كان الوقت صيفاً، وكنت على أول الطريق فى مجلة الإذاعة والتليفزيون، فى أوائل تسعينيات القرن الماضى، وكان مقر المجلة
فى شارع جامعة الدول العربية «الملحق الإدارى لعمارات الكوثر»، وتصادف أن كان «مجدى نجيب» فى القسم الفنى، القسم المسئول عن تجهيز الشكل النهائى للمجلة، ورأيته يبدى ملاحظاته على الغلاف «كانت الفنانة نبيلة عبيد هى صاحبة صورة الغلاف»، ورأيت اهتمام العاملين بالقسم بوجوده، وكان معهم الدكتور خلف طايع «رحمه الله»، وهو الوحيد الذى كان يناديه «يا مجدى»، وفيما بعد، عرفت أن مجدى نجيب كان المدير الفنى للمجلة، وانتقل إلى مجلة عربية تطبع وتصدر فى القاهرة، وسمعت حكايات كثيرة عنه من «الفنان خلف طايع» وهو الذى عرفنى بالجانب التشكيلى فى حياة مجدى نجيب، رأيت بروازاً يحتوى إحدى لوحات مجدى معلقاً فى شقة الدكتور خلف فى الحى العاشر بمدينة نصر.
فى يوم من الأيام، كنت ضمن مجموعة الصحفيين الشبان «برئاسة ياسر الزيات الشاعر والكاتب الصحفى المعروف» الذين خرجوا لاستقبال الملحن الراحل «محمد الموجى»، وكــان سؤال الملحن القدير لنا «.. هوه مجدى موجود فوق»، وهنا تذكرت ما حكاه لى الدكتور خلف عن العلاقة التى جمعت بقوة بين «مجدى نجيب» و«الموجى»، ولم أكن عرفت العلاقة بين «مجدى نجيب» و«شادية» والأغنية الرائعة «غاب القمر يا ابن عمى، يلا روحنى، دا النسمة النسمة آخر الليل، بتفوت وتجرحنى»، رغم أنها من الأغنيات التى سمعتها كثيراً منبعثة من جهاز الراديو المملوك لأسرتى فى «سوهاج»، وبعد أن عرفت أن هذه الأغنية كتبها مجدى نجيب ولحنها محمد الموجى وغنتها «شادية»، عرفت الرباط الجامع بين الثلاثة، هو «عرق الفلاحين»، فالفنان مجدى نجيب، من «سنورس» بالفيوم، ومحمد الموجى من «كفر الشيخ» وخريج مدرسة الزراعة وعمل مراقباً لأعمال زراعية ومشروعات كبرى تابعة لوزارة الزراعة قبل ثورة يوليو، وكفر الشيخ موطنه الأصلى، و«شادية» من الشرقية، ووالدها كان من موظفى الخاصة الملكية، أو الأراضى المملوكة للعائلة المالكة فى مصر، وتوالت المفاجآت، فعرفت أن «مجدى نجيب» كاتب صحفى من الطراز الرفيع وتخصصه «فن الموسيقى والغناء»، وكنت أقرأ مقالاته، وهجومه الساخر على المطربين «الهابطين» وكان من الكتيبة المبدعة التى قاومت موجات إفساد الذوق الغنائى، والترويج لمصطلح «الأغنية الشبابية»، وكان موقف مجدى نجيب هو موقف المدافع عن الغناء المصرى المعروف فى مواجهة التدمير المنظم للذوق الشعبى ومحو آثار الغناء الذى قدمه عبدالحليم حافظ ونجاة وشادية وأم كلثوم من وجدان الناس.
وكان نشاطه رحمه الله واسعاً، كتب فى مجلات مصرية وعربية مدافعاً عن زمن الغناء المصرى الذى تبلور فى خمسينات وستينات القرن الماضى فى ظل الرعاية «الناصرية» للفنون والطفرة التى تحققت فى الإنتاج السينمائى والمسرحى الكبير والمهم فى تلك الفترة، وكان «مجدى» يرد اسمه كثيراً على لســان الفنــان الــزميل المخــرج الــصحفــى «مـدحت عبدالسميع»، وجمعهما العمل المشترك فى مجلة الإذاعة والتليفزيون، ومواقع صحفية أخرى، وبعد سنوات، اتجهت لقراءة التاريخ السياسى المعاصر، واهتممت بحقبة ممتدة من «الثورة العرابية» حتى «23 يوليو» وما بعدها، وكان «الشيوعيون» الفصيل السياسى الذى تحالف مع عبد الناصر، واختلف معه، فأودع «الرفاق» فى السجون، وبدأت مرحلة جديدة فى تاريخ الثقافة المصرية، هناك فى «معتقل المحاريق» بالواحات الداخلة فى عمق الصحراء الغربية، فالذى حدث أن كان «عبد الناصر» فى زيارة إلى «يوغوسلافيا» البلد الحليف لمصر فى كتلة عدم الانحياز، وهناك وقف الرئيس «تيتو» مخاطباً أعضاء البرلمان، بقوله «أيها الرفاق، لنقف دقيقة حداد، على روح الرفيق شهدى عطية الشافعى الذى قتل فى أحد السجون المصرية»، وهنا تضاءل الرئيس «عبد الناصر» حرجاً من قسوة الموقف، فالشيوعى «تيتو» حزين من أجل الشيوعى المقتول فى سجن مصرى، وصاحب قرار «اعتقال» الشيوعى المصرى المقتول هو «عبد الناصر» المدعوم من الاتحاد السوفييتى، قبلة وكعبة الشيوعيين فى العالم، وعاد «ناصر» من يوغوسلافيا، وتقدم ببلاغ للنائب العام المصرى، ليفتح التحقيق فى مقتل «شهدى عطية الشافعى» أحد قادة الحركة الشيوعية المصرية الكبار، وتغيرت «المعاملة» مع الشيوعيين فى السجون، وتحسنت شروط اعتقالهم.
وهناك فى «معتقل المحاريق» تشكلت أكاديمية «تثقيف» اشتراكية، حاضر فيها أساتذة جامعيون، وفنانون، ونحاتون، ومسرحيون، وروائيون، وتوسعت الأكاديمية، فأقامت «المسرح الرومانى» وقدمت عليه مسرحيات كتبها ومثل شخصياتها شيوعيون معتقلون، وزرعت أفدنة من الصحراء، بالخضر والمحاصيل المناسبة للبيئة فى الواحات، وكان المكسب الكبير من خريجى هذه الأكاديمية، فى السنوات التالية لسنة 1964، عندما أخرج عبد الناصرـ الشيوعيين من المعتقلات وقام بتسكينهم فى وظائف حكومية، داخل هيئات صحفية وفنية وسياسية تخضع للنظام الحاكم وتدار عبر اتصال مباشر، مع «ثروت عكاشة» وزير الثقافة، أو غيره، من الوزراء الذين كان يدقق عبدالناصر فى اختيارهم، لحساسية «الفكر» فى تشكيل الرأى العام، واستفاد الشعب المصرى بخبرات المسئولين الثقافيين والفنانين الذين تخرجوا فى أكاديمية الواحات الثقافية الاشتراكية، فى زمن كان فيه «عبد الناصر» يختار طريق الاشتراكية، ويصدر «الميثاق» ويمنح الطبقات الشعبية بعض الحقوق التى سلبت منها على مدى التاريخ الطويل الموغل فى القدم، وكان «مجدى نجيب» من خريجى هذه الأكاديمية، وكان أستاذه هو الفنان التشكيلى والكاتب والسيناريست «حسن فؤاد»، منه تعلم الكثير فى مجالى الفن التشكيلى والإخراج الصحفى، وكان فى هيئة الأكاديمية العليا «فؤاد حداد» أبو شعر العامية المصرى.
وكانت موهبة «مجدى نجيب» الفارقة، ذات الروح المصرية، والظروف السياسية والاقتصادية السائدة سبباً فى إمتاعنا بالأغنيات الرائعة مثل «آخد حبيبى يانا يا أمه، آخد حبيبى يا بلاش، غازله له يا امه بإيدى الطاقية، وازاى يا امه مايلبسهاش»، وكلمات هذه الأغنية لا يكتبها إلا «فلاح» أو مثقف من أصول فلاحية، استمع أغنيات الأفراح فى القرى، وهى مجال من مجالات إبداع «الفلاحة المصرية»، تظهر فيه رؤى الفلاحات للزواج والحب والحياة وكافة موضوعات الخصوبة والسعادة العاطفية، و«غزل الطواقى» الذى فى الأغنية مهارة ريفية بامتياز، بل إن هناك شرائح اجتماعية كاملة، تخصصت فى غزل الطواقى التى يضعها الرجال الفلاحون لتحمى رؤوسهم من الأذى، وكثيرة هى الأغنيات التى ورد فيها ذكر «الطاقية والطواقى» لكن «غازله له يا امه بإيدى الطاقية» هى الاكتشاف الذى صنع جمال الأغنية، لأن مجدى نجيب كشف واكتشف حب الفلاحات، وهو مغرق فى الحنان والبساطة والرقة، النابعة من «النيل» والدور التاريخى للمرأة فى صنع الحضارة، فهى تزرع وتقلع مثل زوجها، وتربى الأطفال وتغرس فيهم القيم العليا، وتحب وتعشق وتبدع، وتعبر عن ذاتها فى ليلة «الحنة» والليالى السابقة عليها، وكل هذا كان يعرفه «مجدى نجيب» الشاعر، المثقف، المنحاز فكرياً لطبقة الفلاحين، وهو ضمن تيار «الفولكلور» المهتم بتقديم الثقافة الشعبية المصرية، من منظور وطنى، ينحاز للخصوصية المصرية ويعبر عنها فى الرواية والقصة والمسرحية والدراسة النقدية واللوحة التشكيلية، وهذا التيار الفولكلورى والصح «تيار الثقافة الوطنية» فى الأدب والفن، من رموزه «الأبنودى وسيد حجاب وفؤاد نجم وفؤاد قاعود» وغيرهم، وفى الرواية «عبدالوهاب الأسوانى ويحيى الطاهر عبدالله وعبدالحكيم قاسم وخيرى شلبى» وفى المسرح «شوقى عبدالحكيم».
وما قلناه ينطبق على أغنية أدق فى التعبير عن «تاريخ المصريين الفلاحين» وهى «قولوا لعين الشمس ما تحماشى» التى لحنها بليغ حمدى، وكتبها «مجدى نجيب»، وهى أغنية تمس وجدان الشعب المصرى كله، وحققت «جماهيرية» واسعة، بل إنها من محفوظات الشعب المصرى، خاصة عبارة «قولوا لعين الشمس ما تحماشى»، وهى العبارة التى أبدعتها فلاحة مصرية مجهولة، مواساة للشاب الوطنى «إبراهيم الوردانى»، الذى نفذت فيه الحكومة الملكية حكم الإعدام، بعد اغتياله «بطرس غالى» قاضى محكمة «دنشواى 1906» الذى حكم بإعدام وجلد الفلاحين فى حضور أسرهم فى «دنشواى»، بتكليف من «كرومر» المعتمد البريطانى، وكان النص الفلاحى يقول «قولوا لعين الشمس ما تحماشى، لحسن غزال البر صابح ماشى».
ومن المهم أن أقول للقارئ العزيزـ إن عبقرية الكلمات وجمالها ينسب للشاعر مجدى نجيب، فهو حكى فى لقاء مصور معه أن «بليغ حمدى» وضع اللحن، وأعطاه له، ليكتب كلمات تناسبه، وسمع مجدى اللحن، وفهم جوهره الجنائزى الحزين فاستدعى تراث أحزان الفلاحين، ووقع اختياره على هذه الأغنية التى ودع بها الفلاحون «البطل الوردانى» الشاب المتعلم الذى أطلق ست رصاصات على «بطرس غالى» رئيس الحكومة، وكانت كل «طلقة» مربوطة بقرار أصدره بطرس غالى وكلها قرارات معادية للشعب والوطن، وتبين أن «الوردانى» بطل شعبى، قيلت فى بطولته وتضحيته القصائد، وكان من نصيب مجدى نجيب المبدع المثقف، العثور على هذه الجملة الرائعة «قولوا لعين الشمس ما تحماشى»، وبنى عليها أغنيته الرائعة، التى كان «صوت شادية» أحد أسباب نجاحها الجماهيرى..
والنقاد المتخصصون فى «قصيدة العامية» يعرفون قدر المنجز الشعرى للشاعر الراحل، ولكن الجمال الذى أضافه للأغنية المصرية، كان مصدره، الخروج على الشكل الموروث للأغنية، وجعلها قصيدة، مناسبة لجمهور الغناء، والأبنودى كان له باع طويل فى هذا الميدان، وسيد حجاب، وجميعهم «فولكلوريون» يعشقون «الحضارة المصرية» ومبدعها «الفلاح» وساعدهم على النجاح المزاج السياسى واللحظة التى كانت «مصر» محكومة فيها بتحالف «العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين والجنود»، ومواهبهم الفذة ومعرفتهم الواسعة بالإبداع الشعبى.
وتاريخ الشاعر الراحل «مجدى نجيب»، تاريخ نظيف، ليس فيه ما يعيب، كان مثقفاً، موهوباً، خاض تجربة نضال سياسى، وتفرغ للفن والصحافة والموسيقى، ومنحنا قصائد ولوحات تشكيلية ومحاولات كثيرة لابتكار صيغ مبسطة للنقد الموسيقى وتقديمه لجمهور الصحف، وكان من رعاة الموهوبين، يساعدهم ويعلمهم ويبشر بهم، وعاش محبوباً، وحزن عليه الناس حزناً حقيقياً، بعد أن اكتشفوا أنه كان مساهماً بنصيب كبير فى تشكيل وجدانهم، وكان محظوظاً بمحبة مبدعين أحــاطــوه بالــرعاية فــى سنوات عمره الأخيرة، وكانت قاسية عليه، فيها فقد ولده «ياسر» وفقد رغبته فى الحياة فداهمته الأمراض حتى رحل، رحمه الله بواسع رحمته.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد