رفض صانعوه «مذبحة الرقابة» فباعه الموزع إلى القنوات الفضائية / «ملك الملح».. مشروع صبرى لتحويل الفيلم إلى مسلسل غنائى / علاقة جماعة الإخوان برفض الفيلم رقابيا ومنعه من العرض
لمع صبرى موسى فى سنوات الستينات اسما، وانتمى إليها جيلا، لكنه - لمن يتأمل تجربته - لا يُحسب عليها فكرا، فهو ابن مرحلة الليبرالية الفكرية التى عرفتها مصر فى الخمسينات، بكل ما كانت تتميز به من رحابة الفكر وتحرره واستقلاله، حيث لا رقابة ولا قيود على المبدع إلا ضميره الحر..
وهـــو المعنى الذى قصده بالضبط أديبنـا الكبير إبراهيم عبـد المجيد وهو يصف صبرى موسى:
"صبرى موسى من الجيل الذى فهم الفنون على حقيقتها باعتبارها تجليات لنشاط الإنسان، وليست وظيفة يقوم بها. ومن ثم هو يمشى وراء مواهبه.. إنه من الجيل الذى تعلم قبل ثورة يوليو 1952. جيل الليبرالية المصرية التى كانت تولى وجهها عبر البحر المتوسط فتعرف التسامح وتعرف أن الآفاق مفتوحة أمام الجميع، فلم يقف فى وجه أحد كما فعل الكثيرون من أنصاف الموهوبين الذين تعلموا فى سنوات النظام الأحادى النظر وزادوا الطين بلة فاستعانوا بما هو وظيفى وأمنى أحيانا ليكونوا فى النور بينما هم يصنعون الظلام. صبرى موسى كان من هؤلاء الليبراليين الذين يؤمنون بقوة الإنسان وعظمته ولا يشغل نفسه إلا بما هو إنسانى جميل، وكان دائما واثقا بأن قدراته وثقافته هما مفتاح محبة الحياة له كما أحبها ومحبة الناس كما أحبهم".
إنه معنى يتفق ويستقيم مع مفهوم صبرى للسينما ويفسره كما كتبه فى أوراقه:
"دعنا نبدأ من طريقة فهمى للسينما، فهى أحدث الفنون وإذا كان المسرح هو "أبو الفنون" فإن السينما هى "أم الفنون"، وكانت تعتمد فى البداية على التصوير المسرحى، وبدأت تؤلف لنفسها، وجوهرها الحقيقى الصورة وأقرب الفنون لها بالفعل هو الشعر والقصيدة لأنها تعتمد أيضا على الصورة، وهدف السينما هو تقديم الفيلم القصيدة، ولكن التجار حولوها إلى مجرد صناعة وقضوا على الطابع الفنى لها وهذا ما أخّر مسيرة السينما وحوّلها لتجارة، وأنا ربيت على جمعية الفيلم التى كونها يحيى حقى، وحرصنا على أن نرى جميع التجارب السينمائية فى العالم من خلال السفارات الأجنبية فى القاهرة مثل أفلام الموجة الجديدة فى فرنسا وإيطاليا وأفلام الواقعية الأوربية، وهذه الأفلام لم تكن تصمد فى دور العرض أكثر من أسبوع لأن الجمهور تعود على نمط تقليدى من الأفلام التى تقوم على الحدوتة والنهاية السعيدة وتبتعد عن الفن والواقع، وحاول المنتجون العرب إرضاءه، وقد مارست التصوير السينمائى كهواية من خلال كاميرا 8 مللى، ومارست المونتاج أيضا وأذهلنى أن إعادة ترتيب الصور تقدم حكاية مختلفة دائما مثل الشعر حيث إعادة ترتيب الجمل تعطى أحاسيس ومشاعر مختلفة، وحين اشتغلت فى السينما اصطدمت تجاريا مع المنتجين الذين يقومون بالاتفاق على هذه الصناعة الملكفة ماديا. وقد حاولت ترويض الأحلام الشعرية السينمائية للواقع، فقدمت بعض الأعمال التى تحاول التخلص من عيوب السينما فى ذلك الوقت، وتقديم الفيلم القصيدة فى فيلم "البوسطجى" فتجد فيه حسا ملحميا، ولا بد أن تعرف أن الأديب يكون سيد العمل وهو يكتب الرواية بينما وأنا أكتب السيناريو لا أكون سيد العمل وإنما مجرد فرد فى منظومة كبيرة يشترك فيها المخرج والبطل والمصور والموزع وغيرهم، كل واحد منهم له رأى غالبا ما ينتصر على كاتب السيناريو، وبالتالى تم تعديل كثير من الرؤى فى عشرة أفلام قمت بكتابة السيناريو لها.. لكن تظل السينما هى المدرسة التى يتعلم فيها الشعب الجمال والنظام والمحبة لو توافر لها نوع من الوفاق بين التجارة والفن"..
وظل صبرى طوال مسيرته حريصا على ذلك المفهوم وتلك الحرية، متمسكا بهذه الليبرالية، متنبها لتلك الاستقلالية، فكان يكتب ما يمليه عليه ضميره، لا يخضع لابتزاز أيديولوجى، ولا سطوة تيار فكرى، ولا تسلط مجتمع، ولا رقابة على مصنف فنى، ولذلك لم يكن غريبا ولا مدهشا أن تثير أغلب أعماله تلك العواصف والأزمات الرقابية، وهو ما تجلى بالذات فى تجاربه السينمائية.. وإذا كان فيلم "حادث النصف متر" قد طاله مقص الرقيب، فإن فيلمه التالى "رغبات ممنوعة" تعرض لمذبحة رقابية!
(1)
البداية من قصة قصيرة فى ورقتين كتبتهما "حنيفة فتحى"، ابنة شقيق المعمارى المصرى العالمى المهندس حسن فتحى، شيخ المعماريين وفيلسوف العمارة وصاحب الكتاب الفذ "عمارة الفقراء"، والتجربة الملهمة فى العمارة التى جسدها فى قرية "القرنة" وقبابها البديعة..
بدأت حنيفة ككاتبة للقصة الأدبية، ومن بين ما كتبته فى البدايات قصة "رغبات ممنوعة"، والتى رأت أن صبرى موسى هو أنسب من يحولها للسينما، فهى – القصة – تدور فى نفس المكان الذى كتب عنه تجربته الملهمة عن البحيرات المصرية، وتسببت حلقاته الصحفية عنها فى إنقاذها من التجفيف والإعدام..
ولأنه يعرف التفاصيل، بل والشخصيات الحقيقية للأحداث وعاش فى جبال الملح ومع تجاره، فإنه قرر أن يكتب السيناريو والحوار للقصة، وكعادته أضاف إليها الكثير من روحه وخياله وموهبته، فجاء الفيلم مختلفا عن موجة الأفلام التجارية التى سادت وطغت على فترة ما بعد نكسة 1967.
وتحمس أشرف فهمى للتجربة الجديدة بعد نجاحه مع صبرى فى "حادث النصف متر"، وهو ما شجع على ظهور منتج مثل محمد رجائى وموزع مثل صبحى فرحات، وبالتالى على وجود فريق عمل مميز ضم نجوما بوزن شادية ومحمود المليجى وحسين فهمى وميرفت أمين وتوفيق الدقن، ومدير تصوير بقيمة محسن نصر ومونتيرا مميزا كسعيد الشيخ ومبدعا فى الموسيقى التصويرية كفؤاد الظاهرى..ومطربا شعبيا رائعا كأنور العسكرى.
منح صبرى موسى للسيناريو أبعادا نفسية وفلسفية، وأطلق لخياله العنان، وكتبه بأفقه المفتوح وبتلك العقلية الليبرالية التى لا تعرف الخوف ولا القيود..
فى "الملاحات" وطبيعتها الخلابة، حيث جبال الملح وتلاله وأحواضه وبحيراته، ينتزع المكان لنفسه دور البطولة، رغم وجود ممثل "جبار" كمحمود المليجى، فرض سطوته وحضوره فى دور "الجبلاوى"، ملك الملاحات وحاكمها والمسيطر عليها، بل تمتد سطوته وسيطرته إلى الجميع، فلا رأى إلا رأيه، ولا صوت فوق صوته، والكل طوع أمره، ولا يجرؤ مخلوق على مناقشته أو تكسير أوامره!
وهو مستعد دوما أن يسحق من يعترض أو يخرج عن السيطرة، مثلما فعل مع شقيقته "تفيدة" (كريمة مختار)، التى أحبت شابا من أهل الملاحات، ولأن "خليل" على قد حاله، ولا يليق بأخت الجبلاوى، لم يجد الحبيبان بدا من الهرب لإتمام الزواج، فلا يتورع الجبلاوى عن قتل خليل، ويسجن أخته فى بدرون البيت، فتصاب بحالة من الجنون..
حتى ابنته الوحيدة سامية (شادية) يحبها حبا مرضيا، يشعر معه أنه يملكها، ولا يتصور أن تتزوج وتتركه، فيفعل كل الحيل لتظل إلى جواره حتى لو فاتها قطار الزواج.. ويمارس نفس التسلط على ابنه الوحيد أحمد (حسين فهمى)، فيمنعه من تحقيق حلمه فى الالتحاق بكلية الفنون الجميلة، ويجبره على دخول كلية العلوم ليحقق حلمه هو فى إنشاء معمل الملح، وليدير من بعده إمبراطورية الجبلاوى فى الملاحات، حتى لو على حساب رغبة الابن ومستقبله وشخصيته التى سحقها بلا رحمه.
يخضع الجميع لجبروت الأب إلى أن تهبط على الملاحات تلك الشابة الفاتنة "عزة" (ميرفت أمين) الطالبة فى السنة النهائية بكلية الفنون الجميلة وحبيبة أحمد وابنة أستاذه بكلية العلوم الذى يشجعه على السفر فى بعثة دراسية، وتختار عزة الملاحات لترسمها كمشروع لتخرجها، ومن خلال تلك الضيفة الغريبة يبدأ الجميع فى اكتشاف السجن الكبير الذى حبسهم فيه الأب، ويكتشفون ضعفهم وقلة حيلتهم والأحلام التى قتلها فيهم، ويكتشفون كذلك خداعه بعدما أوهمهم أنه وهب حياته لهم ورفض الزواج بعد موت أمهم، ثم يتضح أنه على علاقة بخادمته "شوق"، زوجة "مطاوع" ساعده الأيمن الذى حرضه على قتل خليل حبيب أخته وتسبب فى دخوله السجن..
تنهار صورة الأب المثالى، وتسقط سامية ابنته فى الوحل مع شاب يعمل فتوة بالموالد (يوسف شعبان) وتطلق العنان لرغباتها الممنوعة انتقاما من الأب، الذى يبادلها الانتقام حتى وهى جثة - بعد انتحارها - فينكر أن الجثمان لابنته!
(2)
لم تحتمل الرقابة السيناريو، فوضعت خطوطا حمراء على الكثير من مشاهده، طالبت بحذفها أو تخفيفها، وحاول أشرف فهمى أن يتحايل بالوصول إلى حلول وسط، وحذف عدة مشاهد وخفف من أخرى، لكن الرقابة أصرت على موقفها، وكان تنفيذ تلك الملاحظات الرقابية يعنى أن يخرج الفيلم مسخا مهلهلا وفاقدا لمعناه وقيمته، وهو ما رفضه صبرى موسى بإصرار، وأيده فى موقفه مخرج الفيلم أشرف فهمى وبطلته شادية.. فلم يحصل الفيلم على تصريح الرقابة الأخير بالعرض السينمائى..
وظل الفيلم يُعرض فى ندوات خاصة بنوادى السينما فقط، لأنه ممنوع من النزول إلى العرض الجماهيرى بدور العرض..
وقتها دخل موزع الفيلم صبحى فرحات (زوج الفنانة زبيدة ثروت) فى مشاكل وأزمات مالية وصلت للحجز على شركته وأرصدته وأفلامه فى مصر، وبحيلة ما نجح فى تهريب "نيجاتيف" الفيلم إلى الخارج، وطبعه ووزعه فى شكل أشرطة فيديو وأسطوانات، وتزامن ذلك مع بداية انتشار القنوات الفضائية، فباع لها حقوقه عرض الفيلم، وهكذا شاهد الجمهور "رغبات ممنوعة" على شاشات الفضائيات بعدما حرموا من مشاهدته على شاشات السينما..
(3)
لا أحد لديه إجابة واضحة على هذا الموقف المتعنت الذى اتخذته الرقابة مع "رغبات ممنوعة"، وإصرارها على حذف الكثير من مشاهده ثم منعه من العرض، وهناك من يُرجع السبب إلى المزاج السلفى الذى بدأ يضرب مصر وقتها، بعد "مقامرة" الرئيس السادات بإطلاقه يد الجماعات الإسلامية ليواجه بها نفوذ اليسار والناصريين.. فأفرج عن قيادات جماعة الإخوان، وترك للتيار الإسلامى حرية الحركة فى الشارع ليكونوا عصاته الغليظة ضد معارضيه، وسرعان ما بدأ المزاج السلفى يتسرب ويفرض نفسه ويطول كل شىء.. بما فيها الفن.
صحيح أنه رأى له وجاهته، ولكنه لا يصمد أمام السؤال الذى يلح فى طلب إجابة منطقية: لماذا "رغبات ممنوعة" بالذات، وقد كانت أفلام تلك الفترة تفيض بمشاهد أكثر جرأة، فلماذا تركها الرقيب وأعمل مقصه فى هذا الفيلم تحديدا؟
على أيه حال فإن صناع الفيلم لم يستسلموا وقرروا أن يواجهوا الرقابة على طريقتهم، فجرى اتفاق بين صبرى موسى وأشرف فهمى وشادية على تحويل الفيلم إلى عمل درامى من 15 حلقة، اختار له صبرى عنوان "ملك الملح" وهو الوصف نفسه الذى ابتكره فى حوار بالفيلم يجمع بين الجبلاوى و"عزة" الرسامة عندما طلبت منه أن يجلس أمامها لترسم له لوحة بريشتها، وقالت إنها ستسميها "ملك الملح"..
لكن المسلسل المأخوذ عن الفيلم كان مختلفا، إذ كان سيستغل وجود شادية كصوت ومطربة إلى جانب التمثيل، فإذا كان الفيلم لم يمنحها الفرصة للغناء ولو أغنية واحدة، فإن المسلسل كان سيعوضها ب 15 أغنية مرة واحدة، أغنية فى كل حلقة، وتم إسناد المهمة لواحد من ألمع ملحنى تلك الفترة، وواحد من أروع من غنت شادية ألحانه وهو بليغ حمدى..
تحمس بليغ للتجربة، واختار شاعره المفضل وقتها محمد حمزة لكتابة أغانى المسلسل، وكتب صبرى السيناريو، وانتهى حمزة من كتابة أغنيتين، وكانت هناك جلسات عمل شبه يومية فى شقة صبرى بالهرم، وورشة ليلية مفتوحة من أجل إنجاز "ملك الملح" كأول دراما تلفزيونية غنائية، وفجأة توقف العمل، وحسب ما سمعته من زميلتنا الكاتبة الصحفية أنس الوجود رضوان - زوجة صبرى موسى وشريكة حياته - عن الأسباب التى منعت ظهور هذا العمل الفذ للنور، ومنها أنه لم يجد جهة الإنتاج التى تدرك قيمته، ومنها أن صبرى موسى كان مرتبطا حينها بسفر طويل إلى أمريكا، ومنها انشغالات بليغ حمدى الكثيرة والمتشعبة خاصة بعد زواجه حينها من وردة (تزوجها فى ربيع العام 1973 وأصبحت أغلب ألحانه من نصيبها)..
السيناريو بحلقاته الخمسة عشر موجودا فى أوراق صبرى موسى.. وكلمات الأغانى التى كتبها محمد حمزة موجودة لدى أسرته.. فربما تجد من يتحمس لإحياء "ملك الملح".
(4)
وما كاد صبرى موسى يفيق من مذبحة "صبرى موسى" حتى وجد نفسه ضحية لمذبحة سينمائية جديدة.. وهذه المرة كان عنوانها "قاهر الظلام" الذى طالب بتعديل اسمه على سبيل السخرية والغضب إلى (الأعمى والحسناء)!.. وتلك قصة أخرى!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تلتفت الطفلة ضاحكةً لدعابة زميلها، الطفل الذي من سنها، تقهقه، من أعماق قلبها تقهقه، بينما يداها على "النول"، تعرفان طريقهما...
استعانت بالنفرى فى عنوان ديوانها الجديد يمكن قراءة القصائد عبر منهج يدرس «طقوس التعرف» الشعرى
أصدرت «سيرة المرأة العجوز» بعد 15 سنة من روايتها الأولى أهتم فى كتاباتى أن تكون اللغة بسيطة وتخاطب كل الناس...
تشير الدلائل الأثرية على بعض جداريات كهوف الهند إلى حوالى 5000 سنة ق.م وتظهر الحفريات أشخاصا فى وضعيات تأملية بعيون...