حكايات عادية جداً - هروب جماعى

على المقهى، فى لحظة ما يتوقف الكلام، ويسود الصمت، يحدث الأمر وكأنه اتفاق مسبق، ينسحب الجميع إلى عالم موازٍ،

ينتقل إليه عبر تلك الشاشات التى تقبض عليها الأيدى أكثر مما تقبض على الواقع.

 أحدهم، ينهمك مع توقعات ليلى عبد اللطيف وهى فى ضيافة عمرو أديب، ثم يعلق جادًا: "طالما الست دى قالت الاقتصاد هيتحسن، يبقى إن شاء الله هيتحسن".

مع إنه، قبل فاصل الصمت، كان يشكك فى كلام مسئول، ظهر على شاشة أحمد موسى، وتنبأ بتحسن الأوضاع!

لماذا نصدق توقعات ليلى عبد اللطيف، أكثر من تصديقنا لتوقعات الحكومة؟، أكثر تصديقا من أنفسنا أحيانا؟ ثم لماذا يسألها مذيع آخر، وهو فى قمة تركيزه: عن حالة الطقس؟

يلفت انتباهى هذا التناقض، فأسأل صديقى الدكتور، محمد محمود حمودة، أستاذ الطب النفسى بجامعة الأزهر، أسأله فى فويس على الواتساب، فيرد علىّ بآخر : "الناس بتدور على أى حــاجـــة تمشى مــع مـــزاجهم وأهوائهم، وليلـى عبد اللطيف بتقول كلام يمشى على مزاج الناس، ولما صادف طلاق أحمد العوضى توقعاتها، الناس بقت تصدقها، والناس مبقتش تصدق الحكومة لأنها قالت أكتر من تصريح عن الدولار والأسعار وطلعوا فشنك، و ليلى عبد اللطيف لما تتنبأ بحاجات متحصلش، الناس برضه هتبطل تصدقها، وفى النهاية كذب المنجمون ولو صدقوا".

فى النهاية، يكذب المنجمون، ومع ذلك، لا نكف عن سؤالهم واستضافتهم فى البرامج والصحف.

*****

فى اجتماع عمل، تباغتنى زميلة: أنت قلت لى برجك إيه؟، ثم تتحدث عن شهور الحظ وشهور النحس بين الأبراج لعام 2024، تشد انتباه الحضور، ينسون موضوع العمل الذى نتحدث فيه، ويبحث معظمهم عن مصيره فى كلماتها، وكأن مستقبله، معلق برغبة الكواكب وحركتها، أكثر من تعلقه بما  يفعل هو.

*****

فى المطعم، يخبرنى صديقى الصحفي، أنه يجمع معلومات جديدة عن "صلاح الدين الأيوبى"، يضع كتاب المستشرق ستانلى لين بول «صلاح الدين وسقوط مملكة بيت المقدس» على الطاولة، ثم يروى الأساطير عن الناصر، لم يلفت نظرى تلك الغرائب التى يرويها بقدر ما لفت نظرى قصة تحوله هو شخصيا، من صحفى ميداني، يبحث عن موضوعاته فى الشوارع والمقاهى والقرى، بين الناس.. إلى نابش عن قصص الأموات، فى التاريخ.

توقفنى جملته:  "أهو دا لو موجود معانا، كان حل مشاكلنا كلها".

صحيح أن الماضى يسهم فى صناعة الحاضر، صحيح أننا نستخلص منه العبر  ونستلهم منه الدروس، لكن هناك فرقا بين أن نذهب إلى الماضى من أجل إثراء الحاضر، وبين أن نلجأ إليه رغبة فى إعادة إنتاجه، كيف نضع حلول مشاكلنا وواقعنا، فى أيدى من ماتوا؟

*****

يرن هاتفى، فتأتينى مكالمة من صديق شاعر، يدعونى لمشاركته زيارة السيدة نفيسة، أنتبه.. لقد كنت أتلقى منه من قبل نفس الدعوة، ولكن.. كى نلتقى فى الأوبرا أو مقاهى وسط البلد، تغيرت توجهاته فى السنوات الأخيرة، أنا مثله أيضا، أصبحت أمسك فى يدى سبحة، إذا حدث ونسيتها فى البيت، يصبح اليوم بأكمله سيئا.

أتأمل الآن الأمر، هناك موجة إقبال على زيارة الأولياء، ورواج لتجارة السبح.

نعم أتفق معك، فى أنه حين يضيق الواقع، وتكثر العقبات، وتتلاشى الحلول، يبحث الإنسان عن فكرة أكبر منه، ولا يوجد أكبر من الله.

 لكن كيف نصل؟، هل بأنفسنا أم نبحث عن واسطة؟ هل نأخذ بالأسباب فى البحث عن حلول لمشاكلنا، أم ننتظر الحل السحرى نازلا من السماء فى هيئة "معجزة"؟

*****

لحظة من فضلك، لماذا أصبحت كتب الرعب والخيال العلمى والبحث عن التاريخ وتوقعات الفلك والأبراج، هى الأكثر مبيعا؟، لماذا ينفق المصريون 15 مليار جنيه سنوياً على أعمال الدجل والشعوذة (دراسة لمركز الدراسات الاقتصادية المصرى)؟ ولماذا ينفق 17% منهم أى نحو ١٤ مليون شخص 96 مليارا على المخدرات (الجهاز المركزى للمحاسبات)؟

إننا نعيش حالة هروب جماعى.

أتفق معك، أن الواقع الذى نعيش تقلباته العنيفة من 2011 وحتى الآن، ما بين ثورات وحروب وأمراض وجرائم ومشاكل عائلية واقتصادية وعاطفية ونفسية،...و.....، هو واقع ثقيل فى أغلب أيامه.

أتفق، وفى النهاية هذه طبيعة الأيام، يوم حلو ويوم مر، لكن الخطر، كل الخطر، أن نتعاطى مع هذا الواقع بالهروب، بخلق عوالم موازية، تكون الكلمة الأولى فيها، لتوقعات ليلى عبد اللطيف وما تقوله الأبراج و ما نستدعيه من الماضى ويعلنه العراف وترسمه حبة ترامادول وانتظارنا لـ "المدد".

ربما يخفف هذا الهروب شعورنا بالقلق من المستقبل، يهدئ من الأمر قليلا، ينسينا ولو لساعة سعر الدولار وثمن كيلو السكر وقسط مدرسة الأولاد وما يحدث فى غزة، ولكن فى الوقت نفسه، هذا الهروب يلتهم الحاضرَ ويعطِّل حركتَه، ويؤسس لثقافة التواكل، وينشر الإحباط ويعلن عن قرب نفاد بطاريات الأمل.

*****

الأمل والعمل هما طريق النجاة الوحيد الذى علينا أن نسلكه، حين يمتلئ الواقع بالقتامة.

 	أحمد عطا الله

أحمد عطا الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

بدء التقديم للتسجيل في الجامعات المصرية للوافدين لاستقبال دفعة العام الجديد

تؤكد الجامعات المصرية أنها أصبحت أفضل الوجهات التعليمية الاستثنائية المفضلة للطلاب الوافدين، مما يجعل اتباع خطوات التقديم بدقة قبل استكمال...

قصة مصورة - تعسيلة

لا مكان يصلح للنوم تحت شمس يونيو القاسية .. لا ظل شجرة يتكوم في فيئه، لا حديقة يتقى بعشبها الندى...

ألفت عاطف: أكتب فى صومعة منعزلة

الكتابة الجيدة طبخة محسوبة تجمع طزاجة المكونات ومهارة الوعى الفن تخلقه الاستعارة والرمز والجنون.. ومهمة الكاتب تفتيت الواقع واللغة

آلاء فودة.. قصيدة نثر غاضبة ليست عارية تمامًا من ماضيها

اختارت الكتابة عن «العائلة» أكثر الموضوعات استقرارًا فى الوجدان العربى تكمل مسيرة الكتابة المتمردة على العائلة وقد بدأها عبدالمنعم رمضان