«مطاردة» فايزة أحمد و«صدمة» عماد حمدى و«سقطة» أنيس منصورتنبه «حليم» فى وقت مبكر إلى موهبة بهاء ونبوغه وعقله المتوهج الذى يسبق سنه/ العندليب الأسمر اتصل بنزار قبانى مرتين يطلب تغيير كلمات قارئة الفنجان
ما الذى جرى حتى يجد أحمد بهاء الدين نفسه يشارك صديقه كمال الطويل في مطاردة المطربة الصاعدة فايزة أحمد ليلًا فى شوارع منيل الروضة لإقناعها بالعودة لمواصلة الغناء؟
ولماذا ابتسم عماد حمدي عندما دخل السينما لمشاهدة فيلمه الجديد "ثرثرة فوق النيل" رغم أن مخرجه وضع اسمه في الترتيب السادس بين أبطال الفيلم؟
وما هي المرة التي خانت فيها الذاكرة أنيس منصور، وكشف موسى صبري عن "كذب" الإجابة التي قدمها أنيس عن بداياته مع الصحافة؟
الإجابات في هذه الحكايات!
(1)
أحمد بهاء الدين يطارد فايزة أحمد فى الشارع!
فى هذا اليوم البعيد، همس الملحن الشاب الصاعد كمال الطويل فى أذن صديقه الكاتب الشاب الواعد أحمد بهاء الدين:
- اوعى تتأخر الليلة.. عايز أسمَّعك صوت جديد مدهش ..مطربة سورية أتصور أنها ح تبقى نجمة الفترة الجاية!
وقتها كان كمال الطويل وأحمد بهاء الدين ومعهما صديقهما المشترك المطرب الصاعد عبد الحليم حافظ لا يفترقون، وكان الطويل وحليم لا يمر يوم دون أن يمرا على بهاء فى مكتبه بروزا اليوسف، يتناقشون معا، ويأكلون معا، ويذهبون إلى السينما معا، ويعودون إلى بيوتهم معا، وكان الثلاثة متقاربون فى السكن وعلى خط واحد، فإذا ما كانت ظروفهم المالية تسمح بركوب تاكسى، فإنه كان يوصل حليم أولا إلى المنيل، ثم الطويل فى منيل الروضة، وأخيرا بهاء وكان يسكن قريبا من ميدان الجيزة.
أما السهرة فهى غالبا فى بيت كمال الطويل، وكانت غالبا ما ينضم إليها أصدقاؤهم من الصحفيين والفنانين، يتناقشون ويغنون ويحلمون ويتبادلون آخر الأخبار.
وفى تلك الليلة جلس الحاضرون يستمعون فى إنصات وإعجاب إلى المطربة السورية القادمة للتو من دمشق.. كان صوتها ساحرا ومتفردا وله شخصية ولا تقلد أحدا، وأمام التشجيع توهج صوتها وتسلطنت، وفجأة دخل عبد الحليم ومعه بعض الأصدقاء، ولم ينتبهوا إلى جلسة السماع، وتقدم أحدهم باسطوانة يحملها بيده وعليها أغنية جديدة وطلب من الحاضرين سماعها معهم دون أن يلحظ أنه قطع غناء فايزة أحمد!
وشعرت فايزة بالغيظ والإهانة، وتصورت أنها حركة متعمدة ومقصودة، وكانت فايزة شديدة الاعتداد بنفسها وصوتها وكرامتها وسريعة الغضب، ورغم أنها كانت مطربة مغمورة لم تحقق أى نصيب من الشهرة فى مصر، فإنها قررت وبلا تردد أن تثور، وقامت غاضبة وهى تنوى الانسحاب من الجلسة.
حاول كمال الطويل بصفته صاحب الضيافة أن يهدئها، وأن يشرح لها أن الأمر غير مقصود، ولا أحد تعمد إهانتها أو قطع غنائها، لكنها لم تنتظر وكأنها لم تسمع شيئا وانطلقت كالقذيفة من باب الشقة ووصلت خلال ثوان إلى الشارع!
وبدا الموقف غريبا حين بدأ كمال الطويل ومعه بعض الحاضرين يجرون خلف فايزة أحمد فى شوارع الروضة، وحاولوا أن يعتذروا بشتى الطرق ويقنعوها بالعودة لاستكمال السهرة، ومن شارع لشارع، والمفاوضات مستمرة سيرا، وركبت فايزة رأسها، ورأت أن الاعتذار غير مقبول لأن الموقف مس كرامتها، وأصرت على الانسحاب! ورغم ذلك لم تتأثر علاقة حليم بكمال الطويل بعد هذا الموقف، وظلت علاقة الأصدقاء الثلاثة وطيدة.
وكان أحمد بهاء الدين هو مستشارهما الغنائي، وبحكم الصداقة كان يسمع ألحان الطويل وغيره من الملحنين لحليم قبل أن تصل للجمهور، كان حليم يثق فى ذوق بهاء، ويجرب فيه ألحان أغانيه الجديدة قبل إذاعتها.. إنه مستمعه الأول ومستشاره الموسيقى وصديقه المخلص.
كان الأصدقاء الثلاثة تجمعهم الموهبة والحلم والطموح.. كانوا فى بدايات الطريق، وأول سلالم المجد.
تنبه حليم فى وقت مبكر إلى موهبة بهاء ونبوغه وعقله المتوهج الذى يسبق سنه.. كان يثق فى رأيه ووجهة نظره ورؤيته للأمور.. صحيح أن علاقة حليم بإحسان عبد القدوس هى التى ذاعت وشاعت، بل إن صداقة حليم ببهاء بدأت من خلال تردده على إحسان، فقد كان إحسان يومها اسما لامعا ونجما ساطعا، لكن صداقة حليم وبهاء كانت مختلفة ومتفردة.. ورغم خجل بهاء وعزوفه عن الأضواء ولكنه كان الصديق المخلص لكثيرين من نجوم الفن الإبداع، وتأثيره عليهم كان عميقا ونافذا.. فلك أن تعرف مثلا أنه كان من أقرب أصدقاء فاتن حمامة وعبد الوهاب ويوسف إدريس.
أما توفيق الحكيم فقد اختاره ليكتب مقدمة كتابه "تأملات فى السياسة"، ورغم أن بهاء يومها كان مجرد كاتب ناشئ، فى حين كان الحكيم هو نجم نجوم الكتابة فى مصر، لكنه أدرك أنه أمام كاتب عملاق ولو كان فى العشرينيات من عمره.
وهكذا ظل بهاء يلعب دور الصديق المخلص والمستشار السرى لنجوم الفن والإبداع، حتى لو اضطره ذلك لأن يجرى وراء فايزة أحمد فى شوارع منيل الروضة!
(2)
عماد حمدى.. يكسب !
عندما جلس الفنان الكبير عماد حمدى ليوقع على عقد مشاركته فى بطولة فيلم "ثرثرة فوق النيل" عام 1971، سأله مخرج الفيلم حسين كمال عن طلباته لترتيب اسمه على أفيش الفيلم، فرد عماد حمدى بطريقته الهادئة وابتسامته الودودة:
- ماليش طلبات ولا شروط.. اللى تشوفه يا أستاذ!
تصور حسين كمال لحظتها أن عماد حمدى يرد له جميله بعد معركة طاحنة مع منتج الفيلم جمال الليثى، حيث أصر المنتج على ترشيح محمود مرسى لدور "أنيس زكى" الموظف المسطول الذى لا يفيق من جلسات الحشيش الليلية فى العوامة النيلية مع شلة الأنس والفرفشة من أصدقاء صاحبها الممثل المخضرم رجب القاضى، وكان الليثى بعقلية المنتج يريد أن يستثمر النجاح المدوى الذى حققه محمود مرسى وقتها فى دور عتريس بفيلم "شيء من الخوف"، ولكن حسين كمال برؤية المخرج أحس أن عماد حمدى هو الأنسب للدور، لذلك تمسك به، بل هدد بالانسحاب من الفيلم إذا لم يُسند دور أنيس زكى إلى عماد حمدى.. لكن عماد حمدى لم تكن فى ذهنه هذه المعركة حين أعلن للمخرج أنه ليس له طلبات فى ترتيب اسمه على الأفيش، كان يقولها صادقا وقانعا، ولكنه لم يتصور أن يتراجع اسمه على الأفيش إلى الترتيب السادس بعد أحمد رمزى وماجدة الخطيب وسهير رمزى وميرفت أمين وعادل أدهم.
ولا شك أن عماد حمدى شعر بصدمة عندما ذهب لمشاهدة الفيلم لأول مرة فى سينما "ريفولي"، لكنه سرعان ما استعاد ثقته بنفسه وبموهبته وبمبدأه الذى لم يتخل عنه أبدا، وهو أن جمهور السينما هو من يرتب الأفيش وليس المخرج، وأن وجود اسم النجم فى الصدارة هو مسئولية وورطة إذا لم يؤد دوره كما يجب، لأنه فى حال فشل الفيلم سيكون هو أول من توجه له السهام.. وجلس عماد حمدى فى هدوء وسط الجمهور يتفرج معه على "ثرثرة فوق النيل" ويتابع ردود أفعالهم وتعليقاتهم على كل مشهد، وكادت دموعه تنزل من الفرح عندما خرج الجمهور من القاعة ولا حديث لهم إلا أنيس زكى.. الشخصية التى أداها ببراعة، وأيقن لحظتها أنه كسب الرهان، وأن حكم الجمهور وترتيبه هو الأبقى والأصح.. وخرج بعدها ليقول: العبرة بالدور وليس بترتيب الأسماء، بل لا أرى لترتيب الأسماء قيمة بالنسبة لفنان يمثل دورا لا يتعدى خمس دقائق ويخرج الجمهور ولا يتذكر غيره، وهذا هو النجاح الحقيقى.
المدهش أن دور أنيس زكى بأداء عماد حمدى أصبح أهم أسباب نجاح الفيلم، الذى أصبح واحدا من أهم مائة فيلم فى تاريخ السينما المصرية فى كل الاستفتاءات المعتبرة.
وظل عماد حمدى على قناعته التامة بأن الأفيش لا يصنع نجما ولا يكتب تاريخا، بل وصلت به الثقة العمياء فى تلك القناعة أنه فاجئ المخرج فى أحد أفلامه وطلب منه بإصرار ألا يضع اسمه فى تترات الفيلم، رغم دوره الرئيسى والمحورى، ولما سئل عن هذا الجنون، أجاب بنفس طريقته الهادئة وابتسامته الودودة: كنت على ثقة بأن الجماهير هى التى ستحكم على أبطال الفيلم وليس ترتيب الأسماء الذى يحكمه كثيرا من الأحيان أمور غير فنية!
ومن جديد يكسب عماد حمدى الرهان فى فيلم "المذنبون " (عام 1975) ، فقد سبقه على الأفيش أسماء سهير رمزى وحسين فهمى وصلاح ذو الفقار وزبيدة ثروت وعمر الحريرى وعادل أدهم، ولكن عماد حمدى بدور الناظر "أليف البحراوي" فاز بجائزة التمثيل فى مهرجان دولى.
الدرس المستفاد: أن يتصدر اسمك الأفيش لا يعنى أنك نجم الفيلم وبطله ..وإذا كان لديك أى شك يمكنك أن تسأل عماد حمدى!
(3)
الذاكرة تخون أنيس منصور!
سئل الأستاذ أنيس منصور: كيف بدأت العمل فى الصحافة؟، أجاب: من الصفحة الأخيرة، بدأت حياتى الصحفية فى الصفحة الأخيرة ولا أزال فى الصفحة الأخيرة حتى اليوم (2010)، وعندما أكتب فى الجرائد المختلفة فإننى أفضل الكتابة فى الصفحة الأخيرة.
ورغم ذاكرة أنيس منصور الحديدية التى تستدعى بحيوية فائقة تفاصيل مر عليها ما يزيد على ستين سنة، كذكرياته عن كُتاب قريته "نوب طريف" بمركز السنبلاوين (محافظة الدقهلية) ومهمته اليومية التى كلفه بها شيخ الكتاب الأعمى، وهى أن يحرس عشة الفراخ، ويراقب فراخ سيدنا هل باضت أم لا، ويحمل البيض إلى زوجة سيدنا، وقصة الفرخة التى هربت منه، فجرى وراءها فى شوارع القرية وهو يبكى خوفا من عصا سيدنا وعقابه، وتصادف أن مر غفير القرية، فصعب عليه حال الطفل ودموعه، وساعده فى مطاردة الدجاجة الهاربة والإمساك بها وإعادتها إلى العشة!
نقول رغم تلك الذاكرة الحديدية فإنه يبدو أن عطبا أصابها وهو يحكى عن بداياته الصحفية، فلم تكن من الصفحة الأخيرة كما قال، ولم تكن فى شكل مقال كما ذكر، بل كانت البداية مختلفة، وسقطت تفاصيلها من ذاكرته، سهوا أو عمدا لا يهم، فالأهم أن هناك شاهد عيان لم تتسرب التفاصيل من ذاكرته، وعاش ليكتب عن بداية أنيس التى لم تكن من الصفحة الأخيرة.
شاهد العيان كان مسئولا عن تحرير صفحة أدبية يومية فى جريدة "الأساس" التى كان يصدرها حزب السعديين ويرأس تحريرها حامد جودة، الذى حاول إيجاد حلول لضعف توزيع الجريدة كان من بينها تعيين محررين جدد من الحاصلين على شهادة جامعية، ومن بينها شن حملات صحفية عنيفة على شخصيات شهيرة مثل رئيس الحكومة النقراشى باشا والمليونير أحمد عبود وكريم ثابت المستشار الصحفى للملك فاروق، ومن بينها تخصيص صفحة للأدب والثقافة.. المسئول عن الصفحة الأدبية اليومية فى الأساس كتب يقول بنص كلماته: كانت أسرة الصفحة الأدبية تتكون من الفنان عبد السلام الشريف والخطاط محمود إبراهيم ومنى.. كنت أقدم الموضوعات للشريف الذى يرسم بريشته البارعة اللوحات المناسبة للقصة أو الموضوع الأدبى، وكان محمود إبراهيم يكتب العناوين.. وكانت حجرتنا فى الدور الرابع.. وذات يوم (من العام 1947) دخل علينا شاب نحيل، أبيض البشرة، متعثر الخطوات، يكسوه الحياء والخجل، وسأل عنى هذا الشاب، فدعوته للجلوس، وقال إن لديه قصة مترجمة يريد أن يقدمها، فرحبت به وطلبت منه القصة، وإذا بى أقرأ فى عنوانها أنها مترجمة عن الألمانية.. وسألته فى دهشة: هل تعرف اللغة الألمانية، فأجاب: نعم، ولم أصدقه، فلم أعهد حتى ذلك الوقت، بل حتى الآن شابا يشتغل بالصحافة ويجيد اللغة الألمانية حتى يترجم أدبها، ولكنى قرأت القصة، فهزنى أسلوب رومانسى ذاخر بالعاطفة مفعم بالأحاسيس.. ونشرت القصة، وزاد تردد الشاب الخجول على حجرتنا.. وكان اسمه أنيس منـــــصور ".. أما المسئول عن الصفحة الأدبية وصاحب هذه السطور فاسمه موسى صبرى..!
إن موسى صبرى يشهد ويحكى أن أنيس منصور بدأ النشر فى الصحافة مترجما فى الصفحة الأدبية، وليس كاتبا فى الصفحة الأخيرة.
فلا تصدق أصحاب الذاكرة الحديدية ..على بياض!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
"هل هذا طبيعي؟" – هذا السؤال الذي تهمسه كل امرأة لنفسها مرة واحدة على الأقل في حياتها، غالبًا بعد ملاحظة...
السفر في جوهره هو الفرصة الأثمن لاستعادة ذاتك التي استنزفها ضجيج الحياة اليومية، ومنصة فلاي إن صُممت لتكون رفيقك الموثوق...
مع تعاظم الحاجة للتحول الرقمي في إدارة الأعمال بالسعودية، أصبح اختيار نظام محاسبي سحابي متكامل (ERP) مسألة حيوية للشركات المتوسطة....
لا يستطيع الرجل أن يترك صلاة الفجر، يتسحر ويخرج فوراً إلى المسجد، ليعيش الأجواء الروحانية لبداية يوم رمضاني جديد من...