خيرى شلبى.. 10 سنوات على رحيل حكاء البسطاء

الروائى والكاتب الكبير الراحل خيرى شلبى، أحد رموز مجلة «الإذاعة والتليفزيون»، واحد من أهم كتاب جيل الستينات وأغزرهم إنتاجاً. تنوعت أعماله بين الرواية والقصة

الروائى والكاتب الكبير الراحل خيرى شلبى، أحد رموز مجلة «الإذاعة والتليفزيون»، واحد من أهم كتاب جيل الستينات وأغزرهم إنتاجاً. تنوعت أعماله بين الرواية والقصة والبورتريه، والدراسات النقدية سواء فى المسرح أو الشعر. اهتم فى أعماله برصد حياة المهمشين والبسطاء، فقد كان قريبا منهم، وظل طوال حياته ومسيرته الأدبية مسكونا بهؤلاء البسطاء ومعبرا عنهم فى أعماله الروائية والقصصية، فقد ظل دائما صوت المهمشين بامتياز، وكان فى رواياته مهتما ببساطة وسلاسة اللغة، ومتعة الحكى، حتى تصل أعماله بسهولة لهؤلاء البسطاء، ويشاركونه المتعة ذاتها.. وظل مخلصا لهذا النهج حتى رحيله فى 9 سبتمبر 2011. وفى ذكرى رحيله العاشرة تحدثنا مع الأدباء والمثقفين عنه وعن رؤيتهم لأعماله.

الناقد الدكتور حسين حمودة يقول: "خيرى شلبى صاحب إنجاز إبداعى من أغنى الإنجازات فى فن الرواية والقصة المصرية والعربية، وأعماله تمثل حلقة مهمة جدا من حلقات مسيرة هذا الفن، تضاف إلى حلقات أخرى ارتبطت بأسماء محمود طاهر لاشين، ويحيى حقى، ويوسف إدريس، ثم يحيى الطاهر عبدالله وأسماء أخرى تالية.. وهذه السلسلة قدمت إسهامات كبيرة جدا، من زوايا متعددة، للبحث عن خصوصية محلية فى كتابة الرواية والقصة القصيرة، وربطها بجماليات الحكى الشعبى الموروث وتقاليد التواصل الشفاهى".

ويضيف: "ميّزت أعمال خيرى شلبى ميزات كثيرة، منها تجربته الواسعة فى الحياة، وهى تجربة اتصلت بمنابع المجتمع، وبطبقاته الدنيا المهمّشة، فى الريف المصرى وفى العالم التحتى لبعض المدن.. ومنها اكتشاف لغة خاصة للكتابة لا تنفصل عن لغة الحكى المتدفق الذى يشيّد روابط كثيرة مع المتلقين.. ومنها قدرته على نفى المسافة المصطنعة بين الحياة اليومية والكتابة عنها.. ومنها ترك مساحات واسعة للشخصيات القصصية كى تتحدث بأصواتها ولغتها وتنطق بتصوراتها الخاصة".

ويكمل حمودة: "أعمال خيرى شلبى تنوعت واختلفت فى رحلته الطويلة.. لم تكن روايته الأولى (اللعب خارج الحلبة)، التى صدرت أوائل سبعينات القرن الماضى، سوى خطوة أولى لاكتشاف الذات.. وسوف يمضى بعد ذلك بعيدا عن الوجهة التى اتجهت إليها تلك الرواية المبكرة، ليكتب أعمالا كبيرة القيمة ومتنوعة وغزيرة جدا.. لعل من أهمها روايته (وكالة عطية) و(موال البيات والنوم) بالإضافة إلى رواياته الأخرى، وطبعا هناك أعماله القصصية المهمة، ومنها (سارق الفرح) و(الدساس) و(عدل المسامير).. ثم هناك إسهاماته المتنوعة فى أدب الرحلات، وفى الإعداد الإذاعى والتليفزيونى، وفى كتابة المقالات الصحفية وغير الصحفية.. وكل هذه الأعمال انطلقت من انغماس كامل فى المجتمع واهتمام بقضاياه، ومن قدرة كبيرة على تقديم كتابات عفوية مشبعة بمعالم استخداماتها الحية المتنوعة.. وطبعا انطلقت أيضاً من إمكانات «حكّاء» مدرّب يعى فنون الحكى البسيط والمؤثر، ويضاف إلى هذا استخلاصه للغة خاصة به، بسيطة وسهلة ولا تخلو من حيوية وقدرة على التوصيل.. وقد ظلت هذه اللغة حاضرة ومتنامية فى الوقت نفسه، خلال مسيرته الممتدة والمتنوعة".

الكاتبة والناقدة الدكتورة أمانى فؤاد تقول: "فى إبداعات الكاتب والروائى الكبير خيرى شلبى يجد المتلقى نفسا سرديا ممتدا يتوالد، حكايات تتناسل فى انسيابية، حيث القص الذى يتمتع بالغنى الفنى والفكرى، لكاتب موسوعى الثقافة، متسع التجارب، توافر له معرض متسع من النماذج البشرية، فغاص فى أعماقها يرسم حيواتهم الداخلية الكامنة، والسطحية التى تعكس كالمرايا تداخل وتعقد النفس البشرية الشديد، ففى رواياته تتجسد رؤية فاحصة للمجتمع بقضاياه وطبقاته، للحياة بالريف، وفى المدينة.. يرصد حياة المهمشين؛ ليبين العوار السياسى والفكرى والثقافى، ويجسد التميز الفردى كما فى البورتريهات البراقة الفكر والذائقة، الروائى الذى يُعشّق فى براعة بين الشأن الخاص للشخصيات وشأن المجتمع العام".

وتكمل: "فى إحدى الدراسات النقدية التى قمت بها لأعمال خيرى شلبى رصدت وحدة ما تجمع موجودات الحياة فى دلالات ذات مغزى صوفى فلسفى عميق فى رواياته، مغزى ينصهر فى السرد بتلقائية، لا يقف الكاتب عليه طويلاً قدر ما يومض سريعا فى التراكيب، ويهمس مهرولاً فى النصوص الروائية، لكنه يستشف من الفقرات الحكائية وله وجود فعلى. هناك علاقات تواصلية تسرى بين الموجودات، وتوحى بطاقة فعالة تصنع كياناً كلياً، وجوداً ميتافيزيقياً يخلخل الكيانات المادية، ويتأبى على الحدود والقيود الذى يفرضها منطق الوضوح العقلى الساذج".

وتضيف فؤاد: "يلوَّح الكاتب بهذه الفكرة فى جل إبداعاته على محاوره متعددة، ويستدرج قارئه بمكر وحيل فنية إلى عوالم الأساطير والسحر والفانتازيا، والرؤى الصوفية المحكية بربابة قديمة وشجية، خطوة بعد أخرى، وفقرة تلو أخرى يخلَّق عوالم عجائبية طازجة تبتعد عن آفة التكرار، كما يعبث بقوانين البشر ومحدودية الفصل بين الكائنات، ويشير إلى العلاقات غير المرئية فى الوجود. فالراصد لنصوصه يلحظ أن هناك تماهيا وتواصلا بين الإنسان وظواهر الطبيعة، بينه وبين الحيوانات، والأشياء، والقيم، والكون، والإله".

وتواصل: "يتوحد صوت الفلاحة فى روايته «إسطاسية» مع الطاقة الكامنة فى الوجود، يسيطر إصرارها وإرادتها على قوى الوجود، وتستنزل العقاب على قتلة ابنها، تستحث السماء وتؤدى طقوسها إلى أن يتحقق لها ما تريد. وفى «موال البيات والنوم» يصف الروائى ضياعه فى المدينة، فيشعر بأنه كخيط من الدخان ينسلخ من الكتل الثقيلة، ويتمنى لو نام بحضن سحابة هابطة من عل. وهو ما يدلل على عدم شعوره بالأمان فى المدينة، التى سعى إليها تحت تصور أنها حياة الفرص والتحقق والنجاح، فقابلته المدينة بوجهها الانتهازى الصاخب واللزج، من خلال نماذج بشرية ومنظومة علاقات متنوعة معظمها نفعى. وفى مستهل روايته «الوتد» يصف تأثر الجميع بموت الحاجة «تعلبة»، حتى الحيوانات، وسيطرت حالة من الحزن واليأس على الوجود المحيط بالجميع. هذا الاندماج بالعالم والتماهى معه يتيح للفنان عوالم الشغف والإثارة، وهو ما يدفع خياله لإبداع كل ما يطور العقل البشرى ويدفعه للتأمل".

وتقول الروائية أمينة زيدان: "لم أكن تعرفت على خيرى شلبى حين قرأت لأول مرة رواية «وكالة عطية»، التى حفرت اسمه فى خانة الكتاب الكبار فى وعيى، فهذه الرواية تجاوزت حرفيا كل ما قرأته عن الواقع العجيب والغريب الذى يرقى إلى الفانتازيا، واقع كشف خيرى شلبى حجراً ثقيلا عنه، واخترقه بتلك المشهدية التى وسمت كتابته، ونفخت الروح فى شخصياته التى كانت تزاحم دون بغى، مشكلة صورة لعالم مواز لم يكن كاتب يجرؤ على الكشف عنه".

وتضيف زيدان: "أنا واحدة من ضمن أسماء أدبية كثيرة من جيلى ومن أجيال لاحقة تأثرنا كثيراً بكتابة خيرى شلبى، الخارجة عن المألوف وعن الصورة النمطية للرواية.. نحن نتأثر دون أن نشعر، فيتغير شكل الكتابة، ويبدو فى النهاية أن جيلا جديدا خرج من عباءة خيرى شلبى، وأذكر على سبيل المثال محمود حامد وسهير المصادفة وحمدى أبو جليل وكثيرون غيرهم. وأتذكر أننى التقيت خيرى شلبى فى بداياتى، زرته فى بيته بالمعادى، وكان مرحباً وكريماً، ولا يمل حديثه، كنت فى حالة انبهار كامل فى حضرة ماركيز مصر".

ويقول الشاعر إبراهيم داود: "خيرى شلبى أحد الروافد العظيمة فى فن الرواية، ليس فقط فى الثقافة العربية، ولكن فى فن الرواية على مستوى ما عرفناه وما ألفناه فيه، لأن تكوينه الاجتماعى والتعليمى وخبراته فى الحياة منحته مهارات ليست مهارات الروائى المحترف، لكن مهارات الشخص الذى جعل الحياة هى المصدر الرئيسى للمعرفة، وكنت محظوظا فقد تعرفت على معظم كتاب الستينات ومن قبلهم، لكن خيرى شلبى كان أسطورة حقيقية لأنه لم ينسلخ طوال حياته عن عالمه الواقعى الحقيقى، فكان يبقى وسط الناس طوال الوقت، يراقب بعين عطوفة وقلب حنون على شخوصه".

ويضيف: "جاء من محافظة كفر الشيخ بالبيئة التى ولد وتربى فيها، ثم انتقل إلى الإسكندرية، وعاش فيها على الهامش، ثم إلى القاهرة وعاش فيها على هامش الهامش، ونستطيع أن نحدد مراحل حياته فى رواية «موال البيات والنوم»، ورواية «صالح هيصة»، التى يحكى فيها عن معاناته فى القاهرة".

ويكمل داود: "بسبب ثقافته الواسعة، ومعرفته العميقة بالبشر، وبسبب أنه ابن حيلة أى يتحايل على المعايش كما نقول - وبسبب أن قلبه أخضر ريفى وطيب، فالكتابة كانت بالنسبة له ونسا، ورسالة لتخليد شخصيات لن يستطيع أحد غيره أن يخلدها، فمثلا لولاه ما كنا قرأنا «أولنا ولد - وثانينا الكومى - وثالثنا الورق»، التى تحكى قصة صعود شخص جاء إلى الدنيا بشقائها إلى أن وصل للمجد. ورواية «وكالة عطية» لن نرى شخصياتها لدى أديب آخر. وفى قصصه القصيرة كان صاحب كرامات لا تقل عن إنجازه فى فن الرواية، أيضاً لديه كتبه الأخرى عن الأدباء التى قدمها من خلال البورتريهات ورسم فيها شخصيات الكل يعرفها، لكن شلبى كان يكتشفها بشكل آخر. كانت لديه طريقة مختلفة فى نحت اللغة، طريقة غريبة وعجيبة، لأنها لم تأت من شخص متحذلق، لكن من شخص ابن الحياة نفسها، خيرى شلبى لديه كتاب أعتبره من أعظم ما كتب فى الثقافة العربية وهو «بطن البقرة» الذى يجمع فيه بين خبراته الشخصية مع أربع أحياء من القاهرة".

وختتم داود حديثه قائلا: "كان خيرى شلبى بناء عظيما فى الشكل والبحث عن أشكال مختلفة، وأسعدنى زمانى أننى اقتربت منه سنوات طويلة، وأعتبره قامة كبيرة جداً فى الثقافة العربية، وفى حياتى شخصياً".

الناقد الدكتور جمال العسكرى يقول: "لخيرى شلبى نصيب واف فى تطور السرد العربى، بما أنجزه على المستويين الإبداعى من ناحية والنقدى من ناحية أخرى.. فلا ننسى أن الرجل كان من كتاب المقال الصحفى لعقود، وغالباً كان يسهم فى مناقشة الأعمال الأدبية والنقدية، وعلى نحو خاص ما يخص جانب السرد بنوعيه، الروائى والقصصى.. حتى يصح لنا أن نعده أحد أوتاد الرواية العربية خلال النصف الثانى من القرن العشرين".

ويضيف: "أهم ما يمكن الالتفات إليه فى مشروع شلبى هو واقعية المنظور الذى يتحرك من خلاله.. فهو كاتب واقعى لا لمجرد المنحنى الروائى الذى يشيع فى قصصه، وإنما الرجل فى حركته عموما يتحرك من الواقع إلى الواقع، بمعنى أن شلبى من جيل عاصر المد القومى فى شبابه، ومن ثم كانت قضيته الكبرى هى مواجهة الواقع الردىء الذى تتحكم فيه ظواهر الفساد والظلم، ومن ثم كيف نستطيع التغيير للأفضل.. من هنا كان احتفاؤه بطبيعة الشخصية المصرية فى مختلف مستوياتها الاجتماعية، وعلى نحو خاص مستويات الطبقات الكادحة الرازحة تحت نير الفقر والقهر، راصدا طبيعة هذه الشخصيات وعلاقاتها المعقدة بالعالم من حولها.. وخلال هذا كله يكاد يرسم شخوص عوالمه رسما، يحتفى بالغائر الواضح، على نحو ما يفعل الفنان التشكيلى حين يبرز فى لوحته البصمة الدالة على الشخصية شكلاً وحجما، إلى الحد الذى تجعلنا معه هذه البصمة أو العلامة المميزة نصدق اللوحة، وربما تجاوزنا عن بعض الاختلافات، لأن هذه العلامة البصمة هى مركز وعينا الذى ينسينا هذا القدر من الاختلاف إن وجد".

ويختتم العسكرى قائلا: "كانت واقعية خيرى شلبى تحتفى بالتركيز على السمة التى تخص الشخص أو الزمان أو المكان.. ولعل هذا ما جعله ينفرد مع عدد قليل نادر بالإجادة، بل قل الإجادة منقطعة النظير، فى كتابة البورتريه أو مقال الشخصية إن صح التعبير.. ولعل هذه الوجهة الواقعية تفسر لنا احتفاء شلبى بالموروث الشعبى المصرى".

الروائى أحمد أبوخنيجر يقول: "خيرى شلبى كاتب كبير وحكاء عظيم، كان صاحب إنتاج روائى وقصصى غزير، وبعيداً عن مجال القصة والرواية كان مهتما جداً بالشعر والشعراء، وحريصا أن يقدمهم باستمرار، بالإضافة إلى البورتريهات التى كان يقدمها على صفحات مجلة الإذاعة والتليفزيون».

ويضيف: "أتذكر أن أول عمل قرأته له كان «فلاح مصرى فى بلاد الفرنجة»، عن رحلته لأوروبا، والكتاب كان يحكى تفاصيل دقيقة وصغيرة، وهذا الأسلوب سوف يكون موجودا معه طوال الوقت فى أعماله القصصية والروائية بشكل خاص. ولخيرى شلبى العديد من الأعمال الروائية والقصصية، لكن تظل المجموعة القصصية «أسباب للكى بالنار» من أمتع المجموعات بالنسبة لى، بالإضافة إلى العمل الأشهر له «الوتد»، وهى رواية لا تحتاج أن أتحدث عنها".

ويختتم أبوخنيجر قائلا: "خيرى شلبى كان لديه رهان أساسى فى الكتابة، مستمد من طبيعته كحكاء، وهى فكرة المتعة.. كان طوال الوقت يراهن على متعة القص ومتعة الحكى داخل أعماله الأدبية، وهذا يجعل القارئ يتعامل مع نصوصه ورواياته بشكل سلس وبسيط، فهو ليس لديه التعقيدات البنائية أو اللغوية الكبيرة، وهذا يجعل التعامل معه بسيطا، وأعماله تصل للناس بشكل كبير".


 	أميرة سعيد

أميرة سعيد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - «شوز» ولا فرد؟!

حافياً، يجلس الأسطى الذي يعمل في خياطة الأحذية بالذات

شخصيات لها تاريخ «11» فرانكلين روزفلت.. أنقذ الأمريكان من المجاعة

تدرج فى الصعود السياسى من رئيس تحرير صحيفة جامعة هارفارد حتى بلغ منصب حاكم نيويورك ورئيس الجمهورية لأربع فترات رئاسية...

عبد الكريم الحجراوى: «التشجيعية» حلم يراودنى منذ سنوات

جائزة الدولة المصرية أرقى وأهم الجوائز على الإطلاق الناقد فى عالمنا العربى مظلوم.. وانسحابه أفسح المجال للمجاملات والشللية

صنع الله إبراهيم.. مبدع قاوم السجن بالكتابة وحاكم المجتمع ب «شرف»

تعرض للتنمر فى طفولته بسبب اسمه ونحافته.. وظل مخلصًا لمبادئه حتى النهاية أسرته أعلنت عن إطلاق جائزة للرواية تحمل اسمه...