الكتاب الـ11 فى مسيرة طارق إمام/ تتمتع المدينة بسمات قصصية تعيد بناء العالم من منظور ساخر/ وظّف تقنيات قصيدة النثر خصوصاً فى مقطع بعنوان «هايكو المدينة»
يبدو أن كل كتاب جديد للكاتب والروائى طارق إمام هو رحلة جديدة فى عالم يتم اكتشافه لأول مرة فى القصص التى تروى حكايات المدينة، وهو "وثبة إلى المجهول" الذى قد نعلم جميعاً بعض التفاصيل عنه، لكن طارق هو الوحيد الذى سوف ينشغل بالكتابة عن الملامح غير المرئية للمدينة، عن الجوانب المعتمة واللحظات المشبوهة والأشباح والمسوخ التى تظهر وتختفى فجأة مثل النجوم.
هذه المرة وبعد رحلة عجيبة فى عالم روايته "ماكيت القاهرة" ـ القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية 2022 ـ ها هو طارق إمام يطل علينا من نافذة إبداعية أخرى هى أيضاً من نوافذه المفضلة أقصد "القصة القصيرة"، فقد صدرت مجموعته الجديدة "أقاصيص أقصر من أعمار أبطالها" عن دار الشروق المصرية مؤخراً، بما يعنى أننا أمام محاولة جديدة لاكتشاف مدينة غارقة فى وحل الوجود، والاطلاع على قطاع من الحكايات التى تدور حول الحياة المزدوجة للمسوخ التى تظهر فى المدينة صباحاً على هيئة بشر يدعون أنهم أسوياء، لكنها تعود لكى تظهر فى قصص طارق إمام ليلاً على هيئة مسوخ.
الحق أن طارق عبر مسيرة إبداعية غير قصيرة قد تدرج فى علاقته بالواقع بصورة تكاد تكون ملحوظة، فقد كانت "ماكيت القاهرة" تتويجاً لمسيرة طويلة من العمل بدأت بالمدن التى تشبه الأحلام، فى أعماله الأولى: "شارع آخر لكائن" و"طيور جديدة لم يفسدها الهواء" وروايته الأولى "شريعة القطة"، أما المرحلة الثانية فهى مرحلة المدن التى تشبه الواقع أكثر مما تشبه الأحلام كما فى "الحياة الثانية لقسطنطين كفافيس" و"هدوء القتلة" و"الأرملة تكتب الخطابات سراً"، قبل أن ينتقل إلى مرحلة صياغة مدن كاملة من الخيال فى "مدينة الحوائط اللانهائية" وفى روايته "طعم النوم" والتى توّجها بروايته "ماكيت القاهرة"، وها هو يقدم اليوم فى أقاصيصه صوراً أكثر إدهاشاً لمدينة المسوخ.
عبر أكثر من مائة وعشرين نصاً قصيراً تدور "أقاصيص أقصر من أعمار أبطالها" فى عوالم تسير عكس الاتجاه المتوقع، فى محاولة لكسر أفق التوقعات وهدم المألوف وتحطيم الثوابت، كما أن فعل السخرية فى الأقاصيص هنا يشمل الذات أيضاً، وكثيراً ما يسخر الكاتب من نفسه ومن أبطاله، وتلك عناوين الأقسام الثلاثة الكبرى فى المجموعة:
ـ "لأننا نولد عجائز"
ـ "هايكو المدينة"
ـ "لأننا نموت أطفالاً"
يلتقط طارق إمام أقاصيصه من غرائبية ما يحدث فوق أرصفة الشوارع وعلى جدران البيوت القديمة من تناقض العلاقات وتكرار الأنماط، كما يلتقطها من الأحلام والمنامات ولحظات الخذلان، ليقدم نصاً عابراً بين السرد والشعر، ومثل قصيدة النثر تبدو "الأقاصيص" سرداً متقافزاً يبعثر أطراف الحكاية عكس الاتجاه المتوقع، بلغة شاعرية واضحة الإيقاع، كل أقصوصة ذات مبنى محكم وإطار محدد، لا تتحمل لغتها الاستفاضة فى استعمال الأدوات الجمالية، أو المبالغة بالصور والتزويق، الأقاصيص فقرات موجزة ومصقولة، الكاتب يبدو قادراً على تشظية الحكاية وكسر الحدود بين الأجناس الأدبية، باستخدام لغة مجازية ـ غير تداولية ـ كأنه يمارس نوعاً من العنف ضد الخطاب المستهلك بتقديم خطاب مصاغ بعناية، فى محاولة لا تنتهى لابتكار أساليب تعبيرية مفارقة. فى قصة "الزوَّار" يعبر هكذا عن مشهد معتاد:
"الأرض ترى السماء حبلَ غسيل ضخم ينقّط عليها، كلما سقطت منه قطرةُ نور، كسحتها يدٌ إلى البالوعة"
الملاحظ أن الحياة فى مدينة المسوخ الليلية التى يؤسسها طارق فى مجموعته الجديدة لا تسير عكس التوقعات فقط، بل تتسم بسمات تدعو إلى السخرية وتعيد بناء العالم من منظور ساخر يثير الدموع والضحك معاً، الحياة هنا تسير فى الاتجاه العكسى تماماً من اتجاه سيرها الواقعى، فنحن نولد عجائز ثم نموت أطفالاً، وبين اللحظتين نعيش فى تلك الحياة الفانتازية التى تصفها قصائد "هايكو المدينة"، بطل قصة "العمى" يعيش التطور بالمقلوب، فقد ولد أعمى لكنه يُبصر بالتدريج، وأمه أيضاً عمياء "كادت كثرة البكاء أن تعيد لها البصر"، وفى هذه المدينة قد تصادف "حصان فى حجم إصبع" أو "رجل يمشى بظهره" أو "نائم يحلم بنائم"، وبالتالى يمتد الإيمان بالسير فى الاتجاه المضاد إلى بنية القصة نفسها، فهو يبدأ دائماً من الاتجاه العكسى، فى قصة "كلانا ضيف الآخر" يطرق الراوى باب شقته من الداخل فيفتح له أحدهم من الخارج، ليكون البيت شارعاً بينما الشارع يتحول بيتاً.
فى قصة "فى كل مكانٍ خانته المدينة"، يبدو الرجل العجوز ـ المتهم دائماً فى ثقافتنا بالثرثرة ـ فى القصة بلا فم، يقطع طريق الهمسات واللعاب، "كأنه بنى بيتاً أخيراً فى تلك المسافة ـ التى لن يقبل أبداً أن تتقلَّص ـ بين شفتين"، هذه القصة ذات بنية حكى عكسية، الكاتب يؤجل سؤال حياة الرجل العجوز إلى ما قبل نهاية القصة: "فى أى مكان يلوذ به اثنان لكى لا يراهما الجميع، يوجد ذلك الرجل العجوز، لكى يُفسد الكلمات".
واقعية الأحلام
الحق أن الفكرة التى تقول إن "الكتابة عن المسوخ والأشباح والأحلام هى محاولة للخروج عن المألوف ومحاولات لكتابة فانتازيا لا تمس الواقع"، هو أمر بحاجة إلى مناقشة، فالعالم الواقعى بقوانينه وحدوده المكانية والزمانية لا يزال موجوداً وقائماً، ويستطيع كل من يكتب أن يحاول تصويره بمنتهى الاحتراف، لكنه لن يتمكن من ذلك أبداً، هذه واحدة، والثانية أنه لن يقول جديداً ـ ومن ثم ـ لن يتخذ لنفسه موقفاً يسمح له برؤية الجديد، وهو الدور المنوط بالفن الذى يقوم به دائماً من أجل فهم العالم ومحاولة تغييره إلى الأفضل، فقصص الأشباح والمسوخ وعلى الرغم من ذاتيتها المفرطة ـ كحال كثير من موضوعات الفن ـ إلا أن كثيراً مما تحكيه يحدث معنا بطريقة أو بأخرى، وبالتالى يحاول الكاتب التعبير عن "المشترك الإنساني"، وهو يحاول تغيير العالم من خلال تغيير الزاوية التى يُرى منها.
تعانى الذات فى هذه المجموعة من كوابيس اجتماعية وشخصية عدة، أبرزها أنها ذات مقموعة تعانى مشكلات الإخضاع والسيطرة التى تخضع لها من قبل منظومات ثقافية، وكتابتها فى هذه الأقاصيص يبدو كأنها نوع من الانتفاض على هذا الإخضاع، وكل الأقاصيص محاولات للخروج من هذه السيطرة والتخلص من قوى عليا مهيمنة، ففى قصة بعنوان "الحياة" يقول: "كلما انتقلت إلى شقة جديدة أرى نفس الجار" هذا الجار الشبحى هو معكوس الجارى الطبيعى المفترض أن يثير فينا الاطمئنان والسكينة، ولقد أصبح بإمكان المتابع لمسارات السرد العربى ملاحظة أن تأثيرات عالم "ما بعد الربيع العربي" وكوارث "زمن ما بعد الكورونيالية"، قد وضعا الأدب باتجاه تشكيل مسار جديد فى هذا السرد بأن جعل الأدب يغوص فى وحل السوداوية والاغتراب والأنين من قسوة القيود على التفكير والتقليل من قيمة العقل بالذهاب بعيدا فى كتابة الفانتازيا.
طارق هنا يوغل فى اغترابه ووحدته والإحساس بالفشل فى التحقق الاجتماعى، لدرجة أنه يكتب عن جموع من الملابس الذاهبة إلى المدارس لا عن الأطفال التى ترتديها، عن القبلات التى لم تحدث بدلاً من الحديث ـ الذى يشغل الناس دائماً ـ عن القبلات التى حدثت بالفعل، وفى قصة "فيلم روائى طويل" يجعل فيلماً روائياً يعاتب أحد مشاهديه فى الشارع: "أنت تركتنى فى مُنتصفي"، وهكذا تتفاعل البنية المعكوسة فى الأقاصيص منذ العنوان، وفى قصة "المدينة" يمكن ملاحظة إلحاحه على فكرة اختلاف "سرير المتعة" عن "سرير النوم" فى إشارة إلى أن المتعة تأتى غالباً مسروقة أو مختلسة أو اعتباطية بلا مواعيد مُسبقة، والسبب الوحيد لتغيير أسرّة النوم هو كثرة الانتقال: "لم يكن سرير متعتنا يوماً سرير نومنا، تعاقبت علينا الأسرّة كالنساء، ونمنا غرباء فى أجسادنا"
فى المقابل، نجد أن رواد الحركة السوريالية يرون أن الحلم مثلاً هو امتداد للواقع وأن الواقع ليس سوى جزء صغير من اللغز الذى يغلف الحياة البشرية، وأنه لا ينبغى رفض أحد أكثر وجوه الواقع إثارة يقول بريتون:
"الحلم ليس نأياً عن الواقع بل امتداد له أو اقترابٌ منه، وبالتالى يصير الحلم وسيلة للمعرفة، ولإثراء التجربة الإنسانية، ويجب تحليله على هذا الأساس، إنه وسيلة للاتصال مع القوى الخلاقة فى الكون أو كما يقول بيير ريفردى: لا أظن أن الحلم نقيض الفكر. ما أعرفه منه يجعلنى أميل إلى الاعتقاد بأنه ليس إلا شكلاً من الفكر أكثر حرية وأكثر خصوبة".
لقد توقف الناقد الراحل الدكتور شاكر عبدالحميد طويلاً فى كتابه المهم "الخيال من الكهف إلى الواقع الافتراضي" أمام تحليلات فكرة الشبح فى الثقافة الغربية والعربية، واكتشف أن وظائف الأشباح فى زماننا تغيرت عن وظائفها الكلاسيكية، يقول: "الأشباح فكرة مجازية ودلالية ثقافية لا ترتبط فقط بمعنى الأشباح الذى يربطها بالموتى الذين يعودون إلى الحياة، بل أيضاً بتجليات عديدة للفكرة فى الأدب والفن التشكيلى والسينما والمسرح وكل أشكال الميديا الحديثة"، وينقل عبدالحميد عن الباحثة جوليا كريستيفا قولها فى كتاب "قوى الرعب":
"تم قذف وإبعاد كثير من الجوانب غير المتسقة والمتصارعة فى الثقافة الغربية وتجسيدها على هيئة وحوش أو أشباح مثيرة للكراهية والاشمئزاز فى محاولة لإسقاط أو إبعاد كل تلك الجوانب غير المرغوب فيها من الذات الغربية على آخر بعيد غامض هو فى الواقع أحد مكونات الذات التى لا تريد ـ هذه الذات نفسها ـ أن تقر به أو تعترف بوجوده داخلها".
طبعاً يتسم الأداء اللغوى عند طارق إمام باستخدام اللغة الشاعرية فى هذه القصص، لكنه يخصص "هايكو المدينة" للشعر وحده وبالتحديد لقصيدة النثر، وهى طريقة فريدة وملهمة فى كتابة القصص، لكنها لا تُنسينا أن علاقة الشعر بالقصة العربية امتازت ـ عبر تاريخها الذى يزيد على أكثر من مائة عام ـ فى بعض تجاربها الكبيرة بنصوص تفيض بالشاعرية والغموض، والشاعرية فى الماضى كانت شاعرية السمات السائدة فى عقدى "السبعينات" و"الثمانينات" من القرن الماضى، وتتمثل فى اللغة ذات السمات الإنشادية كما فى بعض أعمال زكريا تامر، أو عبر شاعرية "أنسنة الأشياء" عند يحيى الطاهر عبدالله، أو عبر تقنيات أسلوبية تستلهم بعض جماليات الحكى فى التراث النثرى العربى وحكايات "ألف ليلة وليلة"، كما تم توظفيها فى أعمال محمد حافظ رجب وإبراهيم عبدالمجيد ومحمد المنسى قنديل على سبيل المثال.
كما لن ننسى أن توظيف لغة الشعر وعوالمه وتقنياته الأسلوبية فى القصة القصيرة كان دائماً من المهام التى أثارت الإعجاب وكانت طريقة تفضيل قاصٍ على آخر دائماً تحسمها درجة شاعرية الأداء اللغوى فى قصصه، وإذا كان الشعر يعرف فضيلة المحو والاختزال قبل فضائل البلاغة جميعاً، فإن شظف الكلمات واستخدامها بحذق فى القصة جاء منذ مهدها على يد الكبير يحيى حقى، ووصلت إلى أقصى حدود التجريب والاقتصاد فى اللغة فى أعمال الكاتب الكبير الراحل إبراهيم أصلان.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
بطول الرصيف الواسع الممتد، اصطفت الماشية: أغنام وأبقار تحديداً، وبما أن العيد الكبير، عيد الأضحية، اقترب، فالمنظر يبدو مقصوداً، وغريباً...
تركت أثرها فى نفوسهم ووصفوها فى كتاباتهم طه حسين: كانت دعوة من خارج النفس.. دعوة «آمرة» أمير الشعراء خاف من...
شخصيات لها تاريخ «102» مذابح الأرمن المسيحيين وقعت فى عهده وبتوجيه منه ورفض إقامة وطن قومى لليهود على أرض فلسطين...
إمام.. سيرة أخرى د. خليل فاضل: إمام لم يكن شيخًا ولا مطـــــــــربًا.. كان إنسانًا يبحث عن نفسه الشيخ إمام لم...