عباسية فرغلى.. أول سيدة حصلت على رخصة قيادة السيارة منذ مائة عام

هذه الفتاة التى حملت اسم "عباسية أحمد فرغلى" من عائلة عربية صعيدية، عاشت فى "أبوتيج"

 و"الإسكندرية" وفرنسا وبريطانيا وتعلمت تعليما راقيا فى مدارس الجيزويت وكلية فيكتوريا، وتعلمت قيادة السيارة وحازت رخصتى قيادة، من حكومة فرنسا فى العام 1920 ومن حكومة مصر فى العام  1928، وعائلتها من العائلات الرأسمالية الوطنية التى خاضت حرب الاقتصاد فى مواجهة الاحتكارات الأجنبية فى زمن كان فيه المصريون غرباء فى بلادهم لا يملكون حقوقهم ويحاربون جيش الاحتلال البريطانى وجيوش اللصوص القادمين من بلدان أوروبا لنهب ثروات الشعب المصرى وغيره من شعوب الشرق.

مفتاح قصة حياة "عباسية أحمد فرغلى" مكون من ثلاث كلمات هى "الصعيد" و"الإسكندرية" و"القطن"، وسوف نبدأ من الصعيد، بالتحديد من "أسيوط"، فهذه المحافظة العريقة المهمة، تقع فى قلب الجنوب، لكن التقسيم الإدارى الحكومى يعتبرها واحدة من مدن شمال الصعيد، والحقيقة أن شمال الصعيد يضم محافظات الجيزة وبنى سويف والفيوم والمنيا، والجيزة هنا نقصد بها البلاد التابعة لهذه المحافظة التى دخلت عاصمتها ضمن إقليم القاهرة الكبرى المكون من "القاهرة والجيزة والقليوبية"، لكن المراكز والقرى التابعة للجيزة تحمل ثقافتى مصر الوسطى أو شمال الصعيد، ثقافة الفلاحين، وثقافة العربان، وهما ثقافتان متجاورتان منذ مئات السنين، بالتحديد منذ الفتح العربى الإسلامى لمصر فى زمن الخليفة الراشد "عمر بن الخطاب"، وفى "أسيوط" تتجاور الثقافتان، تجد فى "القوصية " و"منفلوط" النجوع البدوية، مازالت حاملة التراث البدوى الصريح، وتجد بقية المراكز "أبوتيج وصدفا والغنايم والبدارى وساحل سيلين المشهورة عند العامة باسم ساحل سليم" حاوية الثقافة الفلاحية والبدوية، رغم أن البدو فى هذه المناطق يزرعون الأرض ويحيون حياة الفلاحة، لكن الثقافة المركزية التى تشكل العادات والسلوك مازالت "بدوية" متمثلة فى عشق الخيل والسلاح والثأر وهيمنة الذكر على الأنثى، والفخر بالأنساب والتباهى بالقبائل والترابط الاجتماعى القائم على وحدة الجد ووحدة القبيلة، وفى "أبوتيج" تمثيل حى لهذه الثقافة ـ البدوية الفلاحية ـ والشق البدوى فيها هو الأوضح والأقوى، وتمتاز "أبوتيج" بأنها مدينة عريقة، يرجع تاريخها إلى الأسر الفرعونية المصرية القديمة، ومنذ العصر المملوكى اكتسبت مكانة دينية إلى جانب مكانتها التجارية والزراعية المهمة التى استمدتها من وقوعها على نهر النيل، والمكانة الدينية منحها لها ولى الله الطاهر "الأستاذ الفرغل" وهو من "بنى سميع" وتربطه القرابة الدموية بالولى الطاهر"أبوالحجاج الأقصرى" وهما من "آل البيت" الأطهار، و"آل البيت" لهم حضور كبير فى هذه المنطقة من الصعيد، ولكن "الفرغل" حمل لقب "سلطان الصعيد" وله تراث مروى فى الكتب الصوفية ويحفظه المنصوفون فى قلوبهم، ومدينة "أبوتيج" بحكم الموقع، وحكم النشاط الزراعى، نشأت فيها طبقة من تجار الحبوب منذ مئات السنين، فالقمح والعدس والفول والذرة يزرعه الفلاحون ويبيعونه للتجار ويحمله التجار فى مراكب شراعية إلى "القاهرة" ويبيعونه، ولما ظهر "القطن" أضاف التجار إلى نشاطهم،  تجارة القطن، يشترونه من الفلاحين ويبيعونه للتجار الأجانب الذين يقومون بتصديره إلى بريطانيا وفرنسا وغيرهما من الدول، وكانت عائلة "فرغلى" التى تنتمى إليها "عباسية أحمد فرغلى" من العائلات التى تحترف التجارة وتمتلك المال والنفوذ الأدبى فى "أبوتيج" واستقر منها فرع فى مدينة "الإسكندرية" فى زمن كانت فيه الجاليات الأجنبية تعيش فى المدينة الساحلية وتصبغها بصبغة أوروبية خالصة، وهو الأمر الذى جعل التجار والأغنياء المصريين المخالطين لهؤلاء الأوربيين يكتسبون عادات متحضرة منها "تعليم البنات" وتمكينهن من أدوات الحياة وعدم فرض الثقافة البدوية عليهن، وهذا المناخ المتحرر جعل "آل فرغلى" ـ العربان ـ لا يجدون حرجا فى إلحاق بناتهم بمدارس "الجيزويت" و"الفرير" وغيرها من المدارس التى تدرس علومها باللغات الأوربية، وكان من نصيب "عباسية" اللحاق بمدارس الجيزويت الفرنسية، ومعها شقيقها "محمد أحمد فرغلى" الذى أصبح رائد التحول الاقتصادى فى تاريخ "آل فرغلى" تجار الحبوب.

 صعيدية فى الإسكندرية

رغم أن "عباسية أحمد فرغلى" ولدت فى "أبوتيج" وعاشت سنوات من حياتها فى هذه المدينة الصعيدية، إلا أنها درست فى مدارس الجيزويت بالإسكندرية، وواصلت دراستها فى كلية فيكتوريا وكان معها أخوها "محمد" الذى غامر فنقل نشاط العائلة من تجارة الحبوب إلى تصدير القطن المصرى، ولم تكن مغامرته على مستوى التجارة والمال والاقتصاد وحده بل  كانت على مستوى الثقافة، فسافر إلى فرنسا وبريطانيا وقرر أن يواصل دراساته فى معاهد علمية متخصصة فى الاقتصاد والمال، وكانت "عباسية" معه فى هذه الرحلات، وفى فرنسا  تعلمت قيادة السيارة، ولعل القارئ العزيز يعتقد أن "االسيارات" التى ملأت حيواتنا وأصبحت أعدادها تقدر بالملايين، كان ظهورها سهلا، والعكس هو الصحيح، فالذى حدث أن مصر عرفت السيارة لأول مرة فى نهايات القرن التاسع عشر "عصر الخديو توفيق"، وكانت فى القصر الخديوى أعداد قليلة من السيارات، وكان الاعتماد فى النقل والحركة فى القاهرة يعتمد على العربات التى تجرها الخيول، وكانت شركة "سوارس" تقوم بما تقوم به "هيئة النقل العام" بالقاهرة فى وقتنا الحالى، لها عربات تطوف فى المدينة ـ القاهرة ـ وكل عربة لها خيول تجرها وسائق يقودها وكل عربة لها خط سير محدد، ومع ظهور صناعة السيارات وتطورها، وصلت منها أعداد قليلة إلى العائلات الغنية التى تعيش فى القاهرة والإسكندرية وغيرها من المدن المهمة فى الدلتا والصعيد، وكان "آل فرغلى" ضمن العائلات الغنية التى اقتنت "السيارة" واعتمدت عليها فى أسفارها، وكانت "عباسية" تركب السيارة وتعجبها السرعة وتنتشى بالرحلة اليومية داخل هذه العلبة الحديدية المدهشة، وقررت أن تتعلم قيادة "السيارة" ولكن المجتمع المصرى لم يكن مهيئا لخطوة متمردة مثل هذه الخطوة، وكان الحل السحرى فى "باريس"، وسافرت "عباسية" مع شقيقها  إلى فرنسا وفى باريس تعلمت القيادة، ومنحتها الحكومة الفرنسية رخصة قيادة فى "24 يوليو 1920"، وفى القاهرة، كانت "عباسية" على موعد مع القدر مرة ثانية، فكانت أول امرأة تحصل على رخصة قيادة "سيارة" من الحكومة المصرية فى العام 1928.

 تاريخ ملك القطن

ليس المقصود هنا التأريخ لحياة "عباسية أحمد فرغلى" وحدها، فهى "ثمرة " كفاح عائلتها الوطنية، التى استجابت للحضارة فمنحت ابنتها حق التعليم وحق السفر وحق المغامرة، فى زمن كانت فيه المرأة المصرية تخوض معركة الاستقلال عن الرجل وحرب الاستقلال الوطنية، فكانت "هدى شعراوى" وزميلات كفاحها فى مواجهة المحافظين الذكوريين وتشاء الأقدار أن تجعل حلم "الحرية" يولد فى قلب امرأة بدوية، هى "هدى محمد سلطان" المشهورة "هدى شعراوى"، وكذلك كانت "عباسية" من أصول بدوية، لكنها ولدت فى سياق عائلة واثقة فى بناتها وسيداتها وهى ثقة نابعة من قوة الشخصية العربية التى تربى الفتيات على الخلق الإسلامى، وتتولى عملية التربية "الأم" المؤمنة بالرسالة التربوية العربية الإسلامية التى يمكن تلخيصها فى عبارة "لا إفراط ولا تفريط" و"خير الأمور أوسطها"، فالاعتدال فى كل شىء هو القانون التربوى العربى الإسلامى، ولعل ـ القارئ ـ الذى يطالع صورة "عباسية" المنشورة هنا، يتنبه للزى الذى ترتديه، فهو زى احتشام لا بهرجة  فيه، وكذلك كانت نساء وفتيات الطبقة الغنية المصرية فى عشرينات القرن الماضى، ومن المهم هنا معرفة ما جرى للعائلة التى تنتمى إليها "عباسية أحمد فرغلى"، وكان الأخ المغامر "محمد أحمد فرغلى" أول من أقنع والده تاجر الحبوب بخوض مجال تصدير القطن المصرى إلى أوربا، ووافق والده ومنحه الفرصة، وغامر وفشلت المغامرة وخسر من ماله الكثير لكنه تعلم دروسا نفعته طوال سنوات عمله فى تجارة الأقطان وتصديرها، ففى خلال عشر سنوات أصبح نصيبه من هذه التجارة يعادل خمسة عشر بالمائة، وكانت الشركات الأجنبية تحتكر هذا النشاط وحدها، وفى العام 1935 انتخب "محمد أحمد فرغلى" وكيلا لبورصة "مينا البصل" بالاسكندرية، ودعاه "الملك فؤاد" للقائه فى القصر الملكى ومنحه لقب "بك" فأصبح اسمه "محمد بك أحمد فرغلى" وفى العام 1941 حاز رتبة "الباشا"، وتوالى نجاحه وصعوده المالى فأصبح من كبار المساهمين فى عدة شركات وعضوا فى مجالس إدارات شركات كبرى ومؤسسات اقتصادية فأصبح لدى الناس يحمل لقب "ملك القطن"، حتى العام 1949، وهو العام الذى كان عام أزمة  مالية مر بها "ملك القطن" وفى العام 1950 تفاقمت الأزمة بينه وبين حكومة الوفد التى ألغت تعاقدات تخصه، ولكن جاء حريق القاهرة فى 26 يناير 1952 ليزيح حكومة الوفد من الحكم وينقذ ملك القطن فرغلى باشا" من الخسارة الفادحة التى كان ينتظرها بين لحظة وأخرى، وجاءت ثورة 23 يوليو 1952 وفرح بها "ملك القطن" ولكنه لم يهنأ كثيرا بالتحول الذى شهدته البلاد، فقد أممت الحكومة شركاته وعقاراته وانتهى به المطاف موظفا فى مؤسسة القطن براتب قدره مائة جنيه مصرى، وباع قصره فى الإسكندرية لعائلة "البلايلة" وهى عائلة من "كوم العرب" قريتى التى أفخر بالانتساب إليها، و"البلايلة" الذين أقصدهم "آل عبد العال سليمان" وجدهم "بلل" يرتفع نسبه إلى قبيلة "هذيل" حسب ما ذكره "القلقشندى"، وآل عبد العال، اشتروا قصر "فرغلى" منذ ستينات القرن الماضى، ولم يعد أحد يتذكر "آل فرغلى"، حتى الفنانة "حورية فرغلى" اختفت من الساحة الفنية، و"عباسية أحمد فرغلى" نتذكرها كلما تذكرنا الرائدات من سيدات النهضة المصرية وسبحان من يغير ولا يتغير.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

صلاح عبد الصبور.. الفارس النبيل الذى انكسرت أحلامه سريعا

فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى...

نوران خالد: رواياتى ترصد سعى الإنسان نحو الحرية

الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية

ابتلى به الإنسان من بداية الخلق .. الاختيار مسئولية

بدأت فلسفة الاختيار بمناقشة مسألة القدر المحدد بعلم الله مسبقاً ومن هنا ظهرت مذاهب فلسفية كالجبرية والمعتزلة والأشعرية

شخصيات لها تاريخ «99» إدريس السنوسى.. أول وآخر ملك فى المملكة الليبية

تربّى فى الزاوية ودرس العلوم الشرعية وكان يحب مجالس العلماء ويقربهم إليه وامتلك واحدة من أكبر وأهم المكتبات فى العالم...