الشاعر الكبير مجدى نجيب: 4 سنوات فى معتقل الواحات مجرد حادث عادی!

فى حوار لـ «خالد حنفى» عمره 22 عاماً: أعظم المؤلفات العالمية قرأتها على ورق «بفرة» / تجربة محمد منير هى الوحيدة المختلفة فى الغناء العربى المعاصر/ فوز الأبنودى بـ«التقديرية» تتويج لشعر العامية وإن كان يستحقها «فؤاد حداد»/ هانى شاكر أفسد علاقتى بالعندليب/ يكفى «على الحجار» أنه غنى رباعيات صلاح جاهين

أجرى الكاتب الصحفى "خالد حنفى"، رئيس التحــرير الحـــــــالي لـ"الإذاعة والتليفزيون"، حوارا مختلفا مع الشاعر الكبير مجدى نجيب منذ أكثر من عشرين عاما، ونشر في حلقتين على صفحات المجلة فى عدديها (3473) و(3474) والصادرين بتاريخ 29 سبتمبر و6 أكتوبر 2001، مع رسومات فنية للشاعر الراحل بريشة الفنان خلف طايع.. في السطور التالية نستعيد نص الحوار بكل الملفات الشائكة التي تحدث فيها مجدي نجيب بمنتهى الصراحة والجرأة.

فى مقدمة ديوانه «الحب فى زمن الحرب» كتب الناقد الراحل على شلش، أنه إذا كانت قراءة صلاح جاهين كالقراءة فى ضوء شمعة، وقراءة عبدالرحمن الأبنودى كالقراءة فى ضوء مصباح، فإن قراءة مجدى نجيب كالقراءة فى وضح النهار.

رحلة الشاعر الكبير مجدى نجيب طويلة جداً، من أول الغناء بألوان الرسم فى قصائد لا يقرأها إلا الكبار، وحتى الشخبطة على حناجر شادية وحليم وفايزة ومنير وغيرهم، ليصنع لنا ولنفسه زمناً يشبه الأطفال الذين لا يكفون عن المرح داخله.

ولأنه شاعر كبير ومؤثر فى حياة أجيال كثيرة ولأن رحلته طويلة كان لنا أن نستريح من «صهد» أيامنا فى ربيع عزلته، مع مجدى نجيب أنت دائماً ترسم وتغنى وتمارس طفولتك حتى آخر نفس.. ولأنه لا يعترف إلا ببراءة هؤلاء الأطفال فهو يتحدث عن عبدالرحيم منصور الذى كان سبباً فى توتر علاقته بالأبنودى، وعن صلاح جاهين الذى أمره بالمشى على كوبرى قصر النيل والتفرغ للتعامل مع أكواز الدرة المشوى. كما يتحدث عن سنواته فى المعتقل وكيف أنه يعتبرها مجرد حادث عادى، وعن سنوات غربته فى قطر.

لنترك مجدى نجيب - هذا الشاعر الذى ما إن يطمئن إليك حتى يصفك بأنك صديقه - يرسم ويصف بريشته حاله وحالنا.. فى سنة 64 احتفى المثقفون بديوان «صهد الشتاء»، وأكدوا أن هذا الديوان جاء ليؤكد أن شعر العامية لا يكتب من أجل العمال والفلاحين..

 كيف يرى مجدى نجيب هذه التجربة الآن؟

 «صهد الشتاء» بالذات مرحلة لا يمكن أن تعود إلى شعر العامية مرة أخرى ولا لى أنا شخصياً لا أستطيع أن أعيدها مرة ثانية، فالفترة التى كتبت فيها الديوان كان غير مسموح لى بالخروج إلى الشارع بعد غروب الشمس، وقتها كان القاهريون من الشعراء أمثال فؤاد حداد وصلاح جاهين وفؤاد قاعود يكتبون شعراً مختلفاً لكنه لم يتضمن معاناة مواطن لا يستطيع رؤية الليل أو الخروج مع أصحابه. كانت تجربة تحمل شحنة مختلفة عن القاهريين الموجودين. أنا الآن لا أكلمك عن الشعراء الوافدين من قبلى ويحرى، ففى ديوان «صهد الشتاء» كانت اللغة مختلفة قريبة من الفصحى بالإضافة إلى الصور المركبة بشكل لا يحتمله شعر العامية، فتجربة شعر العامية لا تتحمل إطلاقاً سوى الصور البسيطة القريبة من مشاعر الإنسان البسيط لكن «صهد الشتاء» ملىء بالصور الشعرية المركبة جداً، فقد كانت مرحلة لا أستطيع العودة إليها مرة ثانية، مرحلة أثرت فى شعراء كثيرين جداً من حيث لا أدرى.. صدقنى التجربة غير عادية، كانت مشاعر محبوسة، الجديد فيها اللغة والصور، أنا أتكلم عنها وكانها ليست تجربتى.

 فى نهاية 1958 تم اعتقالك لمدة 4 سنوات، كيف تنظر إلى هذه التجربة ونحن نجلس الآن فى مكان هادئ على النيل؟

كان فى ذلك الوقت كل من يفكر تفكيراً شبه متطور يعتبر شخصاً مريباً، أضف إلى ذلك أنهم كانوا يربطون نشاطك بعلاقتك بأشخاص لهم نشاط سياسى وأنا الآن أعتبر هذه التجربة مجرد حادث عادى.

  4 سنوات فى معتقل الواحات وتعتبر ذلك مجرد حادث.. كيف؟!

هذه السنوات يمكن قياسها بأكبر من ذلك، لكننى أعتبرها ضريبة عادية تفرضها ظروف دولة فى وقت ما على أى مبدع.. مسألة عادية جداً مش كارثة.

 من كان بصحبتك فى المعتقل وهل استفدت من التجربة؟

كان معى كل مثقفى مصر تقريباً، منهم الدكتور لويس عوض، وحسن فؤاد، وفؤاد حداد، ومحمود السعدنى، والكاتب محمد سيد أحمد، والدكتور إسماعيل صبرى عبدالله - وزير التخطيط السابق، وبالطبع استفدت منهم كثيراً.. لقد قابلت سياسيين وفنانين كباراً فى كل المجالات «سینما، مسرح، موسيقى، فن تشكيلى». صحيح أننى خسرت سنوات لكننى لم أكن سأستفيد من هذا الكم من الخبرات لو كنت خارج المعتقل، لقد أخذت عشرات التجارب التى تلخص لى الحياة، فهى تجربة جميلة رغم ما فيها من معاناة أبسطها أننا كنا نقرأ الكتب على ورق «بفرة» صغيرة مكتوبة بـ «الكوبيا» فأغلب المؤلفات العالمية قرأتها على ورق البفرة...

 وشعر العامية منذ متى بدأ ينضج داخلك وينمو ريشه؟

عند معايشتى فى تلك الفترة للشاعر الكبير فؤاد حداد، والذى كان سامرنا نسمعه كل يوم، فهو بحر لا ينتهى.

 عشقك لفؤاد حداد وصلاح جاهين هل كان له تأثير على شعرك؟

أنا أحب الاثنين لكن لم أتأثر بهما، لو تأثرت لظهر هذا فى كتاباتى، لقد قابلت صلاح جاهين فى فترة كانت فيها الدولة تكره كل من يحمل فكراً تقدمياً، أرسلنى إليه حسن فؤاد لكنه فزع منى وقال لى بعد استماعه إلى أشعارى «أنصحك تمشى على الكوبرى وتشترى كوز درة وتاكله».

 كيف فسرت هذه النصيحة الغريبة؟

وقتها كنت صغيراً لم أفهم ما قاله ولم أحاول تفسيره، فقد أفزعنى خوفه من شىء لا أعرفه وحتى هذه اللحظة لا أعرف مقصده من وراء هذه النصيحة، ربما أكون فى نظره وقتها أننى كنت أكتب أشعاراً غريبة جعلته ينفر ويتخوف منى لكنه كان كلما رآنى داخلا عليه يكتب قصيدة صغيرة سريعة يمدحنى فيها.

 وقتها كيف كنت ترى تأثير الوافدين من الشعراء من الجنوب والشمال على حركة شعر العامية؟

كان تأثيرهم كبيراً، وبالنسبة لى كان سيد حجاب أفضل من ناحية اللغة وتناوله للموضوعات أقرب لى من عبدالرحمن الأبنودى الذى كانت تشدنى لغته وإيقاعاته وموضوعاته القريبة من الناس البسطاء..عكس المثقف المرابط بين أشعار سيد حجاب.

 هل اللغة الراقية التى استخدمها حجاب فى شعره عطلته كثيراً وأبعدته عن الجماهير فى الوقت الذى راج فيه شعر الأبنودى جماهيرياً؟

طبعا الأبنودى أكثر وجوداً لأنه من أوائل الشعراء الذين دخلوا مجال الأغنية، أما سيد حجاب فحتى هذه اللحظة لا يعرف كيف يكتب أغنية ناجحة، لا لأنه عاجز، ولكن لأنه شاعر عظيم جداً وشاعريته متفردة.. فهو مغنواتى فى مجال الدراما وناجح جداً فى هذه الجزئية ولا يستطيع أى شاعر آخر أن يجاريه فى قوة تميزه، إنما كتابة أغنية عاطفية هو يخلقها بنفسه، صعب على حجاب كتابتها بنفس إتقانه للأغنيات الدرامية.

وما تعليقك على فوز الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودى بجائزة الدولة التقديرية؟

شىء مفرح جدا وهو من أكبر مشروعات الاعتراف بهذا الشعر الذى كان مرفوضاً وغير معترف به من قبل الدولة وأجهزة النشر فى كل الصحف والمجلات، حتى لو كتبت رواية بها سرد بالعامية تصير شبه منبوذ. وكل شعراء الفصحى ضد العامية باستثناء الشاعر فاروق شوشة الذى كان يؤكد على أهمية شعر العامية، وذلك عندما كان مسئولاً عن البرامج الثقافية بالإذاعة، حيث فتح المجال أمام أشعارهم من خلال البرامج التى تتناول قضايا الوطن والناس، وجميل أن يفوز واحد منا بهذه الجائزة، وقد حقق الأبنودى هذا الشىء، فهو أكثر الشعراء انتشاراً وحركة ومتفرغ لقضية الشعر والأغنية، وكان لا بد من أن يصل إلى هذه المكانة.

وهل لك أية تحفظات؟

لو قسنا المسألة بالمنظور الصحيح، منظور المثقفين - مش منظور الدولة - نستطيع أن نقول إن فؤاد حداد يستحقها، فهو الشاعر المبدع والملهم والأب للمرحلة الحديثة في شعر العامية بعد بيرم التونسى, وهو حتى هذه اللحظة لا يعرفه أحد ولولا أنا وعبدالرحيم منصور ذهبنا إليه فى بيته ليكتب أغنيتين لمحمد منير ما كان لأحد أن يعرفه، وذلك من جراء التعتيم على أشعاره فى فترة الاعتقال وبعدها.

 لكن الأبنودى صرح بأن الناس من بلاد كثيرة اتصلوا به للتهنئة باستثناء شعراء العامية؟

أعتقد أن ذلك يرجع إلى عدم تواصل الأبنودى مع الأجيال المتعاقبة من الشعراء، فقد وضع سدوداً بينه وبينهم.. لأن الأبنودى دائماً مشغول بالأبنودى.. وهذا اختياره.. ومن ناحيتى سعدت جد بحصوله على الجائزة فهو يستحقها لأنه كان يملك حلماً وحاول تحقيقه وقد أفلح.. فليستمتع هو بالجائزة، فالقافلة تسير والكلاب تنبح!!

 سافرت إلى بلد خليجى ومكثت هناك خمس سنوات.. هل تركت الغربة آثاراً سيئة... وماذا ترى فى سنوات الغربة للمبدع؟

المبدع المصرى مرتبط بأرضه جداً، وهو يشعر عندما يبتعد بإلغاء العقل وتتعقد المشكلات، فمثلاً إذا كنت تمارس أى نوع من الإبداع فسوف يتوقف.. أنا أثناء الإجازة كنت أشترى الكتب وأسافر، حتى فوجئت بكم كبير من الكتب لم أقرأها. هناك تتحول إلى مواطن آخر، فدول الخليج عبارة عن مكان يغريك بالتسوق.. ورغم سخونة الطقس فأنت تشعر دائماً بالبرودة وفقدان المشاعر المتوازنة، وفى هذا الجو لا يمكنك التأمل أو القراءة أو الكتابة أو الإبداع.. لا لأى شىء جميل.. ولا تجنى سوى الحسرة والخواء المصحوب بالدهشة القاتلة.

 تجربتك فى الصحافة هل نالت كثيراً من تجربتك كمبدع؟

أعتقد أنها نالت كثيراً جداً، فطبيعة عملى الصحفية كانت تقتضى منى الجلوس وقتاً كبيراً فى مكان العمل، وهذا أثر على كتابتى للشعر والأغنية، فكنت لا أجد وقتاً لكى أسمّع الناس أغنياتى.

 وهل أنت ندمان؟

فى دى آه... لولا عملى الصحفى لكان لدىّ دخل كبير من الأداء العلنى.

 عندما تكتب النقد لا تمسك العصا من المنتصف.. الكتابات الصريحة هل تسببت لك فى خسارات كثيرة؟

طبعاً.. بليغ حمدى أخذت أتناوله بالنقد فترة طويلة فى سلسلة «أمل مصر» بمجلة الإذاعة والتليفزيون، كنت أقابله بالليل يقول لى «ما تقول لى بدل ما أجيب المجلة وأكتشف ده منشور»، وقتها كنت أرى أن ما أفعله هو الصحيح ثم إننى لا أحب هذا الوسط بالقدر الكافى.. أتعامل معه من بعيد.. كنت أقوم بتغيير رقم تليفونى حتى لا تزعجنى مثلاً، فايرة أحمد.

 وهل أنت ندمان؟

فى دى لا.. أنت قاعد بتفكرنى بحاجات.. اسمع.. مين ده اللى بيغنى.. عمرو دياب ده؟.

 آه.. هو إيه رأيك فيه بالمناسبة؟!

«عمرو» جميل «مخ» لو أنك أتيت لى بكرسى فى هذا الزمن ولديه «مخ» سأحترمه فما بالك بمواطن فنان! فالرجل يعرف قدر نفسه ويخطط لإمكانياته الصوتية علاوة على أنه يملك مشروعاً أو حلماً، قد يراه كبيراً ونحن نراه صغيراً لكنه فى النهاية لا يكذب على نفسه ولا علينا ولم يرفع أى شعارات أيديولوجية.. إنه يعلن دائماً أنه يغنى لجيله من الشباب الذى ينتمى إليه.. شباب لا يعرف الغناء للوطن، ويحب الفرفشة.. شباب فقد أسلحته فى التغلب على الإحباط نتيجة ظروف كثيرة سياسية واجتماعية ولا يسعنى إلا التأكيد أن عمرو دياب مغنٍّ غير كذاب!!.

 ألا يعتبر هذا كارثة؟

ولا كارثة ولا حاجة فالمسألة بسيطة جداً وهى أننا سلبنا من شبابنا عقله.. سرقناه، ووضعنا داخله عقلاً آخر مثل البالونة، ملأناها بشتى الأكاذيب، فلا أحد منهم يقرأ لأننا عودنا الشباب على التمرغ فى سراديب الفرفشة والمظاهر وسرقنا منه حقه فى الاختيار والتذوق وتركناه دون رعاية عرضة لصناع الفساد، ولأننا بصدق ذبحنا حريته وأيضاً رغم أن المسرح بتذاكر مخفضة لا يذهب.. وعندما يطرح بالأسواق فيلم ليوسف شاهين لا يشاهده الشباب ويذهب ليرى فيلماً تافهاً بجواره لـمحمد هنيدى هذا الجيل غير مسئول عنه عمرو دياب، لكنه مسئولية الدولة. وعلى فكرة أنا شخصياً أستمتع بكل الظواهر الغنائية التافهة الموجودة؟

قولوا لعين الشمس بالإسرائيلى

 من عمرو دياب وأغنياته إلى العظيمة شادية، كيف بدأت علاقتك بها؟

«شادية» تكاد تكون المطربة الوحيدة التى مرت بمراحل كثيرة وفى كل مرحلة كانت ناجحة جداً لا تستطيع أن تقول إنها أخطأت إلا فى مراحلها الأخيرة لأنه فرض عليها أشكال غنائية معينة فقد عادت إلى الغنائيات الطويلة من خلال «بليغ حمدى» فهذا النوع من الأغانى لا يناسب شادية شكلاً ولا صوتاً لكن الناس أحبتها لأن رصيدها القديم يغطى على أى شىء. وأغنية «قولوا لعين الشمس» كانت أول أغنية فى حياتى طلب منى «بليغ حمدى» أن أكتب له، فلما انتهيت من الكتابة وانتهى هو من القراءة قال لى: سيبك م اللى انت كتبته أنا عامل لحن «ميلودى» اكتب عليه. وقتها كنت لا أحب الغناء وليس لى دراية بالمزيكا فتوجست خاصة أن «عبدالرحيم منصور» كان دائماً ما يحذرنى من هذا المجال وهو عالم بأموره لأنه قد سبقنى إليه بفترة وتفرغ للأغانى والشعر والبرامج والمسلسلات. المهم أننى بدأت مشروعى وأنا متوجس لكنه تم وحتى هذه اللحظة لست معجباً بهذه الأغنية رغم نجاحها!!

 ليه يا عم «مجدى»؟

لأننى لم أكتبها مع نفسى.. كما أكتب أى قصيدة شعرية وأنا لا أتذكر هذه الأغنية إلا عندما أتذكر حادثاً وقع لى بعد هزيمة يونيو، حيث كنت فى طريقى إلى زيارة الملحن منير مراد ومعى الشاعر عبدالرحيم منصور، كان سائق التاكسى يستمع إلى أغنية «قولوا لعين الشمس» فأشار عبدالرحيم إلىّ وأخبر السائق بأننى كاتبها فقام وبسرعة وأوقف السائق سيارته وأمرنا بالنزول فى غضب ظهر على وجهه لأنه كان قد استمع إلى هذه الأغنية عبر إذاعة إسرائيل بعد تحريفها بالشكل المحزن والمخزى فى ذلك الوقت لكن على الجانب الآخر أنا أعتز جداً بأغنية «غاب القمر» فيها صورة شعرية تعتبر قصيدة جميلة غير معيوبة ولو أننى استطعت أن أستمر بهذا الشكل لقدمنا للأغنية الكثير.

 وكيف وصلت هذه الأغنية إلى شادية؟

«غاب القمر» كانت ضمن قصائد ديوان لى يحمل نفس الاسم صودر أيام أنور السادات لأن «سمير ندا» كان قد طبعه دون أن يمر على الرقابة. الديوان لم يخرج للنور وحصلت على بعض النسخ أخذ منها «محمد الموجى» واحدة ولأنه فلاح عفوى لا يعرف الكذب ولا الملاوعة، لحنها بشكل إنسانى مبهر وراق جداً.

 وما مصير باقى القصائد؟

لم تنشر ولا أعتقد أن لدىّ نسخة من الديوان حتى أعيد نشرها فقد حرق مع باقى مقتنيات الشقة.. ويصف مجدى نجيب علاقته بشادية بأنها كانت رائعة يقول: شادية أول ما تشوفها تحس إنك عارفها قبل كده قريبتك أختك واحدة من جيرانك ما تحسش فيها بالفنانين المرسومين رغم أنها كانت ناجحة وقتها فى كل أعمالها السينمائية والتليفزيونية لدرجة أنك ما تصدقش أنها شادية وعلاقتى بهذه السيدة العظيمة جيدة حتى الآن.

 تجربة محمد منير ولدت على يديك أنت وعبدالرحيم منصور كيف كانت البداية؟

محمد منير نجم أضاء سماء الأغنية فى فترة لا يمكن لك إلا أن تحبه. ولد صغير مثل أى ولد من أولادك قابل للتشكيل صوته مختلف عن الأصوات الموجودة معه ملحن اسمه أحمد منيب لا يدّعى أنه عبقرى أو أنه ينتمى إلى مدرسة السنباطى أو محمد عبدالوهاب.. و«منير» كان مفيداً لـعبدالرحيم منصور لأنه كان المتفرغ الوحيد له ثم انضممت إلى القافلة ولم يكن هناك أى شاعر آخر فى التجربة لدرجة أنه ذات مرة كان سيد حجاب سيكتب أغنية فى أحد الألبومات ثار عبدالرحيم منصور وأحدث مشكلة وقال: «دى تجربتنا» وحتى هذه اللحظة يعترف «منير» بفضل الشاعر عبدالرحيم منصور قائلاً: لو عبدالرحيم عايش النهاردة كان قاسمنى فى الشقة التى أنا قاعد فيها، كانت هذه الفترة رائعة لأن يكتب شعراء العامية موضوعات مختلفة لا يستطيع أن يغنيها المغنون الموجودون أثناء هذه الفترة وكان على «محمد منير» أن يحمل لواء هذه التجربة وحملها عن جدارة.. وأستطيع أن أقول إن تجربة «منير» هى التجربة الوحيدة المختلفة فى الغناء بعض النظر هى موسيقى تنتمى إلى الغناء العربى أو لا تنتمى إنما هى تجربة لفن مختلف فلا هو عبدالحليم الذى ساندته الثورة ولا هو محمد ثروت الذى ساندته الدولة لكنه صنع فنه بنفسه وساند حلمه ومشروعه الفنى فقط صناع التجربة ومحبوها. الظرف الذى ظهر فيه «منير» ومعه «على الحجار» - نهاية السبعينات- هو نفس الظرف الذى نعيشه الآن لأنه امتداد طبيعى له لكن القناعات تبدلت فظهر لنا «منير» مختلفاً عن ذى قبل.. الظرف هو.. أنا معك.. ومعك أن القناعات اختلفت لأن الناس اختلفت.

 بمعنى إيه الناس اختلفت؟

عندما ظهر محمد منيره كان شباب الجامعة يملك وعياً سياسياً واجتماعياً.. يقومون بمظاهرات يعبرون عن آرائهم بحرية وجزء منهم دخل المعتقلات هذا الجزء تقدم به السن وأصبح منهم رجال أعمال ناجحون والجزء الباقى أصبح أصحاب عائلات مهمومين بمشكلاتهم اليومية فلا يمكن أن تصدق أو تتصور أن من سمع «منير» سنة ٧٩ هو الذى يسمعه الآن.. «منير» مثل «الميراث» ورثه الآباء للأبناء فأصبح جزءًا من المشاعر المصرية الصميمة.. ومن يسمع «منير» الآن تربى على نظريات وظواهر مختلفة تماماً.. فى النهاية أنت لا تملك مستمعاً واعياً فى الماضى كان الشاب يفهم فى السياسة والاقتصاد يحتك ويثور ويغضب، الآن لا تجد من يفكر فى الدعوة أو الاشتراك فى مظاهرة أو يحتج أو أن يعبر عن غضبه تضامناً مع نشرة الأخبار التى تذيع مسلسلاً درامياً يومياً عن قتل الفلسطينيين.

 فى حفل ليالى التليفزيون احتفى الجمهور بـ«محمد منير» بشدة وهو نفس الجمهور الذى احتفى بشدة أيضاً بـ«إيهاب توفيق» رغم فارق التجربة بين الاثنين.. ما تفسيرك لهذه الظاهرة؟

«محمد منير» يحاول التأقلم مع هذا المناخ الموجود حتى لا يخسر كثيراً فتجده يلجأ إلى الموروث الشعبى وأحياناً إلى الأغنية القديمة والتى يعتبرها موروثاً وهو فى النهاية لا يملك حرية الإنتاج لكى يغنى ما يريده.

 تحاول بهذا التفسير أن تلتمس العذر له؟

لا.. وإنما يجب علينا أن نشكره.. لأنه حتى الآن لم يفقد جذوره ولم يتخلَّ عن حلمه إلا فى حدود معقولة.. ومقبولة وهو يفعل هذا بذكاء لأن تفرده يفرض عليه المناورة وهو يناور لكى يظل موجوداً على الساحة.. ما الذى تنتظره من أى منتج مهما بلغت ثقافته أن يضيف للتراث الإنسانى فى أى مجال من مجالات الفنون نحن اليوم فى زمن يقل فيه الإبداع الحقيقى ولا مكان للمبدع الأصيل.

 «على الحجار» صاحب تجربة مهمة جداً فى تاريخ الغناء هل تعتقد أن ما طال «منير» هو نفسه الذى طال «الحجار»؟

أنا مختلف معك، لأن مشوار «على» يختلف عن مشوار «منير» بغض النظر عن قوة الأداء أو عن قلة الأداء.. «محمد منير» صاحب تجربة غنائية القائد فيها كان الكلمة واللحن الذى يعبر عن جذوره هو كمغن قادم من منطقة شديدة الخصوبة وكلام أغنيات كان جديداً على المستوى الغنائى الموجود فى هذه الفترة ثم ظهرت بعد ذلك أصوات كثيرة تحاول تقليده وفشلوا فى تقليده سواء على مستوى الكلمة أو اللحن. أما «على الحجار» فهو فنان كبير ومن الأصوات التى كان يجب على الإعلام العربى أن يفخر بها ويضع كل الإمكانيات لصمودها أمام تجار الكاسيت الذين يدمرون ذوق جيل بأكمله من أجل مكاسبهم الشخصية. وانطلاقة «على الحجار» فى تجاربه الأولى تؤكد جدارته وإمكانياته الصوتية المتميزة.. ويجب أن نشكره كل يوم على غنائه رباعيات صلاح جاهين، ذلك العمل العبقرى الذى لم يلتفت إليه النقاد ولا أجهزة الإعلام.

 قلت فى حوار إن المنتجين يهربون من «الحجار».. لماذا؟

المنتج يهرب لأنه يريد المكسب حتى شركة صوت القاهرة لا تقبل أى ألبوم إلا إذا توافرت فيه مواصفات سوق الكاسيت العام الموجود فى المنطقة العربية إذا ابتعدت عنها أصبحت مغامرة.. والمغامرة تعنى الخسارة... الدولة فى الستينات والسبعينات كانت تتصدى لعملية الإنتاج الغنائى أما الآن فهى ترفع يدها عن الغناء لا الدولة تملك خطة ولا المغنى لديه مشروع ولا المنتج لديه أفكار فكيف تقدم فناً له مواصفات جميلة فى زمن غير جميل «زمن بيديلك قفاه» وأنا أعتقد أن «الحجار» فنان يرفض الدخول فى تجربة التنازلات..

 من الزمن غير الجميل إلى الزمن الجميل.. من وجهة نظرك ما الذى جعل عبدالحليم حافظ يعود إلى الغناء الطويل مقدمات موسيقية طويلة كوبليهات يعيدها مرات رغم أنه بدأ فى الخمسينات متمرداً على هذا الشكل لماذا هذا الترهل الذى أصاب تجربته؟

فى بداية ظهور «هانى شاكر» احتضناه فى الكواكب وكان يجب علىّ أن أتضامن مع «هانى» بغض النظر عن علاقتى بالعندليب وكتبت له وقتها «سيبونى أحب» والتعاطف مع هذا الشاب الجديد جاء من إيمانى بأننى كصحفى يجب مساندة كل ما هو جديد ضد القديم لكن القديم يفهم دائماً بطريقة خاطئة ويريدك أن تنحاز له..

 معنى ذلك أن «هانى شاكر» هو الذى أفسد العلاقة بينك وبين العندليب؟

العندليب نفسه لو كان موجوداً معنا لغنى مثل المطربين الموجودين على الساحة الآن.. صوت هانى وإمكانياته رشحاه لأن يكون خليفة العندليب لكنه أصبح ضمن الطابور الموجود مع الاحتفاظ بإمكانيات صوت مختلفة.

 وهل رهانك على هانى كان فى محله؟

أنا أراهن على كل شىء جديد.. من الممكن أن أكسب أو أخسر، المحصلة فى النهاية لا تعنينى بقدر ما يهمنى أنه كان لدىّ فكرة ونفذتها.. ومساعدتك لشخص فى بدايته لا تعنى أن تصبح مسئولاً عنه إلى ما لا نهاية صعب أن تصبح الراعى له باستمرار.

 ... وأنغام؟

هذه المطربة يجب أن نحتفى بها فهى المغنية الوحيدة لدينا ورغم ذلك «مش واخدين بالنا منها».. صحيح أن إنتاجها الغنائى ضئيل فى بعض الأحيان لكن لا يعنى هذا أن نهضم حقها فى الإذاعة والتليفزيون. فى النهاية هى فنانة جميلة «صوت صوت، شكل حلو شكل حلو، مغنية مغنية ما فيهاش عيوب»، ويجب علينا تقديم كل الدعم لها.

سماح جاه الرسول

سماح جاه الرسول

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد