فنان تشكيلى غيّر لغة الشعر وكتب أعظم أغنيات الجيل الذهبى/ ديوانه الأول «صهد الشتا» كان مصدر إلهام لأجيال من الشعراء/ صاحب «كامل الأوصاف» و«غاب القمر» من أهم المجربين فى العامية
على الرغم من أن الشاعر الكبير الراحل مجدى نجيب كان من مواليد محافظة القاهرة، مايو 1936، إلا أنه استطاع بما يملك من الثقافة والوعى والموهبة الشعرية الأصيلة أن يكون اسماً مميزاً ورقماً صعباً فى تجربة العامية المصرية، حيث تمكن فى وقت مبكر جداً من توظيف إيمانه بعبقرية اللغة القاهرية المثقفة والسهلة لكى تكون لغة شعرية مشحونة بطاقات انفعالية وعاطفية حادة، وأن تكون لغة أدب من طراز رفيع جنباً إلى جنب كونها لغة تلبى حاجات الناس اليومية.
لقد كان الاعتقاد سائداً ومستقراً مثل قاعدة عامة، هى أن شعراء العامية المصرية يُستحب أن يكونوا من خارج القاهرة لكى يتمكنوا من رفد وتقديم قيمهم اللغوية الخاصة لتجديد الأغنية المصرية التى يكتبونها محملة بقواميس وتراكيب قادمة من بيئاتهم، سواء كانوا قادمين من أعماق الصعيد أو من تخوم الوجه البحرى وأقاليمه، إلا أن اثنين من كبار شعراء العامية المصرية كذّبا هذه القاعدة فى الصميم وحققا إنجازاً كبيراً فى لغة الأغنية ولغة شعر العامية معاً، رغم أنهما من مواليد القاهرة وهما: فؤاد حداد فى عقد الخمسينات ومجدى نجيب فى عقد الستينات من القرن العشرين.
الحق أن فؤاد حداد ومجدى نجيب كانا وقبلهما العظيم بيرم التونسى الاستثناء الذى يؤكد هذه القاعدة، فالأول تعلم فى مدارس «الليسيه» وقرأ الشعر الفرنسى بلغته قبل أن يكتب العامية ببراعة، أما الثانى فقد تثقف بثقافة المدينة الحديثة وأصبح فناناً تشكيلياً يشار إليه فى هذا المجال وعمل فى مجال الرسم الصحفى فى عدة صحف منها «مجلة الإذاعة والتليفزيون» وكتب أشعاره وتغنى بأغنياته أشهر المطربين المصريين ليغير لغة شعر العامية المصرية، والحق أن ما بين فؤاد حداد ومجدى نجيب من التشابهات يربو على ذلك بكثير، فهما شاعران كتبا العامية عن اختيار ثقافى وفنى له أساسه الفكرى، بعدما التحقا فى سن مبكرة باليسار المصرى ودخلا المعتقلات لهذا السبب بالذات، حيث تعلما أن الأثمان الباهظة للحرية لا بد أن تُدفع، وقد كتبا كثيراً من أشعارهما وأغنياتهما وهما يحترقان شوقاً إلى أبسط قيم الحرية.
ما أريد قوله هو أن مجدى نجيب لم يكن امتداداً لفؤاد حداد إلا بالمعنى العام فقط، لأن نجيب امتاز عن أى شاعر سواه منذ أول دواوينه «صهد الشتا» (1964)، كما أثبت عبر تجاربه الشعرية اللاحقة: «ليالى الزمن المنسى» (1974) و«ممكن» (1996) و«الوصايا» (1997)، أنه صاحب تجربة شعرية متفردة فى كل أدواتها، من حيث القاموس الشعرى ومن حيث الطريقة الخاصة جداً فى استلهام العالم الذى يعيشه وإعادة إنتاجه فى الشعر، تأمل مثلاً هذ المقطع من قصيدة «صهد الشتا» وهو يحاول أن يشير بطريقته الخاصة إلى أجواء القمع البوليسى فى زمن الرئيس عبدالناصر، لكى يقول إن «الكلمة» الشعرية محاصرة بالأجراس والحراس الذين يهيمنون على كل شىء، وتلك الحوارية كأنها فى محاكمة «اسمك؟.. ما اسميش» وما يستتبع ذلك من إنكار الفرد معرفته بـ«هؤلاء الناس»، مثلما يحدث فى المحاكمات:
«بانده أصحابى
ييجوا.. على بابى
من.. شرقاً.. غرباً.. بيشوفوا
دمعاتى عذاباً فى عيون أحبابى
صهد ولافف راس الكلمه فى صمت وحكمه
بيبخ ف سدرى تخديرة رعب
أجراس.. حراس.. بمداس:
اسمك.. ما اسميش.. ما اعرفشى.. هؤلاء الناس..؟؟
حتى الأجراس العاليه
صامته.. صامته
فى ودان الناس العاقلين».
لقد كتب نجيب أول قصيدة حداثية فى شعر العامية المصرية وبإمكانك أن تلمح فيها فى هذا الزمن المبكر روح الفارس المهزوم وسحر القمر الذى غاب وقسوة الليل الكالح بكل ما فيه من سواد، مثلما كان يمكنك أن تعرف منها شيئاً وإن كان قليلاً عن نور الفجر وعن تلك الأجراس العالية التى لا تصل أصواتها أبداً إلى الناس، لأنها رغم أنها عالية إلا أنها «صامته صامته فى ودان الناس العاقلين»، فى وقت كان الخطاب الاشتراكى يبدو عالياً إلى حد الصخب لكن أجراسه كانت للأسف «صامتة» ولا تُسمع «فى ودان الناس العاقلين»، أى إنها لم تكن مقنعة أو مسموعة إلا لفئة واحدة هم فئة غير العاقل.
الشاعر والمخلِّص
أعتقد أن واحدة من أهم القيم الشعرية التى عكستها كتابات الراحل مجدى نجيب كانت قيمة الإيمان الكامل بدور الكلمة وقدرتها على التأثير والتغيير إلى درجة الخلط أحياناً بين فكرتى الشاعر والمخلِّص، وإلى حد أن أول دواوينه «صهد الشتا» الصادر عام 1964 اعتبر واحداً من الأعمال الشعرية الكبرى فى النصف الثانى من القرن العشرين، بالنظر إلى أن شعر العامية بعد «صهد الشتا» لم يعد كما كان قبله، وبالقياس إلى اعتراف أجيال لا حصر لها من شعراء الثمانينات والتسعينات الذين لم يجدوا أصدق من تجارب مجدى نجيب الشعرية لكى يتعلموا منها كتابة الشعر، وبالتالى مارس «صهد الشتا» والدواوين الشعرية السبع التى أصدرها تأثيراً واضحاً على العشرات من شعراء العامية فى طول مصر وعرضها، هؤلاء الذين انبهروا ومعهم كل الحق ببساطة اللغة وعنفوانها معاً فى كل تجارب مجدى نجيب الشعرية.
لقد حوَّل الشاعر الرغبة المشروعة للتجريب اللغوى فى شعر العامية إلى واقع ملموس، بعد محاولات أولية للتجريب عرفتها قصائد ودواوين فؤاد حداد، الأمر الذى دفع نجيب إلى إيقاظ الإمكانات الهائلة للعامية المصرية ودفع البعض إلى محاولة أن يلصقَ بقصائده تهمتى غرابة التشكيل واستخدام أنماط غير مألوفة فى تركيب الصورة الشعرية، إلا أن إصرار الشاعر على التعبير عن أحزان الناس وإيمانه بضرورة أن يشير بوجدانه المسيس إلى آلامهم مستخدماً طرائق جديدة فى التصوير كانت ولا تزال من صميم عمل الشاعر وسبباً أصيلاً فى نجاحه وانتشاره جماهيرياً، فالشاعر الحقيقى لا يجد صوته فى التعبيرات والتركيبات الجاهزة أو المستقرة، ويتعمد أن يقدم خياله الخاص بينما يتحدث فى الشأن العام:
«من فوق صليب الحرف
باحضن بلدكم حضن
باغسل عيونها بشمس طالّه من عيون الجن
بافرد إديها بلمس عاشق من زمان بيحن
وردة شبابى هيا ابتسام العرس
من شعرها نقت صوابعى كل شيب
من خدها.. خد الحبيب
فى سدرها.. بارمى الحليب
لو تعطشوا.. قلبى يجيب
لو تندهوا.. قلبى مجيب
لو تتعبوا.. قلبى طبيب».
وحتى لو استطعنا أن نخمن تلك الأسباب التى تجعل الشاعر يكلمنا مصلوباً «فوق صليب الحرف» هكذا، مستعيراً المسيح المصلوب هذه المرة، وحتى لو افترضنا أن هذه الاستعارة ربما تشير إلى سنوات الصلب فى السجن، حيث دفع الشاعر ثمن إيمانه بحق جميع الناس فى الحرية، فلابد أننا بحاجة إلى أن نفهم هذه الروح الاستشهادية أو «النبوية» والتى تريد أن تفنى من أجل الآخرين، الروح التى لا تتوانى عن تقديم ما يمكن تقديمه للناس، وهى بكل تأكيد روح المخلِّص: «لو تعطشوا قلبى يجيب/ لو تندهوا قلبى مجيب/ لو تتعبوا قلبى طبيب»، الأمر الذى يجعلنا نشير إلى عبارة وصف بها فؤاد حداد مثل هذه القلوب العظيمة حين قال: «طيب.. كأنه لو كدب هيموت»، الأمر الذى ينطبق أيضاً على الشاعر مجدى نجيب شخصياً، وعلى روح المحبة والتفانى فى العطاء التى تشيعها قصائده ولوحاته التشكيلية وأغنياته الشهيرة.
المغامر والمشهور
المفارقة التى تستحق التوقف أمامها هنا بكل صدق، هى أن هذا الشاعر المعارض السياسى والثائر والذى يقود التجريب والمغامرة الإبداعية إلى أقصى مداها على مستوى الكتابة فى شعر العامية، كان فى الوقت نفسه وياللغرابة هو نفسه شاعر الجماهير العريضة بأغنياته التى حققت انتشاراً واسعاً فى العالم العربى مــع مطــربى الجيل الـــذهبــى مـثــل عبد الحليم حافظ «كامل الأوصاف»، وشادية «غاب القمر» وفايزة أحمد «آخد حبيبى»، ثم بعد ذلك مع الراحل أحمد منيب «الحب ليه صاحب» والنجم الكبير محمد منير «شبابيك»، وغيرهم، بمعنى أن وردة التجريب الفوضوية كانت ترضى غروره كشاعر، لكنه كان يكتب الأغنيات بوعى المثقف واحترافيته، حيث اختار فى أغنياته العاطفية الشهيرة مسارات جمالية لا تشبه غيرها من الأغانى، فهو لم يكن يذهب إلى الأنماط السهلة فى التعبير، ولو كان فعل ما كان سيصبح الشاعر الكبير مجدى نجيب، بل اختار دائماً أن يعبر بطريقة شعرية تدفع المستمع إلى تأمل تلك اللغة العامية بتكويناتها الاشتقاقية الجديدة على الغناء فى ذلك الوقت، وقد كان بحاجة إلى شجاعة تعبيرية وإيمان خاص بدور الكلمة لكى يدفع مطربة فى شهرة وجماهيرية شادية إلى غناء هذه الكلمات الغريبة على الأغنية العاطفية فى مصر: «والصوت دبل فى الخلا والليل ما عاد له دليل نعس الفضا واتملا قلبى بنجوم الليل»..
هذه الشجاعة المثالية فى اختيار الكلمات لم تكن وليدة الصدفة بكل تأكيد، بل هى ابنة المعاناة، وقد اعترف مجدى نجيب أن تجربة السجن العنيفة فى «سجن الواحات» التى عاشها مع نخبة من مثقفى المجتمع المصرى منتصف الستينات من القرن العشرين زمن الرئيس جمال عبدالناصر 1964، كانت السبب الحقيقى وراء نضج تجاربه الشعرية وقد جعلت كلماته ولاشك تمتلك هذا الرنين العالى وذلك التأثير الكبير:
«بحبك.. بحبك فى نور الضى..
فى بكرا المبتسم والجاى
فى نظرة خايفة وخايفة علىّ
وأنا أنا ع الوعد متصاحب
الحب ليه صاحب
والكُره ليه صاحب
الحزن ليه صاحب
والفرح ليه صاحب
وأنا أنا على الوعد متصاحب».
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد