فى تسعينيات القرن الماضى، كانت الزميلة الصحفية "آمال كمال" فى غرفة المراجعة بمقر "الإذاعة والتليفزيون" ومعها حوار صحفى مع "فاطمة رشدى"،
وصورة شخصية للفنانة الرائدة، كان الزمن قد جعلها مثيرة للحزن والأسى، بعد أن أصبحت تتسول من المارة وتلعن الفن الذى أهانها ولم يضمن لها شيخوخة كريمة، وكان "سائق تاكسى" مصرى طيب القلب قد استضافها عنده فى بيته، ولما تحركت نقابة المهن التمثيلية، كان "عزرائيل" نشطا جدا، فاختطف روح الفنانة الكبيرة قبل أن تهنأ بالشقة والراتب الذى وفرته النقابة لها، وبقيت صورتها فى ذهنى مؤلمة مرعبة، الصورة التى كانت فى حوزة الزميلة "آمال"، لا أنسى تفاصيلها أبدا..
لست من هواة تفسير المصائر بنظرية "الانتقام الإلهى"، لأن الله رحيم، خلق الناس ليسعدوا ويفرحوا لا ليعاقبهم ويقسو عليهم، لكن القرآن الكريم يقدم التفسير المنطقى للمصائر القاسية، فى قوله عز وجل "وما أصابك من سيئة فمن نفسك"، لهذا، اعتبرت الصورة التى قدمتها لى الزميلة الفاضلة "آمال كمال"، صورة الفنانة فاطمة رشدى فى شيخوختها، درسا لى، وقبل أن أرى الصورة التى بدت فيها تجاعيد وجه فاطمة رشدى قاسية، وطلاء أظافرها الرخيص مثيرا للشفقة، كنت شاهدت فيلم "العزيمة"، كانت فيه "فاطمة" فتاة جميلة، جمالها صارخ، ممتلئة الجسم، على عادة نساء زمانها، جذابة العينين، تمتلك وعيا بأنوثتها، وتعرف معنى الإغراء، هذا رأيته فى دورها الذى قدمته فى ذلك الفيلم الذى أخرجه زوجها "كمال سليم"، زوجها الثانى بعد انفصالها عن "عزيز عيد" المخرج المسرحى الرائد، وقبل العودة إلى سجل حياة هذه الفنانة القديرة، من المفيد أن نعرف العلاقة بين "الفنون" والأعراق التى تعيش على أرض مصر، والثقافات المتعددة والمدن المصرية التى تحتوى هذه الثقافات وموقع الفن منها، فالمعروف فى تاريخنا الاجتماعى أن الفن مرتبط بالطبقات الفقيرة، خاصة فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فالموسيقى الأكثر أهمية هو "محمد المسلوب"، وطائفة "المساليب" معروفة فى الصعيد، تضم العبيد المحررين، والفلاحين المعدمين والفارين والمتسحبين من القرى بعد تراكم الضرائب المستحقة عليهم للحكومة وعدم قدرتهم على سدادها، ويعمل "المسلوب" فى مهنة "التسول" فى مواسم الحصاد، يحمل "الخرج" على كتفه ويخرج إلى الحقول ويسأل المزارعين، ويعطونه من القمح والفول، ويعمل فى مهنة "القرقرة" أى فصل "التبن" عن "الغلة" وذلك قبل ظهور آلات الدراس والحصاد الحــــــــديثة، و"المسلوب" الذى كان من حفظة الموسيقى العربية، لم يكن يعيبه العمل فى الفن، لأنه "مسلوب" يجوز له ما لايجوز للسادة من العربان والأتراك وأغنياء القبط، وكانت ـ الفنون ـ فى تلك الحقبة مرتبطة بجماعات "الغجر" الذين لايجدون عيبا فى أن تحترف بناتهم حرفة "الرقص"، والغناء، وبعض رجال هذه الطائفة يعمل فى مهنة "القرداتى"، الذى يطوف بالأسواق ومعه قردة، يرقص ويؤدى حركات معينة وفى نهاية العرض يجمع القروش من الجمهور الذى شاهد العرض، ومن خلال هذه الطائفة ازدهرت الفنون، فالراقصات من بنات "الغجر" ارتقين وارتبطن بالباشوات وأقمن فى المدن، ونسى الناس أصلهن الغجرى وحملن لقب "فنانة استعراضية"، وكانت "رتيبة رشدى وإنصاف رشدى" تملكان صالة للرقص، وكانت الأخت الثالثة "فاطمة" طفلة موهوبة للفن، سمع "السيد درويش" صوتها وعرض عليها العمل معه ضمن فرقته الموسيقية، والإسكندرية فيها "الغجر" ويسمونهم "الهناجرة" أو"الهنجرانية"، وفى بيئة الفن هذه، تفجرت مواهب "فاطمة" والتحقت بفرقة "رمسيس"، واعتبرها "يوسف وهبى" و"عزيز عيد" مشروعا استثماريا، فعلمها "عزيز" قواعد فن التمثيل، وقبله كانت تشارك فى مسرحيات فرقة "أمين عطا الله"، ولعل القارئ العزيز يتساءل: ولماذا اختص الغجر بالفن والارتزاق من تقديمه للناس؟، والإجابة عن هذا السؤال تستلزم معرفة الطبقات والأعراق التى تكون "المجتمع المصرى"، وكانت "الطبقة الأرستقراطية" من العرق "التركى" و"الشركسى"، وهى التى تحكم البلاد وتملك الأطيان منذ عصر المماليك، وكانت "طبقة العربان" المكونة من القبائل البدوية العربية ترفض الخضوع للسلطة وتفضل التجوال فى البلاد على الخضوع للحكومة، وكانت أيضا "طبقة الفلاحين" من الفقراء ومتوسطى الملكيات، وكان "العبيد" وغيرهم من الجماعات المحتقرة، لكن كل هذه الطبقات كانت تعتبر "الفنون" عارا، وعيبا، فاختص "الغجر" بتقديمه والعمل فيه، وكانت "طنطا" و"المنصورة" و"الإسكندرية" هى المدن التى تحتوى الفرق الفنية الشعبية، بفضل وجود جماعات الغجر فيها ووجود "مقام السيد البدوى" فى طنطا، الذى نشأت فى مولده السنوى مهرجانات ومؤتمرات فنية، قدمت للفن المصرى أجمل الأصوات وأجمل الألحان، وفى هذا السياق تشكلت ريادة "فاطمة رشدى"، وكانت فرقة "أمين عطا الله" المدرسة الأولى التى تعلمت فيها "فاطمة" قواعد الفن، فكانت تؤدى أغنيات ضمن المسرحيات، وعملت فاطمة فى فرقة "عبد الرحمن رشدى" وفرقة "الجزايرلى"، وكان "السيد درويش" الملحن الرائد المجدد استمع صوت "فاطمة رشدى" وأعجب به، ولكن "عزيز عيد" و"يوسف وهبى" هما اللذان جعلاها النجمة المشهورة فى مصر كلها، فتلقت تدريبا على نطق اللغة العربية نطقا صحيحا على أيدى معلم أزهرى، لأن "اللغة العربية" كانت أداة ضرورية لفنان المسرح، وتلقت دروس "فن التمثيل" على أيدى "عزيز عيد"، الذى عشقها، وتزوجها فى العام 1924، وفى تلك الفترة شاركت ـ فاطمة ـ فى مسرحيات "الذئاب" و"القناع الأزرق" و"ليلة الدخلة" وكانت صغيرة السن "هى من مواليد 15 نوفمبر 1908ـ الإسكندرية" وكان عشق "عزيز عيد" لها عشق الصانع لصنعته، فهو الذى علمها كل شىء تقريبا، علمها القراءة والكتابة، وقواعد التمثيل والوقوف على خشبة المسرح، وأعد لها البرنامج التثقيفى الذى جعل منها أنثى جميلة، قادرة على الجلوس مع الأدباء ومناقشة الأفكار المسرحية مع الكتاب والمخرجين، وكان زواجه منها، بداية التعاسة له ولها، فهو رغم موهبته الكبيرة فى الإخراج المسرحى، كان ضئيل الجسد، يعانى الشعور بالنقص والغيرة المرضية تأكل قلبه، ولم تتحمل "فاطمة" هذا الوضع، فوقع الطلاق، وانطلقت فى مسيرتها الفنية، فأسست فرقة "فاطمة رشدى المسرحية" وقطعت علاقتها التى ربطتها بمسرح "رمسيس"، وقدمت فرقتها المسرحية الجديدة عدة مسرحيات لاقت النجاح الجماهيرى الواسع، ومن خلال هذه المسرحيات ظهرت موهبة الممثل "محمود المليجى" والملحن "محمد فوزى" الذى كان يقوم بتلحين أغنيات تقدم للجمهور فى الفواصل بين الفصول المسرحية .
الرحلة العربية
لمعت فاطمة رشدى، واشتهرت، وأصبحت نجمة المسرح المصرى، وقررت السفر بالفرقة إلى بلادالعرب، ولم يكن العرب قد قرروا الوحدة، ولم تكن "جامعة الدول العربية" قد ظهرت، لكن الفن المصرى كان يقوم بالمهمة، مهمة توحيد الشعوب العربية، وسافرت "فاطمة" إلى "لبنان" وقدمت مسرحية "مصرع كليوباترا" التى كتبها الشاعر"أحمد شوقى"، ومسرحية "العواصف" للكاتب "أنطوان يزبك"، وفى تلك الرحلة التى كانت فى العام "1929"، حازت فاطمة رشدى لقب "صديقة الطلبة" وأقام لها طلبة بيروت الحفل التكريمى المعبرعن انبهارهم بالفن الذى تقدمه على خشبة المسرح، وكان الحفل فى "فندق رويال" وتحدث فيه رموز النخبة اللبنانية آنذاك، وكتب الناقد السورى "سامى الشمعة" مقالة نقدية أبدى فيها إعجابه بدور فاطمة رشدى فى مسرحيتها "النسر الصغير" التى كتبها "أدمون روستان" وقام "عزيز عيد" بتعريبها، ومما قاله "الشمعة" بلغة النقد فى ذلك الزمان:
"يدهشنا جدا أن نرى هذا الاستعداد العظيم فى مسرح فاطمة رشدى، فقد بلغت زينة رواية "النسر الصغير" حد الإتقان، بل حد الكمال، فقد كنا ننتقل من بهو إلى بهو، فى قصر "شامبرون" فنرى كل شىء ملكيا، وكل شىء يفتن الناظر وينقله إلى عالم العظمة والإجلال".
وفى رحلتها إلى العراق، حققت النجاح الكبير، رغم أنها عرضت مسرحياتها بعد قيام "جورج أبيض" بتقديم عروض فرقته بثلاث سنوات، كان جورج أبيض هو الفنان المسرحى المتخصص فى تقديم المسرحيات العالمية والعربية المكتوبة باللغة الفصحى، واستطاعت "فاطمة رشدى وعزيز عيد" أن يقدما فى العام 1929 العروض المسرحية فى مدينة "البصرة" وأعد لها مسرحا كبيرا فى شارع "أبو الأسود الدؤلى"، ولقيت الترحاب الرسمى من ملك العراق "الملك فيصل"، وحصلت فى تلك الفترة من حياتها الفنية على لقب "سارة برنار الشرق"، ولم تنقطع علاقتها مع المسرح رغم وقوفها أمام كاميرات السينما فى بواكير ظهورها فى مصر، فقدمت فى العام "1928" فيلم "فاجعة فوق الهرم" مع "بدر لاما " الذى هو نفسه "بدر الأعمى" وكان فنانا عربيا مهاجرا إلى أمريكا الجنوبية، وقدمت فيلم "الزواج" فى العام "1933"، وتوالت الأفلام "العزيمة ـ 1939، الطريق المستقيم ـ 1943، غرام الشيوخ ـ 1946، الطائشة ـ 1946، وغيره من الأفلام، وتطورت علاقتها مع المسرح فانتقلت إلى المسرح العسكرى وقامت بإخراج مسرحية "غادة الكاميليا"، وانضمت للمسرح الحر، وقدمت مسرحيات عديدة منها مسرحية "بين القصرين" ومسرحية "ميرامار" عن روايتى الكاتب "نجيب محفوظ"، ومنذ نهاية ستينيات القرن الماضى عاشت "فاطمة رشدى" حياة حزينة كئيبة، فى غرفة فى "لوكاندة شعبية"، وقاست مرارة الجوع، وكانت تمشى فى الشوارع، تتسول اللقمة وتلعن "الفن"، وفى "23 يناير 1996" فاضت روحها إلى بارئها وبقيت ذكراها فى قلوب عشاق فنها الجميل.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
البنات الصغيرات مع عائلاتهن، فى خروجة مشمسة مبهجة مع أوائل نسمات الصيف.. لا تعرف الواحدة منهن الأخرى.. لكن النظرات تلاقت،...
ولد في «طيبة».. مدينة الشمس الحارقة والأرض السمراء، نشأ في رحاب المنطقة الأكثر ثراء في التراث والمعابد والقصور، لكنه لم...
درس الحقوق والهندسة والتحق بالحربية فى اسطنبول وحاز رتبة الفريق وتولى تعليم ولى العهد فاروق قواعد العسكرية بتكليف من الملك...
إمام سيرة أخرى أمير العمرى: الشيخ إمام عبقرية.. لا تظهر إلا فى لحظة تاريخية فاصلة كان يغنى خمس ساعات متواصلة...