صيف الأدباء .. (تحقيق خاص)

يأتى فصل الصيف كل عام حاملًا معه ذكرياته السعيدة لنا، ومع ارتفاع درجات الحرارة يلجأ الناس إلى العديد من الوسائل بحثًا عن الراحة والاستجمام والهروب من حرارة الشمس،

يأتى فصل الصيف كل عام حاملًا معه ذكرياته السعيدة لنا، ومع ارتفاع درجات الحرارة يلجأ الناس إلى العديد من الوسائل بحثًا عن الراحة والاستجمام والهروب من حرارة الشمس، ولكن ماذا يعنى الصيف فى حياة المبدعين؟ وما ذكرياتهم مع الصيف وحرارته، وما أهم طقوسهم فى هذا الفصل المشمس إلى حد مزعج، بما يخلقه من حالة كسل و"وخم" أحيانًا كثيرة، وكيف يقضون أيامه ويستمتعون بها، وهل يمثل لهم فصلًا للكتابة والإبداع مثل بقية فصول السنة، أم أن لهم معه طقوسًا مختلفة، وكذلك يتحدثون عن ذكرياتهم عن هذا الفصل ومشاعرهم تجاهه والمدن الساحلية المفضلة بالنسبة لهم فى هذا الملف الخاص.

سعيد سالم: «محرومين» من البحر الذى أهداه الله لنا

يتذكر الروائى الكبير سعيد سالم، ابن مدينة الإسكندرية، ذكريات طفولته مع الصيف، ويقول: فى الطفولة كان منزلنا أمام البحر مباشرة برأس التين، وكنت ورفاقى نمضى اليوم بأكمله فى البحر نستحم ونصطاد السمك من على المنط، ونتدرب على السباحة على يد عبد اللطيف أبوهيف وحسن عبد الرحيم، السباحان العالميان، ونحضر السمك من الجرافة الى بيوتنا بقروش زهيدة، ونلعب الراكيت ولا نذهب الى بيوتنا طوال العطلة الصيفية الا للنوم.

ويكمل: عندما كبرنا كانت شواطئ الاسكندرية مفتوحة لنا جميعا، وبجنيهات قليلة يمكننا استئجار شمسية وبعض المقاعد.. كانت جميع الشواطئ ملكًا للشعب، وكنا ندفع ضريبة الشمسية قرشين فقط لليوم الواحد.. كان عمال النظافة يقومون بواجبهم خير قيام، تحت إشراف ملاحظين يمرون على الشاطئ من حين لآخر.. اليوم أغلقت جميع الشواطئ واحتلت ببنايات ضخمة أمامها أسوار معدنية وحجرية وسلكية.. صار النزول للفرد أو الأسرة لقضاء يوم على الشاطئ أمرا مستحيلا منهم لله.. لم يعد أمامنا الا الفنادق المقامة على الساحل، ولكن لعدة أيام فقط نظرا لارتفاع أسعارها.

ويضيف سالم: العام الماضى كان عام الكورونا، فلم نر البحر على الإطلاق. هذا العام سأحجز بفندق بالغردقة فى سبتمبر إن شاء الله، حيث تكون الأسعار معقولة، أما هذه الأيام فأنا أتسلى بالقراءة فقط فى نهم شديد ـ دون كتابة - ومساعدة زوجتى بعد زواج الأولاد فى قلى الباذنجان والبطاطس، أو غسيل المواعين، أو نشر الغسيل فى البلكون، فضلًا عن هوايتى المحببة وهى العزف السماعى على العود، الذى تعلمته من خال أمى "حنفى"، ومن عازف القانون "أحمد قمر"، شقيق عبد الغنى قمر الممثل.. من النادر أن أؤلف شيئًا فى الصيف، معظم مؤلفاتى كتبت فى الخريف أو الربيع، وأحيانا فى الشتاء. أحيانا أجد الخلاص فى الاستحمام بأحد حمامات سباحة نادى سموحة، وهى كثيرة جدا وجميلة وغير مزدحمة فى أوقات، وخالية تماما فى أوقات أخرى غير أوقات التدريب. أشعر بسعادة شديدة، وكأنى أمتلك المكان بجماله ونظافته وإحاطته بالأشجار، فيعوضنى عن زحام البحر فى الشواطئ القليلة المفتوحة للجمهور.

ويختتم سالم حديثه قائلا: لا بد أن نعترف بحقيقة أننا أبناء الطبقة المتوسطة، ومن هم دوننا، ارتكبت فى حقنا جريمة لا أخلاقية بحرماننا من البحر الذى أهداه الله لنا كسكندريين، ولأهلنا الذين يأتون إلينا من الأقاليم الأخرى. لا يمكن لرب أسرة من زوجة وطفلين أن يمضى يوما على شاطئ شعبى مزدحم وغير نظيف، دون أن يتكلف ما يزيد على مائة جنيه، أما أجمل ذكريات الصيف فكانت بصحبة أستاذنا العظيم نجيب محفوظ، التى أمضينا لياليها على كازينوهات شواطئ سان ستيفانو وجليم والبوريفاج وبترو، والملفت للنظر أن كل هذه الأماكن الجميلة هدمت وأقيمت مكانها بنايات ضخمة عالية، تسد واجهة البحر وتحجب رؤيته، فى قبح لا نظير له.. الخلاصة أن كل شىء يخص هذا الأمر الذى نتحدث فيه صار الى الأسوأ، وأعتقد أن الأمل فى العودة الى ماضى الزمن الجميل أصبح ضربًا من المستحيل.


عزة رشاد: فى مشاكسة أصيافنا الغاضبة

الروائية الكبيرة الدكتورة عزة رشاد تقول: الصيف فصل لعين، لا يمكننى أن أمنع نفسى من الإدلاء بهذا الاعتراف، خاصة بعد تعمق وتمدد ثقب الأوزون، وانجلاء ما اصطلح على تسميته بـ"ظاهرة الاحتباس الحراري" التى فضحت "علميًا" حقيقة الأرض ككرة ملتهبة، وحقيقة إساءة استخدامنا لموارد بيئتنا، وربما يفسر هذا استمتاع أصياف السنوات الأخيرة بصب غضبها وحرارتها داخل أدمغتنا، حتى تبدد قدرتنا على التركيز، بل وتتغذى على راحتنا النفسية بكاملها (انظروا بذاءة التعرق الشديد وقدرته على تكديرنا، وكم تصبح طويلة ساعة انقطاع التيار الكهربى)، وإذن فمن أين لها بكل هذا السأم الذى تصبه فى دواخلنا!؟ أتساءل؛ ويبدو لى كأن الصيف الذى أصابته لعنة هذه الطاقة المفتوحة عليه من جهنم "كما يصورونها" لم يعد له من سبيل إلا بأن يصدِّرها إلينا فى صورة سأم وتشتت وشيخوخة مبكرة.  وتضيف: يبدو أن التغيير هو الثابت الوحيد، فأصياف طفولتى على سبيل المثال كانت على النقيض من ذلك، كنت أنتظرها بفارغ الصبر. آخر يوم فى الامتحانات أقضى مساءه فى إعداد حقيبتى.. ملابس وكتب وألعاب، حتى يأتى الصباح فأقفز داخل السوبرجيت.. إلى البلد المحبوب "الإسكندرية".. قرأت فى البداية روايات ادجار والاس وأجاثا كريستى، ولا أعرف كيف تخليت عن بيوتهما المخيفة وقصص الجرائم المحكمة بهذه البساطة، بمجرد أن ولجت إلى عوالم نجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس ويوسف السباعى، وغيرهم، لم أتعرف عوالم يوسف إدريس إلا متأخرا، هذا بخلاف الكتب الأخرى غير الأدبية، العلمية أو الفلسفية المبسطة.

وتواصل رشاد: كنا نتشارك سباقًا محموحًا فى ممارسة الهوايات، أنا وأخوالى القريبين منى فى العمر، ومعنا البعض من الأصدقاء، تخدِم عليه وتؤججه تجاه هوايتى للقراءة مكتبة جدى العامرة بسلاسل الكتب الأكثر شهرة فى ذلك الحين: سلسلة كتابى، روايات عالمية، روايات الجيب، من المسرح العالمى، مكتبة مصر، روايات الهلال.. إلخ. ومهما سهرنا فإن شمس الصباح الملطفة بنسائم البحر وعبقه توقظنا وتدفعنا إلى النهوض وإعداد التموين اليومى: ساندوتشات "على ما قُسم" وعصائر وحقيبةمكتنزة بالبشاكير والمايوهات، تدفعنا أيضا إلى حمل الشماسى "الثقيلة" وكراسى البحر المميزة بخفتها، وزهوة ألوان أقمشتها، نحملها فى مشوار العشر دقائق من الشارع المتاخم لـ"قصر الصفا" بزيزينيا إلى "شاطئ جليم"  أيام كان البحر ملكًا للرب ومتاحًا لعباده، لنثّبت عمدان الشماسى فى عمق الرمال، ويرتفع صياحنا الضاحك المتلذذ بلسعات الرمال الساخنة لبواطن أقدامنا، ثم ندندن مع العندليب: دقوا الشماسى.. من الضحى لحد التماسى.

وتضيف: تلوح بذهنى أغلفة الكتب، مضارب الراكيت، إبر التريكو والكروشيه، ثم يظهر بائع الفريسكا، النحات التلقائى الذى يشيد بيوتا وقلاعًا من الرمال المعجونة بمالح الماء، أبتسم ثم أتوقف. لم تكن سعادة خالصة، فالأمر لم يخلُ من منغصات، وأحيانا أسوأ من ذلك، لا يكتنفنى حنين يهيل الغبار وينكر وجود الجثث، لكن أتصور أن لطافة الجو ما قبل ثقب الأوزون كان يقابلها هدوء نسبى، فى أغلب مناحى الحياة، وحتى فى معدلات الأمراض المزمنة ذاتها. أنظر إلى البحر وأفكر: مدينة أم مدائن؟ هل تهوى إحداها بفعل مد هذا البحر الجبار؟ وتنهض الأخرى فوق رفات الأولى؟ أى أسرار تُخفى؟ من يمتلك مفاتيحها؟ بمعنى ما كانت تلك الاسكندرية ملهمة بالنسبة لى، بينما اليوم لا أفكر إلا فى شراسة الحر، أفكر إن كان ثمة علاقة بينه وبين التردى الحضارى؟ أفكر فى مريض تصلب الشرايين وضيق خلقه، فى اندفاعه فى العراك غير المبرر، فى إشارات المرور وانفجار صيحات الاحتجاج. أعود إلى ثقب الأوزون، إلى تعاقب الفصول، إلى المدينة التى ما زلت أحب بحرها وأساطيرها القديمة ولا أحتمل زحامها وصخبها (فأصيافها البديعة جعلتها مطمعًا للمستثمرين المسعورين)، لذا صرت أفضل زيارتها زيارة خاطفة، تزامن هذا مع تقلص العطلات أيضًا.

وتوضح رشاد قائلة: ظروف العمل الحالية لم تعد تتيح عطلات بالشهور، بضعة أيام تبدو مشتهاه من أجل الفصل عن ضعوط العمل، ربما تكون أيضًا قراءة كتاب من خارج صندوق اهتماماتك المعتادة فكرة طيبة، مرة اخترت كتابًا عن خطط الشطرنج (لا أتذكر ان كانت من تصميم الملك أم العساكر) وأخرى عن الأبراج الفلكية والسباحة فى الأكوان، وثالثة عن حياة اليعسوب وكائنات صغيرة أخرى.. إلخ. قد ينجح الأمر، وأحيانا يرافقنى التشتت والسأم، إلى أن تقع يداى على أحد كتبى المفضلة أكون قد خبأته بنصف وعى فى الحقيبة.. الكتابة أكثر تعنتا من القراءة، متطلبة، مزاجية وأنانية، لا تسمح لك بالتلاعب معها، ولا تتأثر بالنسبة لى بألوان الدفاتر أو حبر الأقلام أو نوع الموسيقى، كما لن تتسامح معنا أن ادعينا أنها تزيد أو تقل فى الصيف أو تتغير موضوعاتها، فالأمر ليس بهذه البساطة، وشخصيا بحثت فى كتاباتى فلم أجد تقريبًا شيئًا ارتبطت كتابته بأحد الفصول، والأكثر كان مرتبطا بظروف الوقت، وتعقيد موضوع الكتابة نفسه، وكذلك الحالة الذهنية والنفسية والصحية للكاتب، ثم حظ المكتوب من التدفق أو التجمد، لكن تبقى الفصول هى صولجان الحياة، ومصدرا لا ينضب للإلهام.. يكاد لا يخلو من تأثيره عمل أدبى أو فنى.


أحمد الخميسى: كل فصول الطبيعة جميلة

يقول الكاتب الكبير أحمد الخميسى: هناك أغنية روسية جميلة ما زلت أذكرها يقول مطلعها: "كل فصول الطبيعة جميلة، علينا أن نتقبل كل فصول السنة بالعرفان، فليس ثمة طقس سيئ يحيط بالانسان". نعم.. هذا حق، ولهذا فإننى لا أرفض الصيف، ولا أنبذه، فقط أعاتبه عتاب الأحباء.. على ما أذكر أن نجيب محفوظ لم يكن يكتب حرفًا فى فصول الصيف. لا أدرى بشأن الكتاب الآخرين، لكن أظن أن الصيف يقسو علينا جميعًا أدباء أو قراء- بعض الشيء. أضيف إلى دفتر عتابى على الصيف قصصا من طفولتى، حين لم يكن لدينا مكان نستريح فيه على البحر، وقررنا أن نقوم بزيارة إلى أقرباء لنا فى بورسعيد، وكانت رحلة مؤلمة ألهمتنى قصة من القصص. فى الصيف أحاول، أقول أحاول ولا أقول أنجح، أن أواصل الكتابة، لأن الكتابة لا تنقطع داخل الإنسان فى كل الأحوال، هى تستمر، مثل خرير نهر هادئ، سواء تمكنت من رى الأرض أو ظلت حبيسة النهر، فإن حوار الكتابة يتصل ولا ينقطع داخل الأديب.

ويكمل: أعود إلى مواجهة الصيف وأقول له صراحة: من الصعوبة بمكان أن أكتب وأنا معلق فى درجة حرارة كثيرا ما تقترب من الأربعين، وأحيانا أسأل نفسى: فى أى درجة حرارة يغلى الانسان؟. لكنى أواصل القراءة، وأستمر فى التفكير أو التخطيط لبعض القصص القصيرة، وعامة أظن أن الانسان كائن معد ومجهز للاستخدام فى الشتاء والخريف، أكثر منه فى الصيف.

ويضيف: هناك من الصيف ذكريات صبا، وشباب، عالقة فى خاطرى، هناك حب صغير فى البحر، نما بين الأمواج، ثم خمد فى رمل الشاطئ. هناك صور ومشاعر، ولكنى لا أذكر عملا أدبيا نشأ لدى فى الصيف، وحتى عندما ظهر الفيلم الشهير "البنات والصيف" ظللت أتطلع إلى الأفيشات التى تحمل اسمه بحذر لأن به كلمة "الصيف".

ويختتم الخميسى حديثه قائلا: طقوس الكتابة عندى هى الطقوس ذاتها، لا تتبدل فى المواسم، لكنها تصبح مثل سيارة لا تتغير مواصفاتها لكنها لا تسير فى الصيف، لأننى أجلس أمام الكمبيوتر (كان الورق والقلم سابقا) وأظل أحدق بالشاشة إلى أن أدرك أن عليّ أن أنهض لأجفف عرقى. لكنى فى نهاية المطاف أظل أردد مع المغنية الروسية لحنها الجميل: "علينا أن نتقبل كل فصول السنة بالعرفان، فليس ثمة طقس سيئ يحيط بالإنسان". أردد اللحن وأنا أنظر شزرا إلى الصيف، وأسأله: "قل لى بصراحة متى تنتهى حضرتك؟".


زيزيت سالم: تعود الطيور المهاجرة إلى موطنها فى قلبى

الكاتبة زيزيت سالم تقول: فى أروقة الذاكرة صورتى، وأنا فى المرحلة الإعدادية، بصحبة إخوتى وأبى وأمى، فى طريقنا إلى الفيوم حيث قطعة أرض صغيرة يمتلكها والدى ملآنة بأشجار المانجو، كان مستأجرها يستقبلنا وزوجته بالفطير المشلتت والعسل والحمام المحشو، لنقضى يومًا حافلًا بالبهجة، ونعود محملين بأقفاص المانجو الشهية، كنا ننتظر الإجازة الصيفية من كل عام لنذهب إلى الفيوم، وفى حقيبتى قصة أو اثنتان لأجلس تحت شجرتى المفضلة فى الركن البعيد من الحديقة لأقرأهما حتى ينتهوا من تحضير الغداء، كانت أمى تشجعنى على اقتناء القصص ونختار معًا ما سأقرأه فى هذا اليوم، وتناقشنى فيه عند عودتنا، طالما ذكرت لأصدقائى بالمدرسة أننى أنتظر الإجازة لأسافر إلى الجنة، كانت حديقة المانجو جنتى الخاصة.

وتكمل: مرت سنوات وباع أبى الحديقة، إذ قل المحصول واشتراها المستأجر بثمنٍ بخس، حزنت كثيرا لفراق جنتى، ولم أذق من بعدها مانجو بهذا المذاق الطيب، ربما لأنه كان ممزوجًا بالحب، أما الإسكندرية فلها معى رصيد زاخر بالذكريات البديعة، وخاصة شاطئ المعمورة العامر بالأشجار الضخمة المثمرة بمنطقة المنتزة ذات المناظر الطبيعية الخلابة، فى كل مرة لا بد أن يصطحبنا أبى إلى السيرك العالمى بالأنفوشى، وقضاء سهرة خاصة فى مسرح فرقة رضا للاستعراضات الراقصة، ولا يفوتنا التجول فى شارع خالد بن الوليد لشراء الشنط الجلدية المميزة والتنزه على الكورنيش، كان يحلو لى تأمل البحر وتسليم خواطرى للأمواج تذهب بها حيث تشاء، كما تسلم الشمس نفسها لأحضان البحر، حتى تذوب فيه طائعة منتشية، ولا أنسى أننى تعلمت ركوب العجل بالمعمورة وأجمل أوقاتى للتأمل كانت أثناء التجول بشوارعها الهادئة، ولأننا كنا نقضى بها عدة أيام، فإن حقيبتى لم تخلُ أبدا من القصص والورق والأقلام.

وتضيف زيزيت: تزوجت بعد تخرجى فى الجامعة مباشرة، ورزقت بأطفالى، ولم أتوقف عن القراءة والكتابة، كنت أنتظر الصيف للابتعاد عن الضغوط والالتزامات، فالأجازة تأتى بعد تعبٍ طويل من العمل والدراسة، ومشوارٍ ملئ بالاستيقاظ المبكّر وتأدية الواجبات، لذا فإنّ الصيف بمثابة مساحة رائعة لقضاء الأوقات الممتعة الجميلة ولم الشمل، كما أنه فرصة للاسترخاء والرّاحة لإعادة تنشيط النفس، بشحن الروح بالطاقة الإيجابية والشغف بالقراءة والكتابة، للتخلص من التعب الجسدى والنفسى.

وتواصل قائلة: من أفضل ما يُمكننى فعله فى العطلة الصيفية هو الاهتمام بنفسى من جميع النواحى، كممارسة رياضتى المفضّلة والمشى فى تراك النادى، أو الذهاب فى رحلات استجمام واستكشافٍ ممتعة مع الأصدقاء، أو اكتساب مهارات جديدة كتعلم السباحة والعزف على البيانو، أما أهمها بالنسبة لى كان حضور ورش الكتابة وتنمية مهاراتى قبل إصدار كتابى الأول.

وتستدرك: لكن المثير للدهشة أننى أكتب فى الشتاء أكثر من الصيف، فأنا بطبيعتى أحب الشمس والخروج نهارا، ولا أستطيع الكتابة إلا فى جو هادئ وصمت مريح، كما أنه فى الشتاء أيضا تقل التجمعات العائلية، لانشغال الأحفاد فى المدارس وانتظامهم بالدراسة، فلا أراهم سوى فى نهاية كل أسبوع، مما يتيح لى فرصة ذهبية للقراءة والكتابة، والانتهاء من المقالات الأسبوعية التى ألتزم بتصديرها للمواقع الإلكترونية.

وتضيف: فى الوقت الحالى، وبعد أن تزوج الأولاد وأنجب من أنجب وسافر من سافر، صار الصيف يمثل لى عودة الطيور المهاجرة إلى موطنها فى قلبى، ابنى وأسرته، وأخى وأسرته، أنتظرهما بشغف كبير، وأعد لهما برنامجًا مسبقًا بمواعيد التجمعات العائلية والعزومات، وحجز النزهات النيلية والسفر للشاطئ، والاستمتاع بصحبتهم بعد الغربة بالأجواء الجميلة، والسهرات الصاخبة المزينة بالشوق والحب ولمة العيلة.

وتختتم زيزيت حديثها قائلة: هذا لا يمنع أننى أستقطع وقتًا لا بأس به بصحبة اللابتوب، وأحيانا الورق الأبيض الخالى من السطور، لأستكمل روايتى الجديدة التى أعمل عليها حاليا، بجانب مراجعة مجموعتى القصصية الثانية قبل النشر.


صفاء النجار: فصل المعرفة والتساؤلات

الكاتبة الروائية الدكتورة صفاء النجار تقول: لا ترتبط الكتابة لدى بطقوس معينة، أو فصل معين، لكننى أميل لإنجاز مشروعات كتابتى شتاء، ويبقى الصيف فصل جمع المشاهدات والملاحظات، بحكم طبيعته المنفتحة على السفر والانتقال من البيئة الدائمة إلى المصايف أو الريف.. ففى الصيف أتيح لى أن أقضى فترات طويلة فى قرية جدى لوالدتى، وسط مزارع واسعة متعددة الأكل ما بين النباتات المحصولية وأشجار الفاكهة، مما خلق لدى ارتباطا مع الطبيعة، وإحساسًا دائما بازدهارها، وتجلى الحياة بصخبها وحركتها ونموها فى الصيف، حيث تصبح خضرة الأشجار شديدة الزهو وتحمل النخلات الباسقات أكاليل تتويجها مع البلح الأحمر والأصفر، وتصبح الحياة مع ازهار أشجار الجهنمية والونسيانا وغيرها لوحة فنان وحشى، واضحة التفاصيل غنية الخطوط والألوان.

وتكمل: فى العطلات الصيفية الريفية شهدت أحداث، وتعرفت على علاقات إنسانية غنية ومعقدة، وتعلمت أن ظاهر الأشياء ليس دائما كباطنها، وأن الطرق والتشعبات كثيرة ومراوغة، مما كان مصدر إلهام للكتابة القصصية والروائية، والطريف أن ساعتى الروحية وذكريات الطفولة ربطت بين الصيف وشهر رمضان، ولا يتمتع رمضان الذى يأتى فى الشتاء بقدر بهجة وفعالية رمضان الصيفى، خاصة ما يتعلق بالاحتفالات والطقوس الرمضانية بعد الإفطار، حيث يجتمع قراء القرآن الكريم والمنشدين فى "مندرة" القرية، ويتولى كل بيت مسئولية ضيافة الحاضرين، ونظل نلعب حتى اقتراب موعد السحور، واللف مع المسحراتى لإيقاظ النائمين.

وتضيف النجار: هذه التجربة الصيفية انتهت بوفاة جدى، واستمر ارتباط الصيف لدى بالقراءة والاشتراك فى المكتبات العامة، وما تنظمه من أنشطة، حيث العطلة الصيفية الطويلة، والتخفف من أعباء الدوام المدرسى والمذاكرة المنتظمة، وتحولت الرحلات إلى تجارب سفر سياحى إلى خارج البلاد، يرتبط الصيف بالرحلات واستلهام تجارب جديدة، حيث تعودت قبل قبل جائحة "كورونا" أن أسافر للصيف إلى أوروبا والتجول فى المدن الأوروبية مثل باريس، جنييف، أمستردام، روما، أثينا، وهى فرصة للرؤية والمعرفة المتجددة وطرح الأسئلة، فالصيف هو فصل الوعى وتفتح المدارك، هو فصل التساؤلات عن ماهية الحياة وآليات التطور على المستوى الوجودى والتاريخى، عندما أشاهد النظام والتحضر فى السلوك الأوروبى أتساءل لماذا هم هكذا؟! ولماذا نحن بهذا القدر من العشوائية واللامسئولية؟! فيبدو الصيف بالنسبة لى شهر التأمل والتفكير والشحن والإبداعى، رغم معاناتى فى السنوات الأخيرة من حرارته التى صارت هى الأخرى تزداد بشكل عشوائى.


شريف صالح: قراءة أقل.. كتابة أقل

الكاتب شريف صالح بدأ حديثه بالتعبير عن مشاعره تجاه هذا الفصل الحار بشكل حاد وواضح قائلًا: أكره الصيف، وتعامد الشمس فوق رأسى ورائحة العرق والضجيج، والنهار الطويل، والناموس والذباب، وضباب الصباح.. عرفتُ أول الموت فى عز الصيف برحيل عمى الكبير، ثم جدى. وارتبط فى ذاكرتى بموت كل من أحبهم، وذلك الهاجس أننى أيضًا سأموتُ صيفًا. كأن الحر يسحب من أرواحنا نسمة الهواء التى يجب أن نتنفس. أخشى المشى فى شوارع الصيف نهارًا. فى الصيف تذبل ورود الحدائق، وتمرض الطيور، ويشحب وجه النهر.. هو أيضًا فصل الامتحانات التى كنت أكرهها، وأعتبرها أكثر شرًا من غضب الطبيعة.

ويكمل: هو الفصل الرابع والأخير، الآتى لهدم اكتمال جمال الطبيعة فى الربيع. ورغم جمال واعتدال الربيع، لكننى أحب الشتاء أكثر. نقيض الصيف.. أحب صوت زخات المطر ولسعة البرد الخفيفة وعتمة العشاق، وطول الليل كأنه ألف ليلة وليلة. طعم النوم أحلى، مذاق الأكل أطيب، والقهوة والسحلب والمكسرات والحلويات.. الشتاء فصل الحب والولادة، فيه ولدتُ، وولد نجيب محفوظ وطه حسيــن وأم كلثوم وتحية كاريوكا وسعاد حسنى، وهم الأحب إلى قلبى. أحب المطر فى الأغانى والقصائد وأفلام وودى ألان. أحبه يغسل الأشجار والطرقات والمبانى قبل أن تبتسم الشمس مجددًا. أفضل الكتابة فى ليل الشتاء حيث السكون عميق..  لدى عقدة من الصيف لا يحلها إلا البحر. يحتاج الصيف إلى "البحر" كى يغسل وجوده. البحر بديل المطر الذى حُرم منه.

ويضيف: كنا فى الصيف فى طفولتنا القروية نلهو أمام تدفق تيار الماء من السواقى، ونصطاد السمك فى المساقى، ونسبح فى النيل. أعتبر نفسى "ابن الماء"، فيه خلاصى واعتدال مزاجى، لكننى تعلمتُ من تجربتى غرق، النظر إلى البحر بخشية ومهابة. أثناء وجودى فى الكويت، تعودتُ الهروب من الصيف إلى مياه الخليج فى العصارى اللاهبة، وألعاب "الأكوا بارك" مع أولادى. واحتفظنا بأجمل الذكريات.. فى مصر لا بد من بحر رأس البر. ثمة ألفة بتلك المدينة القريبة من قلبى ومن مسقط رأسى. قليل من ذكريات الطفولة، زيارات الأهل والأصدقاء.

ويواصل حديثه عن رأس البر قائلا: أيضًا رأس البر تشبه مثلثًا ضلعاه ماء، هى مصيف منسى، وتلك ميزتها العظمى، لذلك بقى على حاله، المقاهى التى أعرفها هناك منذ سنوات بعيدة كما هى، سوق السمك وراء المسجد الكبير، والجربى، واللسان، ومحال الفطائر والحلويات وروائح الشواء والطفطف. ليس هناك مفاجآت ولا إبهار. بل فقط ما يُوحى بالديمومة التى تُطمئن النفس. الناس فى شوارع 101 و79 و63 عاديون، منهم دمايطة بلدياتى، ستبتسم فى سرك لأن مفردات اللهجة الدمياطية القديمة ما زالت تجرى على ألسنتهم. وناس عاديون أتوا من عموم مصر. من القاهرة والمحلة والمنصورة.. مدرسون وعمال وفلاحون، وموظفون مع أسرهم، تراهم لأيام فى عشش تملكها شركاتهم ومصانعهم. ولن تعدم أن يعزمك غريب بأريحية على شأفة بطيخ.

ويكمل: ليس فى رأس البر ما يغرى أثرياء القوم، ولا يشجعهم على الإنفاق ببذخ. لا حفلات لعمرو دياب وشيرين، فقط صالة سينما هزيلة، لستُ متأكدًا أنها ما زالت تعرض أفلامًا.. الناس العاديون وسائل الترفيه الخاصة بهم تكون عادية. ركوب "البسكلتة" فى سباق مع الأولاد. تمشية الأهل والعشاق باتجاه اللسان لرؤية كيف يلتقى مصب النيل بالبحر الأبيض، كيف تمتزج زرقة مياه عذبة بزرقة مياه مالحة؟!

ويضيف شريف: أنا أيضًا أنام طويلًا تحت الشمسية، بصحبة كتاب أو أغان. لا أخطط جيدًا للقراءة، بل أترك الأمر للمزاج غالبًا. ربما رواية، أو كتاب فلسفى. ربما دراسة مرتبطة بمشروع أشتغل عليه، وعلى غير المعتاد، أفضل الذهاب إلى رأس البر فى شهر رمضان، وأنا صائم، تجنبًا لموسم الزحام. أستمتع بالشاطئ شبه خالٍ إلا من عوائل قليلة. معظمها من أقباط مصر، هناك قاعدة تقول إن المدن النائمة عند أقدام البحر، تكون أجمل فى الشتاء، أما فى الصيف فهى تشبه سيرك بشرى عليك ألا تتورط فيه. لذلك أحتفظ بطقوس بسيطة خلال المصيف، أهمها لقاء أصدقاء الطفولة، وأكل الفطير الحلو دون إضافة السكر، والجلوس عند اللسان، وما زال لدى حلم أن أتخلص من ارتباطى برأس البر، وأجرب حظى فى مصايف أخرى.. رغم أننى لا تروق لى رفاهية الفنادق، وتباهى رواد الشاطئ. بينما رأس البر تمنحنى الشعور بحياتى العادية مغسولة بالموج.

ويختتم صالح "حارس الفيسبوك" حديثه قائلا: بعيدًا عن أيام المصيف، يمر صيفى ثقيلًا عليّ، شعور بالإرهاق وعدم الحماس. قراءة أقل، كتابة أقل. ليس لدى كتب مفضلة للصيف، ولا أفلام أفضل الفرجة عليها. نشاطى على وتيرته على مدار العام. سماع الأغانى والأفلام والكتابة والقراءة والعمل. فقط ينخفض قليلًا صيفًا عند الحد الأدنى من الالتزامات، وهنا المفارقة فالنشاط أقل رغم أن الفراغ أكبر. فراغ أقرب للخمود والخلو من أى شحنة عاطفية محفزة. لذلك أفضل خلاله مراجعة مسودات شبه جاهزة للنشر. أما معظم أحلام الكتابة الجديدة فتولد وحدها فى الشتاء من كل عام.


نهى محمود: موسم الحصاد والكتابة

الكاتبة الصحفية والروائية نهى محمود، تقول: شيء غامض ومفعم بالبهجة يملأ قلبى عندما تزين أشجار البونسيانا الشوارع، شيء ينبئ ببداية فصل الإشراق والازدهار. ربما لأننى ولدت فى أغسطس، ربما لأنى تعلمت مصادقة الشوارع والأرصفة وحرارة الشمس فى فصل الصيف، كل صداقاتى الحقيقية بدأت فى فصول الصيف، كل قراءاتى لكتب علمتنى وهذبت روحى كانت فى ليالى الصيف، لا يمكننى أن أتذكر رواية "البؤساء"، دون صوت أزيز مروحة حجرتى القديمة، وشرفة حجرتى ذات الشيش الأخضر الكبير، وصوت نحيبى عندما انتهيت منها، الصيف ومشوار صباحى نصف أسبوعى لبائع الجرائد فى نهاية شارعى، لأشترى كتب "مكتبة الاسرة".

وتضيف: جلوسنا فى المقهى، أنا وأصدقائى، وسط البلد التى تضئ وتتوهج وتفتح أبوابها السحرية فى الصيف، أحبه ربما لأن له نصف قلبى الممتلئ بذكريات محملة بالسعادة ودهشة الاكتشاف، كل سعادتى تنتمى للصيف.. ربما لذلك كله تهمس الشمس والطبيعة الملتهبة لروحى بأن تتفتح، موسم كتاباتى دائما يبدأ فى الأول من أغسطس من كل عام، أتلهى طوال الشهور التى لا أعمل فيها بمشاهدة الأفلام وسماع الموسيقى وتصفح الكتب.

وتكمل نهى: شهور العمل الحقيقية تجيء مع الحرارة وسخونة الشمس، كثيرا ما تساءلت: هل هناك خيط سرى بيننا،  هناك قوى سحرية تشحذ قوتى للكتابة، تمدنى بالإلهام والطاقة لأعمل فى ساعات الصباح الباكر؟! سكون الكون يساعدنى أن أتواصل معه، ومع مدينتى السرية، أتنفس رائحة الصيف فينفتح العالم الذى أحبه، أخطو بوجل وكثير من القلق، وعدم التيقن، لكن أشعة الشمس تدلنى، تطل نافذتى على شجر وحديقة خضراء، تتسلل رائحة البراح لقلبى كلما جلست أمام النافذة المطل عليها مكتبى فى ركن صغير مخبأ عن العالم، المكتب صغير فى أبعد ركن فى الحجرة، جوار النافذة، أطل من جلستى أمامه على الألوان، يتسلل النهار ومعه الكتابة من الثامنة صباحًا للحادية عشرة.

وتواصل: لحظة نهوضى عن المكتب تذكرنى دائمًا بخطوتى الأولى التى قمت بها بعد ولادتى القيصرية، قالت الطبيبة إننى لا بد أن أمشى بضع خطوات، كان البنج قد زال تقريبا، سحبوا قدمى نحو الأرض، أشعر بألم لا يحتمل فى بطنى، لا أصدق أننى قد أمضى خطوة واحدة، بعدما شق المشرط الجراحى جسدى لنصفين، لكنى أمشى خطوات مفعمة برغبتى فى النجاة والشفاء.

وتضيف: تشبه خطواتى تلك، ما أشعر به عندما أترك المكتب وأتحرك نحو باب الحجرة، تشويش كبير من أثر أشباح الكتابة، أفكار حول السطور القليلة التالية، إرهاق وكأن أحدهم غرس مصاصة بلاستيكية كتلك التى نرشف بها العصير، غرسها فى قلبى وسحب الحكايات، أترنح وأتكئ على يد الحلم والكتابة والرغبة فى النجاة.

وتختتم نهى حديثها قائلة: يلح على ّ فى الشتاء الفقد، وذكريات الوحدة التى تلتهمنى وتقضم روحى. قصص الخذلان كلها شتوية، ترتدى معطفا ثقيلا، وتلف وجهها بشال من الصوف الرمادى، الذى هو أسوأ مخاوف طفولتى، أجل عفاريت طفولتى التى طالما أرقت نومى، وتركتنى ليالى أرتعد فى فراشى، كانت كلها ترتدى معاطف رمادية من الصوف، لكنى أصمد لأجل الشمس والصيف والكتابة التى ستجىء فى موسم الحصاد هناك. 


 	أميرة سعيد

أميرة سعيد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - «شوز» ولا فرد؟!

حافياً، يجلس الأسطى الذي يعمل في خياطة الأحذية بالذات

شخصيات لها تاريخ «11» فرانكلين روزفلت.. أنقذ الأمريكان من المجاعة

تدرج فى الصعود السياسى من رئيس تحرير صحيفة جامعة هارفارد حتى بلغ منصب حاكم نيويورك ورئيس الجمهورية لأربع فترات رئاسية...

عبد الكريم الحجراوى: «التشجيعية» حلم يراودنى منذ سنوات

جائزة الدولة المصرية أرقى وأهم الجوائز على الإطلاق الناقد فى عالمنا العربى مظلوم.. وانسحابه أفسح المجال للمجاملات والشللية

صنع الله إبراهيم.. مبدع قاوم السجن بالكتابة وحاكم المجتمع ب «شرف»

تعرض للتنمر فى طفولته بسبب اسمه ونحافته.. وظل مخلصًا لمبادئه حتى النهاية أسرته أعلنت عن إطلاق جائزة للرواية تحمل اسمه...