي، كما أن تجلى قصة الرحمة المتولدة من ألم الحرمان، هو فى حد ذاته معجزة إصلاحية تتحقق فى رمضان دون غيره من شهور السنة، وتغير من أعمال الروح والجسد معا، ويتقبل من يصوم هذه الحالة الوجدانية طواعية، وهى طريقة فعالة لترسيخ الخير فى النفس، وهو الأمر الذى يجعل شهر رمضان بحق "شهر الثورة".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
"هل هذا طبيعي؟" – هذا السؤال الذي تهمسه كل امرأة لنفسها مرة واحدة على الأقل في حياتها، غالبًا بعد ملاحظة...
السفر في جوهره هو الفرصة الأثمن لاستعادة ذاتك التي استنزفها ضجيج الحياة اليومية، ومنصة فلاي إن صُممت لتكون رفيقك الموثوق...
مع تعاظم الحاجة للتحول الرقمي في إدارة الأعمال بالسعودية، أصبح اختيار نظام محاسبي سحابي متكامل (ERP) مسألة حيوية للشركات المتوسطة....
لا يستطيع الرجل أن يترك صلاة الفجر، يتسحر ويخرج فوراً إلى المسجد، ليعيش الأجواء الروحانية لبداية يوم رمضاني جديد من...