وصية صبرى موسى الأخيرة.. ولماذا طلب مصحفًا قبل رحيله بساعات؟

أوراق ساحر الكتابة «21» / سر الخبر الذى أخفته عنه أسرته فى المستشفى / لماذا رفض العلاج على نفقة الدولة وكيف استطاع ترويض الألم طوال 15 سنة محنة مرضه بدأت بخناقة بين أديبة وناقد فى وجوده أصابته بجلطة فى المخ

لو سألتنى عن المجال الذى كان سيبرع فيه كاتبنا المبدع صبرى موسى لو لم تكن الكتابة قدره المحتوم، لقلت لك بلا تردد: السلك الدبلوماسى، وهو اختيار سبقنى إليه صديقه عيد قحطان، الدبلوماسى البحرينى المرموق وكان سفيرا لبلاده فى بغداد وقت أن كان صبرى موسى مديرا لمكتب "روز اليوسف" بالعراق والخليج نهايات السبعينيات..

وفى السهرات الطويلة التى جمعته بألمع الدبلوماسيين العرب على ضفاف دجلة، كان صبرى موسى قادرا دائما – برصانته وثقافته - على الدفاع عن مصر ومواقفها وتاريخها وسياستها، فكان عيد قحطان يداعبه قائلا: أنت أبرع سفير لمصر رأيته فى حياتى!

(1)

 إنه- السلك الدبلوماسى- إذن  المكان الأنسب لأناقته الشخصية والعقلية، وكذلك لطباعه الإنسانية، فقد خلقه الله هادئا رزينا، خفيض الصوت، مرتب العقل، بارع المحاورة، قادرا على الإقناع بالحجة والبرهان، وليس بالجعجعة "والغلوشة" والصوت العالى..

بل كان يزعجه الصوت العالى وينفر منه، ويراه دليلا على الجهل وقلة الذوق وعدم التحضر، ولا يليق أبدا بإنسان مثقف..

المثقف عنده هو أرفع درجات الرقى والنُبل الإنسانى، ولذلك جاهد كثيرا ليحتفظ بمستوى من هذا النُبل لا يتنازل عنه مهما كانت الظروف والعواقب.. وعندى عشرات الأمثلة والمواقف التى تدلل وتؤكد:

حكت لى زوجته الكاتبة أنس الوجود رضوان هذا الموقف: "فى مرة كنت أتحدث تليفونيا مع زميل لى فى الجريدة، وكان الحديث بخصوص موقف لزميل آخر أثار غضبى ولم أتمالك نفسى وقلت كلاما حادا عن تصرفه، ولما أنهيت المكالمة فوجئت بصبرى ينظر لى بغضب وأدركت أنه كان يتابع حديثى، ويومها أعطانى درسا قاسيا، وقال إنه لا يصح ولا يجوز أن أذكر أحدا فى غيابه، وإذا كان لى عتاب على هذا الزميل فإن علىّ أن أواجهه مباشرة، وأن أقول له هذا العتاب فى وجهه، فليس من الأخلاق أو المروءة أن أنال أحدا ولو بلسانى فى غيبته.. تعلمت منه هذا الدرس الذى لا يخرج إلا من إنسان نبيل حقا".

وحكت أنه اتفق مع مجموعة من أصدقائه على شراء قطعة أرض فى العريش، وكان يخطط لأن يبنى عليها "شاليها" على طراز شعبى، يهرب إليه من زحمة القاهرة وضجيجها، ليجلس على بحر العريش يتأمل ويكتب، وبالفعل وضع أساس الشاليه، لكن جاءت موجة الإرهاب العاتية فى سيناء لتعطل استكمال الحلم، فسألته مرة تداعبه: يعنى كده حتة الأرض راحت علينا ولا إيه؟، لكن السؤال أغضبه وأجاب بحدة: يعنى عايزانى أدور على حتة أرض ودم الشهدا هناك بيروى ترابها!.. ما تروح حتة الأرض وإيه يعنى.. المهم البلد!

وحكى كاتبنا الكبير إبراهيم عبد المجيد أنه فى جلسات المثقفين، وفى حال وجود صبرى موسى فإنه كان ممنوعا أن تتطرق الجلسة إلى أحاديث النميمة المعتادة، وإذا حدث وسمع أحدهم يذكر صديقا فى غيابه فإنه كان يرفع يده محتجا: "بلاش نجيب فى سيرة الناس"!

وعندما عرف أن ابنة صديقه الأديب محمد مستجاب تعانى من أزمة صحية و يعانى معها من تكاليف علاجها الباهظة، أرسل إليه مبلغا كبيرا مع زميلنا الصحفى الشاب يومها عادل سعد، وحرص على أن يكون الأمر بشكل سرى وبما يحفظ كرامة صديقه فى محنته.. وهو موقف نبيل حمله له مستجاب بامتنان، وكانت وصيته لولده قبل رحيله أن يداوم على السؤال عن عمه صبرى!

أما مواقفه مع أخواته البنات ورعايته لهن بعد رحيل والدهم فيمكنك أن تسمع منهن عشرات الحكايات المدهشة عن هذا الأخ النبيل.. وأما عن علاقته الراقية بابنه الوحيد "محمد"، فيمكنك أن تسمع الكثير وكيف تحمل مصروفات ونفقات تعليمه فى أرقى الجامعات الأمريكية بالعملة الصعبة، وكيف كان يصر مهما كانت مشاغله أن يزوره كل عام ليطمئن عليه وعلى مستقبله وراحته!.. وأما عن تجربته فى تربية "هبة" ابنة زوجته فيمكنك أن تعود إلى مقالها "أبى صبرى موسى" التى حكت فيه عن هذا الرجل الذى رباها ورعاها طفلة واعتبرها ابنته التى لم ينجبها..

رجل بهذا الرقى لا تتعجب عندما تعرف أنه أصيب بجلطة غيرت حياته ودمرتها طيلة 15 سنة مريرة مع المرض، لأنه لم يتحمل مشادة فى حضرته بين أديبة معروفة وناقد كبير، تطورت إلى "خناقة شوارع"، تعالت فيها الأصوات والألفاظ النابية، فلم يستوعب ما يجرى أمامه، وانفجر عقله!

(2)

حدث ذلك فى العام 2003، حين كان صبرى موسى يرأس اجتماع لجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة باعتباره مقررها، وفوجئ بالاشتباك بين الروائية والناقد، فحاول أن يفضه بحكمة ولكنهما تماديا فأخرجهما من الاجتماع، ولما سمح لهما بالرجوع عادا إلى الاشتباك بل ووصل التلاسن إلى "ردح" كان وقعه صادما على رجل مثله تؤذيه حتى الأصوات العالية العادية..

ولما وصل إلى البيت كانت علامات الإعياء بادية عليه ثم سقط على الأرض فاقدا الوعى، فنقلته أسرته إلى أقرب مستشفى لبيته وقتها فى المبتديان وهو مستشفى "الحكمة"، وأمام تدهور الحالة نقلوه إلى مستشفى قصر العينى "الفرنساوى"، حيث اكتشف الأطباء إصابته بجلطة فى المخ.. أدت إلى شلل نصفى بالجانب الأيمن لتبدأ سنوات المحنة!

استقبلها صبرى موسى بصبر ورضا وكبرياء وتحدٍ، ومع جلسات العلاج الطبيعى المستمرة بدأت حالته فى التحسن، واستعاد المشى بمساعدة "عكاز"، وكذلك بمساهمة عاملين كان لهما دور مهم فى أن يتعافى بسرعة، أولهما عشقه للقراءة، فقد ساهم هذا العشق فى أن يحتفظ بلياقة ذهنه وكفاءة ذاكرته، حتى أنه ترأس وقتها لجنة تحكيم جائزة كتاب اليوم لاختيار أفضل أعمال المبدعين الشبان، مما جعل صلته بالوسط الأدبى متصلة وقوية، ولما سئل وقتها عن رأيه فى إبداع الشبان الجدد قال بحماس وبأبوة:

"كثيرون منهم يمتلكون أفكارًا جديدة وجيدة، قليلون جدًا منهم من يمتلك اللغة، لديهم مشاكل كثيرة فى طريقة السرد، فبعضهم لديه أفكار رائعة، ولو استطاع معالجة اللغة لديه وطريقة السرد، يمكنه عمل رواية عظيمة.. ونصيحتى لهم هى القراءة طبعا، أن يقرأ الكاتب أكثر مما يكتب، ويطالع الكتابة المحلية والعالمية أيضا، ويحرص على حضور الندوات والحلقات النقاشية، وأن يعطى العمل حقه حتى يصبح صالحًا للنشر، فيمكن أن يأخذ العمل عامًا أو عامين أو أكثر، لا يهم، فهناك كتاب عالميون صنعوا مجدهم الأدبى من خلال رواية وحيدة أو روايتين، فليس مهمًا أبدًا أن تنشر رواية كل عام".

ولما سئل عن أحدث رواية قرأها وأعجبته قال:

"آخر ما قرأته كان رواية «ميت رهينة» للدكتورة سهير المصادفة، والرواية كانت رائعة، فالمصادفة كاتبة مميزة، تمتلك مشروعًا سرديًا باحثًا عن الهوية المصرية، منذ روايتها الأولى «مس إيجيبت» ووصولا لروايتها الأخيرة".

العامل الثانى هو عشقه للصحراء، ذلك العشق الذى منحه القدرة على التحمل وعلى التكيف مع كل الظروف مهما كانت صعبة، ففى رحلاته بصحارى مصر ذاق الجوع والعطش ونام على الأرض وواجه الموت وعاش فى أصعب الظروف وأقساها، وهو ما أعطاه الصلابة لمواجهة محنة المرض.. فقد كان مستعدا لكل التضحيات بصبر ورضا وبساطة، ولما سئل عن ما تغير فى حياته بعدها، أجاب بابتسامة:

"كنت أعشق القهوة والتدخين والسهر، كانت هذه هى طقوسى أثناء الكتابة، لكن المرض وقف بينى وبينها، فأصبحت لا أشرب سوى فنجان واحد من القهوة معتدل السكر فى اليوم، أما التدخين فقد توقفت عنه تماما، لكننى مازلت أصحو طوال الليل وأنام معظم النهار، فلم يستطع المرض أن يحول بينى وبين السهر، على العكس فقد وطد الألم العلاقة بيننا ".

وهكذا نجح صبرى موسى فى "ترويض" الألم!

صحيح أنه كان لا يغادر بيته إلا نادرا لكن صلته بالعالم لم تنقطع، سواء عن طريق القراءة، أو شاشة التليفزيون وبرامج الإذاعة، أو عبر الاتصالات الهاتفية وزيارات الأصدقاء المقربين.. وبالإضافة إلى اتصالات أصدقاء العمر مثل فتحية العسال وزينب صادق وبهاء طاهر وعبدالله الطوخى وإقبال بركة، كانت تأتيه اتصالات من أنحاء العالم، وخاصة من أصدقائه فى أمريكا من العرب المقيمين هناك مثل توفيق حنا وفكرى أندراوس، ومن المبدعين فى العالم العربى وأبرزهم الشاعر الراحل حبيب الصايغ الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب العرب..

طبعا فرضت ظروف المرض ظلالها الكثيفة على تفاصيل حياته، ومنها مثلا عيد ميلاده فى 13 فبراير، فبعد أن كان الأصدقاء يتسابقون للاحتفال به فى حفل صاخب ويتنافسون على استضافته فى بيوتهم، أصبح احتفالا عائليا يقتصر على أفراد أسرته وبعض الأصدقاء المقربين..

لكن عشقه للحياة ظل صامدا، حتى بعد أن تعرض لانتكاسة وداهمته جلطة جديدة  ولم يعد قادرا بمضاعفاتها على الحركة إلا على كرسيه المتحرك.. فكان يقضى ساعات فى مكانه المفضل تحت ظل الشجرة الوارفة التى تظلل بلكونته المطلة على شارع الهرم، فيستيقظ فى السادسة ليتناول إفطاره وعلاجه، وما إن يدخل البلكونة على كرسيه حتى يستقبله سرب العصافير الساكن فى شجرته والأشجار المحيطة، فيسمع سيمفونية يومية من الزقزقة وكأنها تغنى لصديقها القديم وتشد من أزره..

وبعد أن يشرب "شاى بلبن" وفنجان قهوة يدخل بعدها إلى مكتبه ليمارس عادته اليومية المزمنة فى القراءة..

وطوال تلك السنوات كانت أسرته حريصة على أن تبعده عن كل ما يمكن أن يثير غضبه، لكن كان يحدث أحيانا أن يقع المحظور، مثلما حدث عندما فوجئ مرة بتصريح صحفى منسوب إليه بأنه يرفض تحويل فيلم "الشيماء" (الذى كتب له السيناريو والحوار) إلى مسلسل تليفزيونى، يومها ثار صبرى ووصل غضبه إلى ذروته، بعدما فوجئ بكلام مكذوب على لسانه..

وهو الأمر الذى حاولت أسرته أن تتفاداه فى موقف آخر مشابه، فأخفت عنه الخبر، ومنعته من الفرجة على التليفزيون أو قراءة الصحف حتى لا يتسرب إليه، فقد كان كفيلا أن يوقف قلبه!

كان ذلك فى العام 2013، وفى وقت كانت مصر تشهد فيه حالة غير مسبوقة من الاضطرابات الأمنية والسياسية مع سيطرة تيار الإسلام السياسى وجماعاته على السلطة، وفوجئت أسرته بخبر يقول إن أحد المستشفيات الخاصة "طردت" صبرى موسى لعدم قدرته على دفع تكاليف العلاج، وهو خبر مختلق وعار تماما من الصحة، واتضح فيما بعد أن وراءه ذلك التيار الكاره للإبداع والمبدعين.. بل وحاولوا ترويجه للنيل من صبرى وتاريخه المعارض بل والفاضح لتجار الدين، فتداولته الصحف وبرامج التوك شو التليفزيونية..

حاولت أسرته أن ترد وتوضح وتفند وتثبت كذب الخبر، فقد كان صبرى موسى يقيم وقتها فى جناح بأحد أكبر المستشفيات الخاصة المطلة على النيل، وكانت زوجته ترافقه متحملة أجر مرافق قيمته لوحده 500 جنيه فى الليلة الواحدة..

وكان الكل فى الوسط الثقافى يعرف أن صبرى موسى رفض بترفّع أن يطلب علاجه على نفقة الدولة، مع أنه كان صديقا مقربا لوزير الثقافة فاروق حسنى، ولو تقدم بطلب لاستجيب له على الفور، ولما سئل عن سر هذا الرفض كان يجيب ببساطة: ربنا يعين الدولة على اللى هى فيه.. وأنا الحمد لله قادر أعالج نفسى من جيبى!

ولأن أسرته كانت تدرك حساسية صبرى وأن خبرا مثل هذا يمكن أن "يقتله"، لذلك أخفوه عنه، ومنعوا الصحف التى نشرت الخبر من الوصول إليه، وأطفئوا جهازى التليفزيون الموجودين فى جناحه، بل إن مدير المستشفى الدكتور حسام بدراوى شاركهم فى تلك المهمة، مدركا الخطورة الطبية فى حال وصول الخبر إلى مريضه بالغ الرهافة الإنسانية..

(3)

وقبل رحيله بيوم طلب صبرى مصحفا، وقرأ منه آيات بعينها، وحاولت زوجته أن تعرف منه هذه الآيات، لكنه رفض أن يجيبها، وذهب سر هذه الآيات - آخر ما قرأ فى الدنيا - معه إلى قبره..!

ولكنه كشف عن وصية له أخيرة طلب من زوجته أن تحرص على إنفاذها، وهى وصية لا تتعلق بمال ولا ثروة ولا تركة، بل وصية إنسانية تليق بصبرى موسى وشخصيته، وكانت تتلخص فى مطلبين:

أن تحافظ أسرته على اسمه وعلى تراثه الأدبى والإبداعى، وتبذل كل جهدها فى نشره ووصوله للأجيال الجديدة، فى زمن كل شيء فيه يُنسى بعد حين، ولا يصح أن يكون تراثا بتلك الروعة مصيره النسيان ..

 أن تبقى الروابط العائلية بين أفراد أسرته موصولة، وألا يُوضع اسمه فى أى مشكلة، وتبقى سيرته بعيدة عن المشاكل..

(4)

رحل صبرى موسى فى 18 يناير 2018..

ولم يقتصر الحزن ولوعة الفراق على الأصدقاء والمحبين والعارفين بقيمته على امتداد العالم العربى.. بل شاركت فيه الطبيعة:

ذبلت شجرته التى طالما استظل بظلها فى بلكونته.. ومات الزرع الذى كان يرويه بنفسه..

هجرت العصافير المكان.. وكأنها عرفت برحيل صاحبها الوديع.

توقفت عقارب ساعته الشخصية الفخمة التى كان يتابع من خلالها الوقت.. "باظت" بلا سبب.. وكأنها أدركت أن دورها انتهى ولم يعد لها قيمة بعده..!

لكن يبقى السؤال:

هل رحل صبرى موسى حقا؟

 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

صبرى موسى

المزيد من ثقافة

مزايا استخدام الشريحة الإلكترونية (eSIM) أثناء السفر

مع التطور السريع في عالم التكنولوجيا، أصبحت تجربة السفر أكثر سهولة وراحة بفضل الابتكارات الرقمية التي تهدف إلى تبسيط حياة...

قصة مصورة - «الورد » هلت أنواره

بدأ الربيع بعواصف تراب ومطر، وانتهى بعد البروق والرعود إلى سماء صافية ومناخ نقى النسمات وشمس لينة تطبطب على الناس...

أحمد شوقى أمير الشعراء.. صورة إنسانية بعيدا عن المثالية الزائفة

قصة أول بيتين شعريين كتبهما فى حياته القصيدة التى وضعته على طريق الشهرة والعبقرية الخديوى إسماعيل عالج عينه بإلقاء قطع...

اعتبره الفلاسفة والشعراء منافسا جديرا للألم الجوع.. بطل المآسى

خاف الإنسان طول الزمان من شبح المجاعة أو ما سمى نفسيا «عقدة المجاعة » بعد أن وجد الجوع شبحا لا...