حكايات عادية جداً .. أشعر بالبرد

لا أذكر بردًا قاسيًا، كذلك الذى عشته بين  نهاية 2002 وبداية 2003.

خرجت من بلدتى صيفا، لم يكن فى حقيبة سفرى سوى ملابس خفيفة، تناسب خروجا خفيفا، يحررنى من ملل انتظار شىء ما، ربما فرصة أو فكرة أو عمل، لا يدرى الواحد منا أحيانا ما الذى ينتظره بالضبط، ففور التخرج من الجامعة، تصادفنا نفس الأسئلة: ماذا بعد؟، ما الذى سيحدث؟.

التحرك أحيانا حتى لو كان للاشىء أفضل كثيرا من الانتظار، حتى ولو كان لشىء، ألقيت بنفسى فى القطار،  تبدو لى علاقتى بالقاهرة فى تلك الفترة،  وكأنها "تلقيح جتت"، ألقيت بروحى وجسدى فى المدينة المبهرة الطاحنة، دون أن أعرف إلى أين المصير، ما النتيجة؟، وفى الأعماق دافع خفى، يشتعل فى الصدر أحيانا كالنار، فيسرى فى الأعصاب ويلهب العقل، أريد أن أكتب، وأن أرى اسمى مطبوعا فى أوراق الصحف.

3 شهور مرت لم تفضى إلى شىء، سوى بعض اللكمات التى تلقتها الروح والنفس، لكمات وليال صعبة، واحدة منها، لا زالت تترك ندبة كبيرة  فى الذاكراة، تلتهب كلما حل الشتاء ونزل المطر.

حلت عليا بالأمس رعشة خفيفة، لم تكن ناتجة عن برد، فتحت ترينج البيت كلسون، وفوقه دفاية صغيرة، وبالجوار كوب أعشاب ساخن، كانت رعشة نفسية، قديمة، استعدتها وأنا أشاهد نزوح جماعى لفلسطينين تحت قسوة البرد والمطر، شاهدت شابا يصرخ للسماء: "يارب نرجع لغزة.. يا رب نرجع لغزة". فتذكرت تلك الليلة، التى قضيتها مرتعشا، محاصرا ما بين المطر والفلس والإحباط.

****

كان ديسمبر، خرجت من الصحيفة التى أحاول العمل بها مُحبطا خاوى الوفاض، لم يكن فى الجيب سوى نصف جنيه، ثمن أجرة المواصلات من ميدان لبنان إلى الجيزة، ولم يكن تيشيرت النصف كم الذى أرتديه، مناسبا لتلك الموجة الباردة التى اجتاحت البلاد، وتلك الأمطار التى انهالت من السماء، ابتلت ملابسى سريعا رغم محاولات تجنب البلل،  ظللت أهرول فى شارع المحطة، بعد أن تذكرت زميل دراسة جامعى يسكن فى تلك المنطقة، بدا لى كمنقذ، لم يكن معى تليفون، ولا فلوس لإجراء مكالمة من الشارع، كى أتحقق من وجوده قبل الذهاب، ظللت أدعو الله أن أجده، كنت هشا فاقدا نصف وزنى، جائعا ومبلولا ومحبطا.

صعدت الطابق الثالث، وظللت أخبط على باب الشقة، ولم يفتح أحد، رغم سماعى لصوت بالداخل، ورؤيتى لنور الصالة من عقب الباب، هناك شخص بالداخل، شخص لا يريد أن يفتح، ربما يكون غاضبا منى، نعم اقترضت منه 50 جنيها ولم أعدها إليه؟، ربما لا يزال منزعجا من انتقادى له على سلم الكلية قبل سنوات؟

هبطت إلى الدور الأرضى، لأجد سلسلة على باب العمارة، فى نهايتها قفل، هناك من أغلق الباب، ليجعلنى حبيسا ومعلقا، عدت إلى الطابق الثالث، مرت ساعتين من الخبط والطرق وضرب الجرس، دون أن يفتح أحد، لم أجد أمامى سوى الجلوس على إحدى عتبات السلم، أضع يدى عليها، تمتلئ بالماء المتسخ، أحاول استعادة الهدوء، فيرتعش الجسد، لم أعد قادرا على التحكم فى تلك الرعشة، إنه يحاول أن يولد طاقة تساعده على الحياة، بينما تنتفخ المثانة، رغبة فى الانفجار، بعد تفكير وتأجيل، لم يكن أمامى خيارا آخر، سوى النزول للدور الأرضى، والإفراج عن المحبوس فى المثانة، بعد أن تلاشى الخوف على شكلى إذا ما تمت رؤيتى، نزعة البقاء أهم من كل الصور التى يحاول الإنسان رسمها عن نفسه وشكله ومكانته فى عيون الآخرين.

ظللت على هذه الحال، أعانى الرعشة وقلة النوم، حتى أسقطت السماء شعاعا للشمس على بسطة السلم، وسمعت بعده صوتا للباب وهو يفتح، كان على أن أهرب إلى الشارع، إلى الدفء والحرية، وفى الميدان وجدت "أتوبيس" واقفا وعلى لافتته "عين شمس"، ذهبت للسائق، أخبرته أننى لا أملك ثمن التذكرة وأريد أن أذهب إلى عين شمس، تأملنى قليلا ثم  أشار للمقعد الأمامى المجاور له، "اتفضل أقعد"، كانت إجابته رغم بساطتها طوق نجاة، أحببته، وربما لذلك أخذت دفتر التذاكر الصغير، لأساعده فى تحصيل الأجرة من الركاب.

******

"حذّر مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الجمعة، من أن الطقس البارد والممطر فى غزة يجعل القطاع الفلسطينى الذى مزقته الحرب غير صالح للعيش على الإطلاق".

"أعلن الدفاع المدنى بغزة أن حياة آلاف النازحين مهددة بسبب البرد القارس والأمطار التى أغرقت خيامهم". "اليونيسف: البرد والمطر هذا الأسبوع فى غزة تسببا فى أنهار من النفايات".

"وفى منطقة المواصى غرب خان يونس يعيش النازحون فى خيام لا تقيهم البرد، وتغرق بالمياه بسرعة مع أول زخات للمطر".. "هربنا من القصف لنقع ضحية البرد".. "السيول والبرد يضربان الفئات الأكثر ضعفاً".. "ضرب منخفض جوى مصحوب بكتلة هوائية باردة القطاع، وتسبب فى تساقط الأمطار وتفاقم معاناة مئات الآلاف من سكان القطاع".

عناوين جافة وصور ناقصة، تفقد القدرة على نقل جوهر الموضوع، الإحساس بالبرد.

******

سألت زميلى، فيما بعد، لماذا لم تفتح الباب؟، فأخبرنى أنه لم يسمع شيئًا، و فى الحقيقة لم يكن يريد أن يسمع.

 	أحمد عطا الله

أحمد عطا الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

صلاح عبد الصبور.. الفارس النبيل الذى انكسرت أحلامه سريعا

فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى...

نوران خالد: رواياتى ترصد سعى الإنسان نحو الحرية

الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية

ابتلى به الإنسان من بداية الخلق .. الاختيار مسئولية

بدأت فلسفة الاختيار بمناقشة مسألة القدر المحدد بعلم الله مسبقاً ومن هنا ظهرت مذاهب فلسفية كالجبرية والمعتزلة والأشعرية

شخصيات لها تاريخ «99» إدريس السنوسى.. أول وآخر ملك فى المملكة الليبية

تربّى فى الزاوية ودرس العلوم الشرعية وكان يحب مجالس العلماء ويقربهم إليه وامتلك واحدة من أكبر وأهم المكتبات فى العالم...