خناقات الستات.. حكايات وطــرائف وغرائب ومفاجآت

فى نهايات الستينيات، كتب رجاء النقاش رئيس تحرير مجلة "الكواكب" مقالا ينتقد فيه المطربة الكبيرة فايزة أحمد، ويعتب عليها لرفضها

 ظهور أصوات شابة معها فى حفلاتها، ويستغرب من تصرفها ويستعجب من موقفها، وكيف وهى الفنانة الموهوبة والمتحققة واللامعة تمنع مواهب جديدة مثل محمد حمام وليلى نظمى، بدلا من أن تدعمها وتساندها وتساعدها مثلما فعل معها من سبقوها.

(1)

انتظر رجاء النقاش ردا من فايزة أحمد، توضح فيه حقيقة ما حدث، وتوقع أن تنفى وتفند وتنكر وتستنكر مثل تلك الاتهامات التى تسىء إلى اسمها وسمعتها وتاريخها، وكان مستعدا أن ينشر ردها كاملا حتى ولو كذبت كل كلمة فيما نشره عنها.

لكن الذى حدث لم يخطر على بال رجاء النقاش، فلم يصله ردا مكتوبا، بل دخلت عليه فايزة أحمد بنفسها إلى مكتبه ومعها أغرب رد على مقال صحفى!

وقبل أن يرحب بها رئيس التحرير كما يليق بمطربة كبيرة، فإنها انطلقت فى وصلة شتائم لا تليق بسيدة، ولم يخفف منها أنها بصوت فايزة الساحر، ووقف النقاش مصدوما ومأخوذا بالموقف، وتحولت صدمته إلى ذهول عندما ألقت فايزة بنفسها على الأرض، ودخلت فى وصلة من الصراخ المختلط بتشنجات عصبية وطلقات من الألفاظ التى يعاقب عليها القانون.

صرخات وتشنجات جذبت أسماع كل من كان فى المكاتب المجاورة، فتدافعوا لرؤية مصدرها، وسرعان ما امتلأ مكتب رئيس التحرير عن آخره، ووقف الجميع مدهوشا مذهولا، لا يصدق أحد أن صاحبة الصوت البديع التى غنوا معها "العيون الكواحل" و"دوبنى دوب" و"حمال الأسية" و"تمر حنة" و"بتسأل ليه عليا" و"يا أمه القمر ع الباب"، وغيرها من الأغانى البديعة هى نفسها صاحبة هذه الخناقة الفظيعة!

لم تعط فايزة فرصة لأحد للرد أو الاعتراض، وظلت لمدة ساعة كاملة تصرخ وتهاجم وتكيل الاتهامات، وكانت على قناعة كاملة بأنها تتعرض لمؤامرة مدبرة المقصود بها تشويه سمعتها وعرقلة نجاحها وضربها لحساب منافساتها.

حاول النقاش أن يرد ويوضح أنه لا يحمل لها إلا كل محبة وتقدير، وكل ما فى الأمر أن تلك المواهب الجديدة ساهمت المجلة فى تبنيها وتقديمها ودعمها، وكانت تنتظر منها أن تشاركها الوقوف معها لا ضدها.. لكن صوته ضاع ومحاولته فشلت، فقد كانت فايزة فى حالة من الهياج العصبى والغضب الأعمى يصعب معه أن تسمع وتستمع لصوت آخر.

وفى تلك اللحظة العصيبة طرأت فكرة عجيبة على دماغ النقاش، وهى توثيق هذا المشهد النادر، فلن يصدقه أحد إذا حكى له ما حدث، وسيظن أنه محض خيال، فمن يمكنه أن يصدق أن التى غنت "أنا قلبى إليك ميال" بتلك الرقة والعذوبة يمكن أن يصل بها الغضب لكل هذا الصراخ، ولأن تلقى بنفسها على الأرض، وتطلق هذه الألفاظ المضادة للرقة والعذوبة.. بل تقع تحت طائلة قانون العقوبات!

ودار النقاش بعينيه متفرسا فى وجوه الحاضرين الذين احتشدوا فى مكتبه لمتابعة هذا الموقف النادر، ولكنه لم يعثر على ضالته، وكانت ضالته فى تلك اللحظة هو واحد من المصورين الصحفيين الكثر العاملين بدار الهلال، يدخل بكاميرته ليلتقط صورا يوثق بها ذلك المشهد الفريد لخناقة فايزة أحمد الفريدة، لكن أمله خاب، خاصة بعد أن أنهت المطربة الكبيرة هذا الفاصل الطويل من النشاز وحملت حقيبتها وانصرفت فى هدوء وكأن شيئا لم يكن!

وفى العدد التالى من المجلة كتب النقاش مقالا عنيفا عنوانه "مرة أخرى.. متى نتخلص من هذه الأخلاق الفنية الصغيرة"، هاجم فيه فايزة بضراوة، وأعلن فى سطوره أنه لن يخضع لهذا الارهاب الفنى ولن يتراجع عن موقفه، و"إذا كانت الفنانة فايزة أحمد قد جربت من قبل إرهاب الناس بهذا الأسلوب.. فإنى أحب أن أؤكد لها أن الكاتب الشريف صاحب الضمير الفنى لا يمكن أن يرهبه أو يخيفه مثل هذا الأسلوب البعيد عن الموضوعية تماما.. وما أثارته الفنانة من اتهامات شخصية غير موضوعية ضد كاتب هذه السطور وضد زملائه هو أمر يؤكد مرة أخرى خروج هذه الفنانة عن جوهر القضية، ويؤكد أنها تحاول أن تطمس بالوحل قضايا لا يمكن طمسها ولا تزييفها ولا التأثير عليها".

ولم يكتف النقاش بالكلام، بل جاء رده عمليا، فتبنى عبر صفحات المجلة الموهبتين اللتين رفضت فايزة ظهورهما معها فى حفلاتها، فكتب كثيرا عن محمد حمام وبشّر بموهبته حتى غنت مصر كلها معه أغنيته المدوية "يا بيوت السويس"، وأما ليلى نظمى الطالبة بالسنة النهائية فى المعهد العالى للموسيقى العربية فسرعان ما أصبحت واحدة من ألمع مطربات الأغنية الشعبية المصرية، وحققت نجاحات لافتة وشهرة واسعة وصارت الحفلات هى التى تسعى إليها.

المدهش أنه بعد كل تلك المعركة اكتشف رجاء النقاش أن فايزة أحمد من أطيب خلق الله، وأن شخصيتها العصبية والانفعالية تخفى خلفها قلبا غاية فى الطيبة والصفاء والنقاء.. فصارا أصدقاء!

(2)

 عفيفة إسكندر .. فتاة تهزم كل طلاب الجامعة المصرية!

ذات صباح فى بدايات العام الدراسى 1921 /1922 دخلت فتاة رائعة الجمال إلى مكتب أحمد لطفى السيد باشا وكيل الجامعة المصرية (جامعة القاهرة الآن). كان منظر الفتاة فى الجامعة غريبا وغير مألوف، أشبه بوجودها فى معسكر للجيش، أو فى غيره من الأماكن التى تخص الرجال وحدهم.. وقتها.

تصور الباشا أن الورقة التى تحملها الفتاة فى يدها لابد أنها تحمل طلبا يخص قريبا لها من الطلاب منعته ظروفه من الحضور، لكن أستاذ الجيل فوجئ بشىء لم يتوقعه ولا خطر على قلبه، ولم يصدق عينيه وهو يفض سطوره، إن هذه الفتاة الجميلة الجالسة أمامه تطلب موافقته على إلحاقها بالجامعة وحضور المحاضرات!

حينذاك كانت لوائح التعليم الصارمة توقف تعليم البنات عند المرحلة الابتدائية، وكان من الأحداث المدوية التى شهدها المجتمع المصرى وزلزلت أعرافه المستقرة أن اثنتين من بناته ناضلتا حتى حصلتا على شهادة البكالوريا (من منزلهما)، وهكذا ذاع اسم ملك حفنى ناصف ونبوية موسى.. باعتبارهما أول من تحدى التقاليد واللوائح وأكملتا تعليمهما حتى شهادة البكالوريا (الثانوية العامة الآن).

لكن هذه الفتاة الجميلة قررت أن ترفع سقف التحدى إلى منتهاه وتطلب دخول الجامعة رأسا!

شعر أستاذ الجيل ورائد التنوير بتعاطف شديد مع تلك الفتاة وطموحها، وقرر على مسئوليته الشخصية الموافقة على حضورها محاضرات قسمى الآداب والآثار، وهكذا أصبحت عفيفة إسكندر أول طالبة فى الجامعة المصرية.

لم يكن الأمر بهذه السهولة التى نصادفها اليوم، فقد كان وجود طالبة بالجامعة المصرية حدثا جللا، فمنذ افتتاحها فى العام 1908 كانت الدراسة فيها مقصورة على الطلبة وحدهم.

ورغم أنها طالبة واحدة وحيدة إلا أن عفيفة إسكندر وجدت نفسها فى معركة مع كل طلبة الجامعة، فقد نشطوا فى تقديم الشكاوى ضدها إلى المسئولين فى وزارة المعارف وفى الجامعة نفسها، وكانت حجتهم الساذجة أن عفيفة خطر على مستقبلهم الوظيفى، لأنها ستزاحمهم فى الوظائف بعد تخرجها ومعها شهادة عليا!

وتصرف لطفى السيد مع ثورة الطلبة على عفيفة بكثير من الذكاء والحكمة والدهاء، فإذا كانت حجتهم هى الشهادة والوظيفة فليبطلها لهم، وأرسل فى طلب الطالبة الجامعية الوحيدة لتوقع أمامه على إقرار تتعهد فيه أن يقتصر وجودها بالجامعة على حضور المحاضرات، وألا تطالب بعد تخرجها لا بشهادة ولا بوظيفة.. ووقعت عفيفة الإقرار بلا تردد.

وأرادت عفيفة أن تحرج هؤلاء "الذكور" فاجتهدت وتفوقت وكانت الأولى فى كل امتحان، ومتوسط درجاتها 28 من 30، فى حين كانت درجات أذكى الطلاب لا تزيد على 22 درجة.

وبعد سنوات جادة فى الدراسة وهى على أبواب التخرج فوجئت عفيفة بمعركة جديدة، وكانت الخناقة هذه المرة مع الجامعة وإدارتها، بعد صدور اللائحة الجديدة التى تشترط حصول الطالب الجامعى على شهادة البكالوريا.

ماذا تفعل عفيفة؟.. إن لائحة التعليم التى وضعها خبراء الاحتلال الإنجليزى لا تتيح للبنات الالتحاق بمرحلة البكالوريا من الأساس، فكيف تحصل على شهادتها أصلا؟!

ومن جديد ينقذها لطفى السيد باشا، ويقرر أن يستثنى الطالبة عفيفة إسكندر من هذا الشرط، فتواصل بعده دراستها وتفوقها، وتثبت للجميع أنها كانت أهلا لثقة أستاذ الجيل ودعمه لأول طالبة جامعية مصرية.

اجتازت الامتحانات ونالت أعلى الدرجات، ورغم التعهد الذى قطعته على نفسها بأن لا تطلب شهادة ولا تسعى لمزاحمة الطلاب فى وظيفة، إلا أن أستاذ الجيل قرر أن يضرب بهذا التعهد المجحف عرض الحائط ومنحها شهادة تفيد بتخرجها فى قسم الآثار المصرية.

واصلت عفيفة معركتها الطويلة مع التقاليد واللوائح الظالمة والمجحفة للمرأة وحقوقها، وقررت بعد انتهائها من دراستها الجامعية أن تتعلم المزيكا والرسم، وكانت أول فتاة مصرية تشارك فى معارض الرسم فى أوربا.

وكان لابد أن تخوض تجربة الزواج حسب العادات والتقاليد، فتزوجت، لكن زوجها لم يتحمل زوجة مثقفة وفنانة وعلى درجة تفوقه من الوعى والموهبة، فكان الانفصال حتميا.

وعاشت عفيفة على معاش والدها المحامى المرموق، وقضت ما تبقى لها من العمر فى تثقيف نفسها، فى الرسم والموسيقى والقراءة، وترحل فى هدوء لا يتناسب مع حياتها الدرامية الصاخبة، كأول فتاة مصرية تتحدى مجتمعا بقوانيه ولوائحه وتقاليده.. وتدخل الجامعة، لتكون الفتاة الأولى فى الجامعة المصرية!

(3)

 الانتقام على طريقة الحاجة أمينة فتوة الحسينية!

لا أعرف كيف أفلتت الحاجة أمينة من قلم نجيب محفوظ، وهو العاشق للفتوات وعالمهم، فلم يخلدها فى رواياته، وكانت جديرة بهذا الخلود؟

الغريب أنها عاشت فى حى الحسينية، أى كانت قريبة من تلك الحارات الشعبية التى كان محفوظ يعرفها ككف يده، ورغم ذلك لم يحولها إلى شخصية درامية كتلك التى كتب عنها وعاشت فى وجداننا.. وكأنه اكتفى بأمينة واحدة هى زوجة السيد أحمد عبد الجواد، وأسقط الست أمينة الأخرى فتواية الحسينية!

اسمها الحاجة أمينة الشاعرة، ولدت وعاشت فى حى الحسينية، وذاع صيتها فى سنوات الأربعينيات، وكانت مضرب الأمثال فى القوة والشجاعة والجدعنة.

بدأت علاقتها بالفتونة فى لحظة شهامة، فقد رأت رجلا قوى البنية يفترى على شاب من جيرانها، فجثم على صدره وراح يوسعه ضربا وركلا وصفعا رافضا الاستجابة لتوسلات الشاب المسكين أو أهل الحى ممن تدخلوا لإنقاذه.. وبجسارة شديدة وبلا تفكير اتجهت أمينة إلى الرجل المفترى وأنشبت أظافرها فى عنقة وأوسعته ضربا وسط ذهول الجميع وخلصت الشاب المسكين من يده!

منذ تلك الخناقة بدأت رحلة أمينة مع الفتونة، وبدأ فتوات الحسينية يعملون لها ألف حساب، وجمعت حولها عددا من الرجال الأشداء كانت تخوض بهم معاركها لتأديب من يفترى على أهل "حتتها".

وفوجئت الحاجة أمينة مرة بكمين نصبه لها فتوة أحد الأحياء المجاورة، وكانت تركب عربة حنطور بمفردها، فأنزلوها وأحاطوا بها، وأصروا على أن تتوسل لفتوتهم حتى يتركوها، لكنها رفضت بكبرياء شديد أن تتوسل أو تستغيث أو تستنجد بأحد، ورغم أنهم أوسعوها ضربا بحكم العدد إلا أنها تحملت الضربات دون أن تتألم أو تتوجع أو تتوسل.

وقررت الحاجة أمينة أن تنتقم بخطة غاية فى الدهاء على طريقة أفلام السينما، فوضعت كمية من الشوم وأسلحة الخناقات فى "نعش" وغطتها وسار رجالها يحملون النعش وكأنهم فى جنازة حقيقية فى طريقها للمقابر التى تمر من الحى المجاور.

وتصدى لهم فتوة الحى وأصر على ألا يسمح لهم بالمرور إلا بعد أن يخلعوا أحذيتهم كنوع من الإهانة لهم ولفتوتهم الحاجة أمينة.. وتظاهرت الحاجة أمينة بالقبول والاستسلام وطلبت من رجالها أن يخلعوا أحذيتهم ويضعوها فى النعش بجوار الميت كما طلب الفتوة.

وفى الوقت الذى كانت ضحكات الفتوة الساخرة تتعالى تشفيا فى الحاجة أمينة، فإنها أشارت إلى رجالها بعلامة متفق عليها ففتحوا النعش وتناولوا ما فيه من أسلحة وهجموا على الفتوة ورجاله وكوموهم أرضا.. ووقفت الحاجة أمينة تشاهده وهو يتوسل إليها هذه المرة!

كانت الحاجة أمينة مشهورة باقتناء سكين أثرى غالى الثمن لا يفارق طيات ملابسها، تعتبره صولجانها ورمز سيطرتها وتستخدمه فى معاركها، ولما تقدم بها العمر منحته لابنها "توحة" وبايعته خليفة لها فتوة للحسينية واعتزلت "الكار".. لكن اسمها ظل يتردد لأجيال كواحدة من أساطير الفتوات!

 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

رجاء النقاش يفضح جماعات الإرهاب ودعاة الاستبداد الفكرى فى كتابه «إسلام
سيف

المزيد من ثقافة

طريقة لفتح المجاري المسدودة في المنزل بخطوات سهلة وآمنة

انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...

قصة مصورة - لابس فانوس

ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...

الإرادة.. معجزة الإنسان

يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...

حكايات الشيخ محمد عمران مع عبد الوهاب والنقشبندى والحاجة أم على

ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...