صبرى موسى يطبع أول مجموعة قصصية بفلوس الشاعر الكبير

مبكرا، أدرك الصبى الحالم أنه منذور للكتابة، ومن ثم فإن عليه أن يهيئ نفسه لتلك المهمة الثقيلة والمغامرة الصعبة..

ويوفى بالنذر. 

ومبكرا أدرك الفتى الحالم كذلك أن القراءة وحدها لا تكفى ولا تفى بالغرض، وأن عليه لكى يكتب عن الناس أن يكون وسطهم وبينهم، يراقب عالمهم ويتأمل أصنافهم ويعيش حياتهم، إن الحياة هى مادة الفن وروحه ومبتغاه.. وبعد أن ارتوى من تأملاته الطويلة للطبيعة الساحرة على شواطئ رأس البر، ذهب ليتأمل البشر، وكانت متعته الكبرى فى تلك المرحلة أن يجلس بالساعات على مقاهى دمياط يراقب الناس ويتسمع لحواراتهم وقصصهم وتفاصيل حياتهم، ويُخزّن كل ما تقع عليه عيناه فى بئر سحيق بأعماقه، راحت قطراته تتجمع وتتكاثف وتتراكم وتصفو..وتتهيئ للفيضان. وفى جولات المقاهى كان له رفيق لا يفارقه، زميل له فى المدرسة، يأنس بصحبته، قليل الكلام، حلو المعشر، مثله يحب التأمل، وشاءت الأقدار أن تصبح شقيقته هى نفسها زميلته فى رحلة الصحافة والأدب.. الكاتبة الكبيرة فوزية مهران.

(1)

وفى تلك السن الباكرة بدأ صبرى موسى الكتابة القصصية، وراح يراسل كبرى الصحف والمجلات التى تتيح صفحاتها مساحات لنشر إبداعات المبتدئين، ولم يكن الطريق ميسرا رغم تعدد تلك الصحف والصفحات، فقد كانت هناك شروط صعبة للنشر ومعايير قاسية لا يمكن تجاوزها، فضلا عن وجود قامات معتبرة من المبدعين تشرف على الاختيار والنشر، وبينهم من كان شديد التزمت فلم ينشر القصة التى أرسلها له الصبى الحالم وعنوانها "خارجة عن القانون"، فأرسل إليه صبرى موسى رسالة غاضبة يحتج فيها على منع قصته من النشر، ورد عليه محرر الباب فى العدد التالى من مجلة "قصص للجميع" يعطيه أول درس فى حياته: "لو كنت محلك لما سمحت لليأس بأن يتطرق إلى نفسى ..وأذكر أننى كتبت عشرات ومئات المواضيع والمقالات قبل أن تتنازل المجلة التى كنت أعمل بها عن نشر مقال أو موضوع منها.. لا تيأس وحاول مرة أخرى".

وبالفعل لم ييأس الصبى الحالم وحاول مرة أخرى وانفتحت له الصفحات ونُشرت له العديد من القصص وهو لم يغادر سن المراهقة بعد.. إلى أن كانت تلك الواقعة الدرامية التى قادته إلى مكتب كامل الشناوى..وكان كامل بك، الشاعر الرومانسى ذائع الصيت والكاتب الصحفى صاحب الاسم الرنان، واحدا من هؤلاء المشرفين على أبواب الإبداع فى تلك الصحف والمجلات، ولكنه كان متفردا بينهم تفرده كشاعر، فكان يضع مبلغا من المال - من جيبه الخاص- لدى سكرتيرته، ويطلب منها أن تمنح هؤلاء الشبان من مبدعى الأقاليم الذين يتوافدون على مكتبه مكافأة "خاصة" تعويضا لهم عن ما تكبدوه فى رحلة السفر إلى القاهرة .. فعندما يأتى أحدهم حاملا معه جديد إنتاجه من قصص وقصائد، ويطلب مقابلة كامل بك، كانت السكرتيرة تتلقى منه الرد نفسه:

– استلمى منه الظرف ..واعطيه الظرف !

 وبناء على تعليمات كامل بك الدائمة كانت السكرتيرة تضع "المعلوم" فى ظرف وتقدمه للمبدع الشاب بابتسامة متواضعة حتى لا تُشعره بالحرج.. لكن فى ذلك اليوم أصر المبدع الشاب على أن يلتقى بكامل بك، وأصرت السكرتيرة على موقفها:

-  الأستاذ مشغول .. بس سايب لك الظرف ده!

وفتح الصبى الحالم الظرف فوجد مبلغا من المال، حاول أن يرده لأنه لم يأت من أجل الفلوس، ولكن فكرة مدهشة طرأت على ذهنة وقرر أن ينفذها فورا.. كان معه يومها مجموعة من القصص التى سبق أن نشرها، فحملها إلى مطبعة قريبة وطلب من صاحبها أن يطبعها له فى كتاب، مجرد نسخة واحدة، ويبدو أن صاحب المطبعة تحمس للصبى الحالم وتعاطف معه وتفرغ لتلك المهمة.. وخلال ساعات كان الصبى الحالم يحمل معه النسخة الوحيدة من تلك المجموعة المطبوعة بتلك الطريقة البدائية، وعاد من جديد لمكتب كامل الشناوى، وأعاد لها ربع جنيه تبقى من المكافأة التى تقاضاها منها قبل ساعات، وكتب رسالة لكامل بك يشكره أنه كان السبب فى أن يحقق حلمه ويطبع أول مجموعة قصصية، ودخلت إلى كامل بك بالرسالة، فلما قرأها صاح فى سكرتيرته:

- عايز أشوف الواد المجنون ده.. خليه يدخل بسرعة!

فلما خرجت السكرتيرة كان "الواد المجنون" قد اختفى، فجريت وراءه فى الشارع حتى لحقت به قبل أن يركب الأتوبيس، وعادت به إلى كامل بك، الذى أدرك بسرعة أنه أمام "فلتة" وموهبة استثنائية لا يجوز التفريط  فيها..             

(2) 

كان كامل الشناوى يومها هو كشّاف المواهب وراعيها وحضنها الوسيع، وبعين الجواهرجى اشتم فى هذا الصبى الدمياطى الشاب رائحة الموهبة الكبيرة، وكانت له حاسة شم للمواهب لا تخطئ أبدا.. تبناه كامل بك وأحاطه بالرعاية وفتح له أبواب الصحافة على مصراعيها، ليجد صبرى موسى نفسه – بتشجيع ودعم كامل الشناوى – أصغر رئيس تحرير فى تاريخ الصحافة المصرية، فقد كان يافعا فى السابعة عشرة من عمره لم يزل حين وجد نفسه سكرتيرا لتحرير "التحرير" أول مجلة تصدرها ثورة يوليو، ثم استعان به يوسف السباعى سكرتيرا لتحرير "الرسالة الجديدة" عندما تولى رئاسة تحريرها.. كان الصبى الحالم قد ترك مسقط رأسه وجاء قبلها ليلتحق بمدرسة الفنون الجميلة، واختار "شبرا" مقرا لإقامته، لسبب يرتبط بتعلقه بمسقط رأسه، فقد سبقه إلى شبرا أصدقاء وزملاء له من دمياط أقاموا فى الحى الشعبى العريق، فوجد معهم الونس، وفيهم رائحة الحبايب.. وهى فترة لم تستمر طويلا، فقد قرر أن يأتى ب "الحبايب" أنفسهم ولا يكتفى برائحتهم، وجاء بأسرته لتستقر معه فى الشقة التى اشتراها فى شارع "رامز" بجوار ضريح سعد زغلول وبيت الأمة، وهو الشارع الذى كان بطلا ومسرحا لعدد من قصصه ذكره فيها بالاسم.. وأصر صبرى موسى أن يكتب عقد الشقة باسم والده، تكريما له وتقديرا وعرفانا بفضله، ونزولا على التقاليد الريفية الأصيلة التى تجعل رب الأسرة هو "المالك" والمتصدر والكبير ..أضف لكل ذلك أن الوالد كان قد لاحقته أزمات صحية وتقلص نشاطه وتجارته، وهو ما دفع بابنه وسنده أن يسعى للاطمئنان عليه وأن يكون تحت عينيه، وأن يتحمل معه عبء رعاية أخواته البنات.. وهكذا جاء صبرى بعائلة "موسى" من دمياط إلى شارع رامز بقلب القاهرة، وكانت الأسرة وقتها قد اتسعت، فلم يعد هو الابن الوحيد، إذ رزق الله والديه بعده بسبع من الأخوات:

- أولهن من حيث العمر "آمال"، وكان زوجها من مؤسسى الإذاعة فى سلطنة عمان، وأنجبت منه: "د. منى أبو يوسف" بهيئة المصل واللقاح، و"طارق" الذى كان من فريق العمل المؤسس لقناة النيل للمنوعات مع سلمى الشماع، و"هشام" الذى يعمل فى دبى وكان قد تزوج من إيمان ابنة الفنانة المعجزة فيروز والفنان بدر الدين جمجوم.

- "سوسن " وكانت أقرب الأخوات لصبرى، وكانت هى التى تتولى شئونه ورعايته، وبعد زواجها رزقها الله ب "جيهان" التى تخرجت فى كلية التجارة وتعد من أبرز المتخصصين فى دراسات الجدوى الخاصة بالجمعيات الأهلية، و"مدحت" الذى يعمل فى شركة اتصالات معروفة فى قطر.

- "زوزو"، وكان زوجها الأول المخرج موسى عبد الحفيظ من مؤسسى الرسوم المتحركة بالتلفزيون واشتهر بمسلسله "قصص الأنبياء" الذى صنع شخصياته من الصلصال، وأنجبت منه: "حنان موسى" مدير الرسوم المتحركة بالتلفزيون،  و"غادة" زوجة مدير التصوير السينمائى المعروف د. سامح سليم، و"حسام موسى" مترجم اللغة الفرنسية.. وبعد انفصالهما تزوجت من لواء بالقوات المسلحة.

- "نوال"، التى عملت كخبيرة تغذية وتزوجت من اللواء سمير حسان أحد أبطال حربى اليمن وأكتوبر، وأنجبت: "أمجد" ضابط الشرطة، و"أشرف" الطبيب المقيم بكندا، و"إيمان" المقيمة بالسعودية .

- "زينب" التى عملت لفترة فى إذاعة البى بى سى،  وتزوجت من اللواء طبيب سامى حسان، وأولادهما:"مازن حسان" مدير مكتب الأهرام فى ألمانيا، و"أحمد" المحاسب بالسعودية..

- "فاطمة" وهى مقيمة فى أمريكا، وتزوجت من المهندس حسين عنبر (عم الفنانة نهال عنبر) وأنجبت منه "وليد" الذى يعمل مهندسا فى واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا، و"دينا" التى كانت أول مصرية تدير فرعا فى ولاية كنتاكى لواحد من أشهر المطاعم العالمية..

- "هناء" وهى الأخت الصغرى وتقيم هى الأخرى فى الولايات المتحدة، وابنتها "هايدي" تعد من أشهر كاتبات القصة فى أمريكا.. كان صبرى مرتبطا بأسرته، والده ووالدته وأخواته البنات، إنهم عالمه الصغير الذى يحظى باهتمامه ورعايته وحنوه ..وهو ما تبدى وتجلى فى علاقته بشقيقاته، فكان لهم بمثابة الأب الروحى، دعمهن بكل جهده فى تعليمهن وفى استقرارهن الأسرى والزوجى ..وتبدى وتجلى كذلك عندما أصيبت والدته بجلطة تركت أثرها القاسى على حركتها، فكان يترك من أجلها كل مشاغله ويجلس لرعايتها وتلبية طلباتها ويضع نفسه رهن إشارتها.

(3)

ورغم مسئولياته العائلية المتزايدة فإنه لم ينس لحظة مشروعه الكبير،  وحلمه الجميل الذى جعله يستقيل من وظيفته الحكومية المستقرة كمدرس للرسم، ويترك بلدته الساحرة وذكريات طفولته وصباه، وينتقل بعائلته كلها إلى القاهرة.. إنها الكتابة، ولا شيء غيرها، فليحتشد لتلك المغامرة المثيرة.. ومن البئر السحيقة فى أعماقه التى طالما اختزن فيها ما تأمله من ناس وأحداث راح يستخرج ويصيغ قصصه الأولى من مادتها.. وفى قصص البدايات تستطيع أن تدرك بسهولة أن صبرى موسى حاضرا فيها وبطلا لها، أو قل فيه الكثير من شخصية البطل ..فى قصة "التلميذ" مثلا يكتب عن تجربته القصيرة المثيرة كمدرس للرسم فى دمياط، وهو ما نستشفه من سطورها الأولى:

"فى أول عملى بالحكومة اشتغلت مدرسا للرسم بمدرسة تابعة للتعليم الحر فى قرية تبعد عن المدينة بمسافة أدفع أجرة الوصول إليها ثلاثين قرشا ..كانت المدرسة بناء فضفاضا تحيط به حديقة جافة الأشجار، فى آخرها مكنة طحين، وأمام المدرسة كانت تمر الترعة التى تشق القرية نصفين".

ولا تحتاج لجهد حتى تدرك أن فيه الكثير من ملامح بطل قصته "الجدار"، الكاتب الناشئ الذى قرر أن يكون كاتبا فحسب، فهو لا يصلح لغيرها، ولا توجد مهنة غيرها تليق به، فالكتابة هى الوظيفة الوحيدة المؤهل لها.. إنه يقين وقرار.

وكانت الكتابة تعنى لصبرى موسى طريقين متوازيين: الأدب والصحافة.. وبعد تجاربه الصحفية الناجحة فى "التحرير" و"الرسالة الجديدة" و"الجمهورية"..قرأ إعلانا عن مجلة جديدة تستهدف أصحاب القلوب الشابة والعقول المتحررة ..ومع "صباح الخير" وصحبة إحسان عبد القدوس وأحمد بهاء الدين وصلاح جاهين وتلك الكوكبة الرائعة من المبدعين التى تديرهم صاحبة الدار السيدة روزا اليوسف تبدأ مرحلة مثيرة فى رحلة صبرى موسى ومغامرته المدهشة.

 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - فانوس كومبو

أيهما يحمل الآخر، الفتاة النحيفة التي تقبض بكفها الهشة على خصر الفانوس العملاق، وقد اختفى أغلب جسدها الهش خلف جرمه...

رجال حول الرسول «4» عمر بن الخطاب.. الذى فرّق به الله بين الحق والباطل

ينتمى إلى بنى عُدىّ وأخواله من بنى مخزوم فهو قرشىّ أصيل كان يقوم بدور سفير قريش لدى قبائل العرب الأخرى...

قبل «نجم » و «الطلب ».. شاهد يكشف أسرار سنوات «إمام » الأولى

حمد سالم: السادات داس على وشه بالجزمة بسبب «قوقة» كره المشايخ وخلع الجبة والقفطان بعد ما حدث معه فى الجمعية...

الإفرازات: متى تكون طبيعية ومتى تستدعي القلق؟

"هل هذا طبيعي؟" – هذا السؤال الذي تهمسه كل امرأة لنفسها مرة واحدة على الأقل في حياتها، غالبًا بعد ملاحظة...