معارك مؤسس العقلانية العربية مـع تيار «الإسلامجية»

بروفيسور فى جامعة لندن يفتح النار على بواكير الإسلام السياسى فى مصر/ سر حقد جماعة الإخوان الإرهابية على طه حسين و«الشعر الجاهلى»/ تأسيس الإخوان بعد عام من براءة «فى الشعر الجاهلى» ليس صدفة

على كثرة ما قرأت عن الدروس المستفادة من سيرة حياة عميد الأدب العربى وإنجازاته الإبداعية والثقافية، وعلى تعدد ما طالعت من كتب ودراسات ومقالات تناولت أدوار العميد المُلهمة طوال خمسين عامًا مرت على رحيله (28 أكتوبر من العام 1973) لم أقرأ كتابًا يحتوى كل هذا الشمول والإلمام بتفاصيل المعارك الفكرية التى خاضها العميد وربطها بإنجازاته الفكرية والإبداعية وبالحراك السياسى المحيط بها، مثلما فعل الناقد الكبير الدكتور صبرى حافظ فى كتابه الجديد "طه حسين.. الإنسان والمشروع". ولعله من الطبيعى أن نصادف فى هذا الكتاب ما لم نصادفه فى غيره من الكتب التى تناولت حياة العميد ومعاركه، لأن كاتبه هو الناقد المعروف صاحب "أفق الخطاب النقدي" و"طه حسين.. ذكريات شخصية"، وهو فى الوقت نفسه أحد أنجب تلاميذه فى مدرسة الاستنارة، حيث يعمل اليوم أستاذ اللغة العربية المعاصرة والأدب المقارن فى "كلية الدراسات الشرقية والأفريقية" فى جامعة لندن، ويرأس تحرير مجلة "الكلمة" التى تصدر إلكترونيًا منذ سنوات.

لأن أمثالنا من الذين ولدوا خلال النصف الثانى من القرن العشرين واستفادوا من أحد أعظم إنجازات هذا الرجل، وأقصد قانون "مجانية التعليم  الثانوي"، ذلك القانون الذى سنّه طه حسين العام 1951 فنحن نشعر أن طه حسين هو جدنا المثقف الوطنى "صاحب الفضل علينا"، لذا نحاول دائمًا أن نفهم ما حدث مع مؤسس العقلانية العربية وأن نتعلم من تجربته، خلال معاركه مع تيار "الإسلامجية" ـ كما سماهم دكتور صبرى  الذين اجتمعوا لأول مرة فى تاريخهم الملوث بالدم تحت راية رفض كتابات العميد، أثناء معركة كتابه "فى الشعر الجاهلي"، حيث إن ما يجمعهم على قلب رجل واحد هو الإحساس الجماعى بالحقد على الذين نالوا قسطًا وافرًا من التعليم الجامعى، نظرًا إلى أن غالبية قادة هذا التيار منذ تأسيسه كانوا ـ للأسف ـ من أنصاف المتعلمين.

عن نفسى لم يسبق لى أن قرأت هذا الربط المدهش بين تأسيس المقولات الأولى للتفكير الإسلامى السلفى المتشدد كرد فعل على اندلاع معركة كتاب "فى الشعر الجاهلى" لطه حسين، ولقد كان علينا أن نفهم وأن نتوقع ـ بأى قدر من الخيال السياسى  أن كتابًا يصدر فى منتصف عقد العشرينيات من القرن العشرين لينسف بطريقة علمية مقنعة جانبًا أصيلًا من التاريخ الثقافى العربى ويضعه ـ فوق ذلك ـ فى سلة المهملات لهو كتاب جدير بأن يعصف بعقول ضعاف التعليم والتقليديين بشكل عام، لقد كان علينا أن نتوقع أن طائفة من غير المتعلمين مدعومين من قوى داخلية وإقليمية سوف تثور ضد هذه الأفكار، وسوف تنظم ثورتها تلك حين تجد لها داعما من أعداء كثيرين ـ متوفِّرين دائما ـ لهذه الأمة.

على الرغم من كثرة ما قرأنا عن أدوار العميد فى الأوساط الجامعية التى ناضل فيها من أجل "استقلال الجامعة" أو فى الحراك الثقافى العام بكتبه التى غيرت مجرى التفكير العربى، كأحد أهم مؤسسى تيار العقلانية، مثل: "مع المتنبى" و"صوت أبى العلاء" و"مع أبى العلاء فى سجنه" و"مستقبل الثقافة فى مصر" وغيرها، إلا أننا لم نكن ندرك حجم المرارة التى فى كلماته بينما يهدى أحد كتبه إلى خصومه التقليديين قائلا: "إلى الذين لا يعملون، ويؤذى نفوسهم أن يعمل الناس، أهدى هذا الكتاب"، ليكون حتى فى خصومته شريفا متعاليا يهدى ثمرات عقله لخصومه الفكريين، الذين صبوا عليه سخائم الغضب وجرجروه إلى المحاكم بسوء نية وانحطاط، وبتشجيع من أطراف سياسية وحزبية وخارجية كثيرة، كانت تعادى العميد وتتربص به ولا تريد لأفكاره أن تنتصر.

شرخ محمد على

يقدم لنا صبرى حافظ هنا سيرة ذاتية فكرية للعميد رابطا بين أفكاره ونضالاته ضد الاستعمار والسلطة السياسية من ناحية، وكتاباته الإبداعية خصوصا السيرة الذاتية من ناحية أخرى، حيث سجَّل وقائع حياته وشهادته على العصر فى "الأيام"، بأجزائها الثلاث، واعتبر حافظ إنجازات العميد ومشاريعه الفكرية والإبداعية المختلفة وحدة واحدة ومشروعا متكامل الجوانب متصل الحلقات، واصفا إياه عن حق بـ "أهم مشاريع النهضة والتحديث وأكثرها تنوعا وعمقا وشمولا".

عن نفسى لا أنسى كيف تأثرت صبيا بـ "الأيام"، هذا النموذج الذى علمنا الصمود فى المحن وهو يقاوم الواقع البائس الذى ولد فيه، فى "عزبة الكيلو" التابعة لمركز "تونة الجبل" فى محافظة المنيا، حيث أصيب صبيا بالعمى، وكان شعورى وقتها أننى وبغض النظر عن بؤس حياتى فهو لن يكون شيئا يذكر بجوار بؤس "الكفيف"، لكننا لم نلاحظ تلك الملاحظة الملهمة التى قدمها الدكتور صبرى حافظ فى كتابه الجديد "طه حسين الإنسان والمشروع"، وهى أن "الأيام" كانت الرد الإبداعى الأول والمباشر من العميد على الذين هاجموا كتابه الشهير "فى الشعر الجاهلى" عام 1926، لقد كتبها بهذه الحرقة وهذه المرارة شاقا طريقا جديدا وملهما لكتابة السير الذاتية فى الأدب العربى لتؤسس نوعا لم يكن موجودا قبله فى هذا الأدب.

لقد أملى طه حسين قصة حياته الجزء الأول من "الأيام" فى صيف عام 1926، حيث اعتاد قضاء قطاع من الصيف عند أهل زوجته "سوزان" فى قرية سافوا العليا فى الريف الفرنسى، أى أنه كان فى عاصمة النور والحرية حينما كان يكتب عن بؤسه فى "عزبة الكيلو" كأنه كان يدوِّن دوافعه وأسباب إصراره وتصميمه على استخدام قوة العقل، تلك القوة التى قادت ولدا فقيرا مكفوف البصر إلى مصارعة الجهل والفقر والمرض حتى وصل وتعلم فى "السوربون" وصار أستاذا فى الجامعة، وليس من الطبيعى ولا من المنطقى ولا من المعقول بعد أن يصل هذا الفقير إلى الحقيقة مطلعا على أحدث وأفضل مناهج التفكير فى العالم أن يتنازل أو يخسر معركةً مع حفنة من السلفيين وأنصاف المتعلمين.

وعلى الرغم من أن ثلاثة لقاءات سريعة هى حصيلة لقاءات العميد والشاب صبرى حافظ العام 1972، إلا أن حب التلميذ لأستاذه دفعه إلى هذا التقصى العلمى لخطواته ومعاركه وكتاباته ومواقفه بعد خمسين عاما من رحيله، بعين العالم وثقافة والأكاديمى المرموق، الذى يحاضر منذ خمسين عاما فى أرقى جامعات أوربا والعالم متأسيا بسيرة أستاذه العطرة ومواقفه الوطنية الشجاعة.

ومن بين ما أضافه صبرى حافظ للعقل العربى فى هذا الكتاب أنه فسر لنا أخيرا سبب ذلك الشرخ الثقافى الذى تعانى منه مصرنا الحبيبة، بحيث تظل الأجيال غارقة فى أسئلة وجودية لا تنتهى مثل "صراع القديم والجديد" وصراع "الأصالة والمعاصرة"، كأنه نوع من الاضطراب الثقافى "ثنائى القطب" قطب لا يميل إلا إلى "الأصالة" وآخر لا يحيد عن "المعاصرة"، محاولا فهم ذلك "الشرخ الثقافى" المــدمر الــذى نُكبت به مسيرة الاستنارة العقلية العربية من وجهة نظره، وتقول الأطروحة التـــى يفسر بهــا حـــافـظ سبب هــذا الشــرخ اللعين:

إن أحد أسباب تعثر ثقافتنا العربية فى تحقيق نهضتها المأمولة هو تلك الشروخ ـ التى تصل فى كثير من الأحيان حد الصدوع ـ التى عانت ثقافتنا منها منذ بدأ محمد على باشا مطلع القرن التاسع عشر مشروعه التحديثى الكبير. فقد شق الباشا صفّ منظومة التعليم ـ أهم المؤسسات التى تصوغ رؤية أى مجتمع للعالم ـ بتركه التعليم الأزهرى ومؤسساته على حالها دون تطوير، وأنشأ نظام تعليم موازيا، عماده المدارس العليا التى أسسها وفق النظام الفرنسى: كمدرسة الطب ومدرسة المهندسخانة وغيرهما "، مشيرا إلى ما يسميه "صراع على رأس المال الثقافى الرمزي"، والذى استمر طوال قرن من الزمان تنازعت فيه قوى التقليد والتجديد، فى دورة جهنمية لم تتوقف حتى الآن.

ساعاتى وكاتب محكمة

قلنا من قبل إن جماعة أنصاف المتعلمين من "الإسلامجية" قد تشكلت عقب إعلان براءة طه حسين وكتابه من النيابة العامة العام 1927، حيث قدم محمد نور وكيل النائب العام وقتها مرافعة عظيمة ـ أعاد كاتبنا الكبير خيرى شلبى ابن مجلة "الإذاعة والتليفزيون" نشرها فى كتاب "محاكمة طه حسين" ـ فما كان من هذه الجماعة إلا أن تشكلت تحت راية "نصف متعلم" آخر هو حسن البنا الساعاتى لتأسيس تنظيم "الإخوان المسلمين" عام 1928 بدعم من المخابرات البريطانية، وفق شهادة الدكتور صبرى وشهادات كثيرين غيره بكل تأكيد.

لقد كانت صدمة التيار السلفى فى كتاب العميد واسعة التأثير، وذلك لأن أحدا من المهاجمين لم يناقش الرجل مناقشة علمية صحيحة بل اكتفوا بالسباب والسخائم واعتبروا ذلك نصرة للدين، ويبدو أن افتقادهم للحجة التى يردون بها على العميد زاد من طاقة العنف داخلهم، فهم لم يكونوا قادرين على تفنيد الأسس العلمية التى بنى عليها العميد فكرة كتابه "فى الشعر الجاهلى"، حيث اعتبر فيه كثيرا من شعرنا العربى القديم "شعر العصر الجاهلى" منتحلا وموضوعا، و"أن كل ما يروى عن عاد وثمود وطسم وجُديس وجُرهم والعماليق موضوع لا أصل له.. وكل ما يروى من أيام العرب وحروبها وخصوماتها وما يتصل بذلك من الشعر خليق أن يكون موضوعا"، وأن رواة مسلمين قاموا بوضعه فى مرحلة "صدر الإسلام" لأسباب تتعلق بأسس بناء الدولة من وجهة نظر القائمين عليها وقتها. 

وفق شهادة دكتور حافظ فقد كتب العميد الجزء الأول من "الأيام" وفى حلقه مرارة من السلفيين، بعد أسابيع قليلة من صدور كتابه الأهم "فى الشعر الجاهلى"، وقبل تبرئته من قبل النيابة، حيث تم تلفيق اتهامات كالها له كاتب فى "محكمة طنطا" ـ حاصل على "الشهادة الابتدائية" كان يكتب الشعر التقليدى، اسمه مصطفى صادق الرافعى، الذى اعترف سكرتيره الخاص محمد سعيد العريان أن الرافعى كتب ثلاث مقالات مقذعة فى الهجوم على كتاب طه حسين حتى من قبل أن يقرأه!!. قبل أن يجمع هذه المقالات ويضم إليها شتائم ومقالات لمهاجمين آخرين فى كتاب بعنوان: "تحت راية القرآن"!!

أما أخطر ما فى "طه حسين الإنسان والمشروع" فهو الإشارة الصريحة إلى أن شخصية مهمة فى المملكة العربية السعودية شاركت، فى ذلك الوقت البعيد، فى دفع أحد أهم تلاميذ الرافعى للهجوم على طه حسين، وهو الباحث والمحقق التراثى محمود محمد شاكر، وهما من بين أكثر مهاجمى العميد من حيث السخائم والشتائم، على حد تعبير الدكتور صبرى، على الرغم من أن شاكر غادر تعليمه الجامعى وعاش بقية عمره بالبكالوريا "الثانوية العامة"، وبالتالى كان يكن حقدا عميقا لشخص العميد، ويورد الدكتور صبرى شهادة من كتابات شاكر نفسه يعترف فيها بفضائل ونعم وعطايا الأمير نايف بن عبدالعزيز آل سعود عليه.

 	 محمود خيرالله

محمود خيرالله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

سامح الجباس: أعدت خطب طه حسين للحياة بعد 70 سنة
د. نسمة يوسف إدريس تتحدث عن أمير القصة القصيرة
طه حسين
الناقد أيمن بكر يقرأ ملامح التجربـة المعرفية فى «هوامش العميد»

المزيد من ثقافة

طريقة لفتح المجاري المسدودة في المنزل بخطوات سهلة وآمنة

انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...

قصة مصورة - لابس فانوس

ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...

الإرادة.. معجزة الإنسان

يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...

حكايات الشيخ محمد عمران مع عبد الوهاب والنقشبندى والحاجة أم على

ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...


مقالات

إدارة المفاجأة… حين يصبح الزمن سلاحا
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 02:21 م
منزل زينب خاتون
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 09:00 ص
القراصيا في طبق من ذهب
  • الخميس، 26 فبراير 2026 06:00 م
رمضانيات مصرِية .. السر في التفاصيل ..!
  • الخميس، 26 فبراير 2026 03:12 م
"أول مهنة عرفها الإنسان ! "
  • الخميس، 26 فبراير 2026 01:00 م