عريان يوسف.. القبطى الذى أنقــذ المصريين من جحيم الحرب الأهلية

اقترب المصريون من «الحرب الأهلية» الدينية، فى بدايات القرن العشرين، عقب قيام الشاب «إبراهيم ناصف الوردانى» باغتيال رئيس الوزراء القبطى «بطرس غالى» بست رصاصات، فى

اقترب المصريون من «الحرب الأهلية» الدينية، فى بدايات القرن العشرين، عقب قيام الشاب «إبراهيم ناصف الوردانى» باغتيال رئيس الوزراء القبطى «بطرس غالى» بست رصاصات، فى العام 1910، وقال القاتل لوكيل النيابة إنه أطلق الرصاصات الست على ـ الخائن ـ بطرس غالى، لأنه ترأس محكمة دنشواى فى العام 1906 التى حكمت بإعدام الفلاحين الذين تصدوا لضباط بريطانيا لما أحرقوا القمح فى القرية وأصابوا "أم محمد" زوجة المأذون، ولأنه منح بريطانيا حق الاشتراك فى حكم السودان مع مصر بتوقيعه اتفاقية 1899 "الحكم الثنائى"، ولأنه أصدر قانون المطبوعات الذى يكمم أفواه الصحف، ولأنه أصدر قانون النفى الإدارى، الذى يجعل "وزارة الداخلية" تنفى المواطن عن قريته بدون محاكمة داخل حدود الجمهورية، ولأنه أهان الحركة الوطنية المعادية لبريطانيا واتهمها بالهمجية والغوغائية، وأعدم "الوردانى" وامتلأت نفوس المصريين بالحقد، ونفخت بريطانيا فى النار، واستخدمت عناصر قبطية متعصبة لتحويل الاغتيال إلى صراع بين المسلمين والأقباط، ودخل عقلاء من الجانبين لنزع فتيل الأزمة، وكان من هؤلاء "مرقص حنا وسينوت حنا وويصا واصف" وهم من وجهاء الأقباط الكبار، واستطاعوا التمهيد لثورة 1919 التى كان من رموزها الشاب الوطنى، الطالب بكلية الطب "عريان يوسف سعد" الذى نحكى حكايته فى هذه السطور.

فى البداية، لابد من أن نعرف أن "عريان يوسف سعد"، من مواليد "ميت غمر" بمحافظة الدقهلية، ووالده كان غنيا يحمل لقب "بك"، وعريان كان طالبا بكلية الطب، قبل ظهور الجامعة المصرية، كانت مدرسة الطب تخضع لناظر لها إنجليزى، ومقرها "قصر العينى"، وكانت ظروف مصر الداخلية والخارجية تدعو الناس للثورة، وكانت الحرب العالمية الأولى قد أرهقت الشعب المصرى، لأن بريطانيا ـ قوة الاحتلال المسيطرة على مصر منذ1882 ـ أرغمت الشبان المصريين على الاشتراك فى الحرب، كانت تخطفهم بالقوة، من الغيطان والأسواق والقرى، وترسلهم للجبهة فى فلسطين تحت مسمى "فيلق المتطوعين"، وفرضت الحماية على مصر وأخرجتها من الولاية التركية "العثمانية"، وانتهت الحرب وعقد مؤتمر الصلح فى "فرساى" وأطلق الرئيس الأمريكى "مبادئ ويلسون" التى كان من بينها مبدأ "حق تقرير المصير"، فنهض الوطنيون المصريون للمطالبة بهذا الحق، وتشكل وفد من الساسة برئاسة "سعد زغلول"، وتوجه إلى السفارة البريطانية للحصول على موافقة تسمح للوفد بالسفر إلى "فرساى" لعرض القضية المصرية، لكن المندوب السامى البريطانى رد على الوفد بعبارة مكونة من كلمتين هى "فيما بعد"، وتطورالأمر، وانتهت الجولة الأولى باعتقال "سعد" والذين معه، وتشكلت الشرارة الأولى للثورة، من طلبة المدارس العليا، فلم تكن فى مصر جامعة، وهنا نترك المناضل الوطنى "عريان يوسف سعد" ليروى قصة شرارة ثورة 1919:"ـ كانت أولى خطواتى فى طريق السياسة، دعوة من زميل فى مدرسة الطب للذهاب إلى مكتب شقيقه المحامى فى القاهرة لتوقيع عريضة توكيل الوفد، ولا أستطيع أن أصور مشاعرى، وأنا أدخل ذلك المكتب فى سواد الليل، فأجد زميلى فى غرفة وكيل المحامى، وكل منا يحاول الاختفاء عن أنظار صاحبه من شدة الحذر، وأمسك الورقة، وأقرأ فيها "أوكل سعد زغلول ومن معه فى المطالبة باستقلال مصر ما وجد للسعى سبيلا" وأوقع باسمى وصناعتى "عريان يوسف سعد ـ طالب طب".

ويصبح "سعد زغلول" ورجال الوفد موكلين من الأمة المصرية بالمطالبة بالاستقلال، وتغضب بريطانيا، وتعتقل رجال الوفد ومعهم "سعد" الذى كان عمره مقاربا السبعين، وهو الذى كان من شباب ثورة عرابى، وواصل النضال وتزعم الوفد المطالب بحرية مصر، وهنا انفجر غضب طلبة المدارس العليا فخرجوا فى مظاهرة احتجاج، انطلقت من مدرسة الطب وانضم إليها طلبة التجارة والمهندسخانة والزراعة والمعلمين ودار العلوم والقضاء الشرعى، ومضت فى شوارع القاهرة، بالتحديد، حى "السيدة زينب" وكان «عريان يوسف سعد» ضمن المشاركين فى المظاهرة:

"سرنا فى شارع الخليج الضيق، وكانت تطل من نوافذ بيوته السيدات والآنسات، ويرتفع الهتاف للاستقلال والحرية، بدون انقطاع، ورجال البوليس يحيطون بالمظاهرة، والهتاف للحرية لاينقطع، وإذا بأصوات جديدة تشارك فى هذا الجو الصاخب، أقصد أصوات النساء، التى تصاعدت من داخل شرفات المنازل، التى امتلأت بوجوه الجنس الناعم، تلك الوجوه التى لاتظهر لأحد غير أهلها، فقد كان الحجاب مفروضا على المرأة المصرية، لا تخرج إلا وعلى وجهها نقاب، حتى طالبات مدرسة السنية كن منتقبات".

  فى سجن القلعة

ويقول "عريان يوسف سعد" فى مذكراته المنشورة بالقاهرة "دار الشروق ـ 2007" إن الإنجليز والبوليس المصرى قبضوا على مئات المتظاهرين من طلبة المدارس العليا، وأخضعوهم للتحقيق، ثم نقلوهم إلى "القلعة "، وأصبحوا خاضعين للجيش البريطانى، الذى كانت قواته متمركزة هناك، ويضيف:

"توالى وصول المعتقلين، خليط من الأزهريين، والعمال وأصحاب المهن كالجزار والحداد والنجار، فقد قام الشعب كله يدا واحدة يطالب بالإفراج عن سعد والطلبة الذين اعتقلوا، وجاءت الأنباء تخبرنا بقطع السكة الحديد فى جميع أنحاء القطر، وكانت هى وسيلة الانتقال الوحيدة، فلم تكن السيارات قد انتشرت ولا الأوتوبيسات، وقضينا فى "القلعة" أحد عشر يوما معتقلين وكنا نأكل من طعام الجيش البريطانى"..

وبعد الإفراج عن "عريان يوسف سعد"، اتفق مع زميل له على العودة إلى "ميت غمر"، بطريق النهر، لأن السلطات البريطانية كانت تمنع الحركة من القاهرة إلى خارجها والعكس، لكن "عريان" وزميله تمكنا من العودة، وهناك فى المدينة الصغيرة تواصلت الثورة وتواصل النضال.

  ثورة فى ميت غمر

 وعاد "عريان يوسف" إلى مدينته الصغيرة "ميت غمر"، وهى على صغرها، كانت ذات أهمية كبرى، ففيها ورش السكة الحديد، وورش صناعات أخرى ينخرط فيها آلاف من العمال، وكانت بها طبقة مثقفة من الأقباط والمسلمين، وهى التى حملت لواء الثورة فى المدينة، وهى التى أعلنت استقلال "ميت غمر" على نهج "زفتى" المدينة الواقعة على الجانب المقابل، ويفصل بينهما فرع النيل "فرع رشيد"، ودام استقلال "ميت غمر" أسبوعين، لم تنقطع خلالهما اجتماعات الثوار، ويرسم لنا ـ عريان يوسف ـ المشهد الثورى داخل المدينة بقوله:

"عقد اجتماع اشترك فيه قادة الثورة، وصعدت إلى منصة الخطابة وقلت للحضور ما معناه أن طواف المظاهرات فى شوارع المدينة عمل لافائدة منه، إنما المفيد هو قطع السكة الحديد التى تربط بين "ميت غمر" و"القاهرة" لمنع وصول قوات الجيش البريطانى إلى المدينة، وفى منتصف الليل أيقظنى أبى، من نوم عميق وقال لى إن أمام البيت حشدا يطلبنى، فخرجت بملابس النوم، وإذا برجال يحملون على أكتافهم قطعا من الحديد، وتقدم منى رجل من زعمائهم، وقال لى "ألم تدع إلى قطع السكة الحديد فى خطبتك بالأمس؟، وقلت "نعم"، فقال "نحن عمال ورش السكة الحديد وقد جئنا بالعدد والمفاتيح التى تستعمل فى تركيب القضبان، وقد جئنا لتصحبنا فى هذا العمل الذى دعوتنا إليه"، وسرنا حتى بلغنا قرية "ميت القرشى"، وقطعنا خط السكة الحديد، وفى اليوم التالى جاءت قوات بريطانيا، وفتحت النار على أهالى "ميت القرشى" الذين كانوا يسيرون فى "جنازة" أحد المتوفين، وبلغ عدد القتلى والجرحى من الأهالى ما يقرب من المائة.

  بطل الوحدة الوطنية

ورغم أن البطل الوطنى "عريان يوسف سعد" كان مشاركا فى كل فعاليات الثورة الشعبية فى مارس 1919 وخضع للاعتقال، وهرب إلى "ميت غمر" واشترك مع الأهالى الثائرين فى قطع السكة الحديد، وكان من لجنة قيادة الثورة بالمدينة، انضم إلى الجناح العسكرى للثورة، وهو المكلف باغتيال "الإنجليز" و"الخونة" المتعاونين معهم، وحدث أن استقال "محمد سعيد" باشا ـ رئيس الوزراء احتجاجا على "لجنة ملنر" البريطانية التى شكلتها دولة الاحتلال بهدف قطع الطريق على الوفد المصرى وغرس الفرقة بين أبناء الشعب الواحد، وكانت هذه اللجنة كلما سألت مواطنا مصريا سؤالا أجابها "اسألوا سعد باشا"، وفشلت اللجنة فى مهمتها، لكن الوزير القبطى "يوسف وهبة" كان الوزير الوحيد من أعضاء حكومة "محمد سعيد" باشا المستقيلة، الذى وافق على تشكيل الحكومة، رغم مقاطعة الساسة المصريين ورفضهم تشكيل الحكومة، ورغم قيام بطريرك الأقباط بإرسال وفد يدعو "يوسف وهبة" لعدم شق الصف الوطنى والالتزام بإجماع الأمة المصرية ، لكنه رفض مقابلة الوفد القبطى الذى ضم وجهاء وذوى مراكز عليا فى الجماعة القبطية، وهنا قرر الثوار قتل "يوسف وهبه"، وتقدم البطل "عريان يوسف سعد" للقيام بهذه المهمة، حتى لاتقع الفرقة بين المسلمين والقبط ويتكرر ما وقع عقب اغتيال "بطرس غالى"، فالقاتل قبطى والمقتول قبطى ولا مجال للنفخ فى نار الفتنة بين أهل الديانتين، وكانت تلك خطوة كبرى أقدم عليها "عريان" ويقول عن تلك التضحية فى مذكراته:

"ذهبت وجلست فى حديقة "كافيه ريش" بشارع سليمان باشا، أمام الميدان ومعى قنبلتان ومسدسان أخفيتهما فى جيوب الجاكت، تحت المعطف، وجلس زميلى "محمد حفنى" طالب الطب على مقعد رخامى، كان يحيط بتمثال "سليمان باشا" فى مواجهة شارع قصر العينى، لكى يرى سيارة رئيس الوزراء عند خروجها من شارع الشواربى إلى شارع قصر النيل، وكانت الإشارة المتفق عليها أن يقف صاحبى ـ محمد حفنى ـ على قدميه وينصرف بدون إعطاء أية إشارة حتى لايلفت النظر، ومن الطريف أن مخبرا سريا كان يجلس بجواره، وعندما قدمت السيارة، تقدمت إلى منتصف الشارع وألقيت القنبلتين على رئيس الوزراء، وقبض علىّ فى الحال، ثم أخذونى إلى مكتبه، وكان مضطربا، وبجواره يحيى باشا إبراهيم وزير المعارف ومحمود باشا فخرى محافظ القاهرة، وقال لى رئيس الوزراء: "ليه يا شاطر بتعمل كده؟"، فقلت "إنت خرجت على إجماع الأمة،لأن البطريرك طلب منك عدم تأليف الوزارة، وجاء إليك وفد من الأقباط ورفضت مقابلته.."

وطوال مدة احتجازه، لم ينطق "عريان" بكلمة واحدة تدين زملاءه الأبطال من أعضاء الجناح العسكرى للثورة، وصدر ضده حكم بالسجن عشر سنوات مع الأشغال الشاقة، لكنه بقى فى قلوب المصريين فى صورة البطل الثورى الذى أنقذ المصريين من جحيم الحرب الأهلية التى كان الاحتلال البريطانى يدفعهم إليها دفعا.


 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد