فى حجرة فندقية، تجلس منهمكة بين الأوراق، وبجوارها طبق عليه ساندوتش صغير لم ينته بعد، وفى يدها قلم، تدون من خلاله الملاحظات. حينها رن الهاتف. - آلو، هى دكتورتنا
فى حجرة فندقية، تجلس منهمكة بين الأوراق، وبجوارها طبق عليه ساندوتش صغير لم ينته بعد، وفى يدها قلم، تدون من خلاله الملاحظات. حينها رن الهاتف.
- آلو، هى دكتورتنا العزيزة لسه مجهزتش.
- هاهاها، الحقيقة لسه.
- لا لا لا، قولى كلام غير ده، إحنا ورانا عشا مُدهش فى "الأويبرج".
سهرة لطيفة، لعبت فيها راقية إبراهيم دور المُضيف، وهى تحاول أن تُهون متاعب الرحلة والغربة على صديقتها.
بينما فى الحجرة الفندقية، ضباط من الموساد، يفتشون ويصورون كل الأوراق الموجودة.
****
كانت مصر أيامها منهمكة فى إعادة ترتيب أوراقها، غادر الملك البلاد منذ أسابيع، وتصدر المشهد الضباط الأحرار، وهناك ثورة تسرى دماؤها فى الشوارع، الجميع يتحدث عن العدالة والحرية والاستقلال، عن فساد القصر وسيطرة الانجليز، وعن ما يفعله اليهود فى فلسطين، ومجلس قيادة ثورة يرسم نظاماً جديداَ فى طور الميلاد، وأمامه مشكلة لا على الخاطر ولا البال، مشكلة فى كفر الدوَار، مظاهرة لعمال شركة "مصر للغزل والنسيج الرفيع"، شارك فيها نحو 10 آلاف عامل، اشتبكت الشرطة، فقتل 9 بينهم شرطيان، ، عنها يقول محمد نجيب فى مذكراته: "وجدت على مكتبى أكواما من التقارير المخيفة، والتى تفرض علينا الخوف من الاضطرابات العمالية، وتطالبنا بالضرب على يد كل من يتصور إمكانية قلب العمال علينا".
فى هذا الوقت، كانت سميرة موسى فى كاليفورنيا، تلبى دعوة لحضور مؤتمر علمي، وتخطط لزيارة واحد من أحدث معامل الأبحاث الذرية فى أمريكا.
لماذا لا يمتلك العالم كله السلاح النووى؟ كى يتساوى الجميع، ويبحث عن السلام.
تلك هى مشكلة العالمة النابغة، إنها تدرك أهمية السلاح النووى لتوازن القوى، أنت لا تستطيع أن تمتلك حريتك وكرامتك وطريقة حياتك وأنت ضعيف؟
قالت لا، حين عرضوا عليها استكمال أبحاثها فى أمريكا، حيث المعامل الحديثة، حيث الفلوس والجنسية والمكانة العلمية، حيث أرض الفرص والسكن المُريح، حيث كل ما تحتاجه، مُجاب.
قالت لا، وأعلنت: "ينتظرنى وطنٌ غالٍ يسمى مصر".
وراحت الدكتورة العالمة فى "خصائص امتصاص المواد لأشعة إكس"، التى كتب عنها أحد أساتذتها فى جامعة بدفورد فى تقرير علمى: "إن تجارب سميرة موسى قد تغير وجه الإنسانية لو وجدت المعونة الكافية"، راحت تسعى لإنشاء هيئة طاقة نووية مصرية، وتستغل علمها فى مساعدة مرضى السرطان فى مستشفى قصر العينى، وهى تريد أن تجعل العلاج بالراديوم كالعلاج بالإسبرين، وتطلب من أبيها أن يبنى لها معملا كى تستكمل أبحاثها، فيشترى للمعمل فدانا من الأرض على طريق الهرم.
فى هذا الوقت دعتها السفارة الأمريكية، للمشاركة فى المؤتمر العلمى.
*****
15 أغسطس 1952
أزاحت الستارة فى حجرتها الفندقية، دخلت أشعة الشمس لتكشف عنها مرتدية ملابسها الرسمية، وفى يدها حقيبة تحوى أوراق أبحاثها، نظرت إلى الساعة، وفتحت الباب وخرجت.
أمام الفندق كانت السيارة فى الانتظار، لكن.. لم تكن بها الصديقة راقية إبراهيم.
أخبرها السائق أن الفنانة أصيبت بوعكة صحية مفاجئة، وإنه سيصاحبها إلى معمل الأبحاث.
لم تكن سميرة موسى، مجرد عالمة نابغة ذاهبة لمؤتمر علمى، كانت حلما مصريا وطنيا، مثلت مسيرتها مسيرة نضال خاضها المصريون من أجل مكانة أفضل لبلدهم، منذ ميلادها قبيل ثورة 19 بعامين، مسيرتها هى نتاج مسيرة نضال قاسم أمين ونبوية موسى لتحرير المرأة وتعليم المرأة وتفوق المرأة، فجاء ترتيبها الأولى فى الإبتدائية والثانوية، بسطت مادة "الجبر" وهى فى السادسة عشر من عمرها، وحصلت على بكالوريوس العلوم عام 1942 وهى الأولى على الدفعة، وساندها الدكتور على مصطفى مشرفة لتكون أول معيدة بالكلية لأنها نابغة، وهدد باستقالته حين حاول الأساتذة الأجانب منعها لأنها مصرية ولأنها امرأة.
مصر تتعلم وتتفوق، حصلت سميرة موسى على الماجستير فى "التواصل الحرارى للغازات"، وسافرت إلى بريطانيا فى بعثة لدراسة الإشعاع النووى، فحصلت على الدكتوراه فى الأشعة السينية وتأثيرها على المواد المختلفة فى مدة زمنية مختصرة.
وفى طريق العلم هى مهمومة ببلدها وناسها، تشارك فى جمعية الطلبة للثقافة العامة لمحو الأمية فى الريف المصري، وتنضم لجماعة إنقاذ الطفولة المشردة..
كانت حلما مصريا لحرية وطن، ظل أسيرا سنوات طويلة للاستعمار.
فى الطريق إلى المعمل، انحرفت السيارة فجأة، قفز سائقها، وتركها تهوى من قمة الجبل.
واغتيل الحلم المصرى فى وضح النهار.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
حافياً، يجلس الأسطى الذي يعمل في خياطة الأحذية بالذات
تدرج فى الصعود السياسى من رئيس تحرير صحيفة جامعة هارفارد حتى بلغ منصب حاكم نيويورك ورئيس الجمهورية لأربع فترات رئاسية...
جائزة الدولة المصرية أرقى وأهم الجوائز على الإطلاق الناقد فى عالمنا العربى مظلوم.. وانسحابه أفسح المجال للمجاملات والشللية
تعرض للتنمر فى طفولته بسبب اسمه ونحافته.. وظل مخلصًا لمبادئه حتى النهاية أسرته أعلنت عن إطلاق جائزة للرواية تحمل اسمه...