الفاتحة لستنا «أم الغلام»

باب الدخول: عندما نقول إن مصر محروسة بالأولياء، فإن الأمر ليس من قبيل البلاغة ولا المبالغة، ففى مصر من الأولياء، ومن سادات آل البيت ما يمثل ثروة روحية لا تقدر بثمن،

باب الدخول: عندما نقول إن مصر محروسة بالأولياء، فإن الأمر ليس من قبيل البلاغة ولا المبالغة، ففى مصر من الأولياء، ومن سادات آل البيت ما يمثل ثروة روحية لا تقدر بثمن، ولا يعرف قيمتها إلا العارفون من أهل الطريق والحقيقة.

والحق أن القرار التاريخى للرئيس السيسى بتطوير مساجد ومقامات آل البيت فى مصر، والبدء بالأكابر: مولانا الحسين، السيدة زينب، السيدة نفيسة، وتجديد وتطوير مزاراتهم وكل الطرق الموصلة إليهم بما يليق بمكانتهم ومقامهم ومنزلتهم فى القلوب والوجدان، نقول إن هذا القرار هو فرصة لنستعيد تاريخ مصر مع آل البيت، وعلاقة المصريين بكل ما يتصل بتلك الذرية الطاهرة، ونراها مناسبة للتعريف بالذات بصاحبات المقامات منهن، فكثير من الناس يظنون أن الولى رجل بالضرورة، باستثناء السيدات القليلات صاحبات الشأن والمكانة والشهرة والميادين، وبخاصة: زينب ونفيسة وعائشة (بنت الحسين)، لكن الواقع يقول إن فى مصر من "الوليات الصالحات" الكثيرات، ذوات تاريخ وكرامة ومكانة وفى سيرتهن من الحكايات والمعانى ما يُشعرنا بالتقصير فى نشر تلك السير العطرة.

وفى حلقاتنا "صاحبة المقام" التى نبدأها من هذا العدد ستكتشف أسماء وتسمع حكايات، ربما تعيد كتابة التاريخ الروحى المهيب لهذا البلد العظيم..مدد يا صاحبات المقام.

(1)

بعد أن صلينا العشاء فى مسجد مولانا الحسين، وبعد أن قضينا الوقت بين المغرب والعشاء فى مقام الإمام، نبتهل فى صمت خاشع وننهل من تلك الطاقات النورانية التى تفيض وتزيد، همس لى مُضيفى فى تلك الليلة السعيدة بأن وجهتنا القادمة ستكون مكانًا فريدًا على مرمى حجر من المسجد، بمجرد أن تدخله ستشعر بأنك عدت قرونا إلى الوراء وكأنك رجعت إلى زمن الدولة العباسية، وفيه سنمضى سهرتنا!

وفى طريقنا إلى "بيت حُسن"، فإن مضيفى المتصوف الجميل - الذى ترك حياته ومستقبله فى الشعر وجاء ليقيم فى ساحة أحد الأولياء المحيطين بالمشهد الحسينى أراد بحكم معرفته الوثيقة بخريطة المكان أن نختصر الطريق، فدخل بنا فى حارات ضيقة ملتوية لا يعرفها إلا أهل المنطقة وساكنيها، ولا بد أن يكون معك دليل منهم حتى لا تدور فى متاهة وحلقة مفرغة، وفجأة هتف مُضيفى بفرح غامر: باب ستنا مفتوح، وبلا تفكير سحبنى من يدى لنهبط إلى سلم حجرى يقود إلى هذا الضريح العجيب!


المكان ضيق ولكنك تشعر فيه ببراح عجيب، ثم إن تلك الروائح العطرية الزكية التى لا تعرف مصدرها سرعان ما تقودك إلى حالة من الصفاء النفسى، فتجد نفسك وكأنك انتقلت إلى عالم جديد مسحور، واقتربت منى حارسة الضريح المكتنزة البشوشة وهى تهمس لى برفق: اقرأ الفاتحة لستنا أم الغلام، وسرعان ما تبينت أننى فى مقام تلك السيدة المهيبة، أم الغلام الوحيد الذى نجا من مذبحة آل بيت النبى فى "كربلاء"، ومنه كانت الذرية الطاهرة من نسل سيد الشهداء.

ووقفت أقرأ لها الفاتحة وعينى على تلك اللوحة الكبيرة المعلقة فى المقام، والتى تُعرف بساكنة المكان وصاحبته، والتى سرعان ما تدرك أنها ليست وحدها، إذ تأنس روحها وجسدها بصحبة زوجة ابنها، الشريفة العظيمة، فاطمة بنت الإمام الحسن السبط، زوجة على زين العابدين، والتى أعقب الله سبحانه وتعالى منه ومنها وحفظ النسل الشريف إلى قيام الساعة.

ما أجملها من مصادفة، أن تجد نفسك فى تلك الروضة العاطرة بسيرة ورفات اثنتين من آل البيت النبوى، ظل مقامهما مغلقًا لفترات طويلة منذ زلزال العام 1991، حيث أشارت التقارير الهندسية إلى تصدعه بفعل الهزات الارتدادية واحتمالية انهيار بعض جدرانه، لكن الجدران صمدت وعاشت واستعادت عافيتها، وتواصل فتح أبواب الضريح على فترات متقطعة، بينها تلك الساعة التى كُتب لى فيها دخوله، والوقوع فى محبته، والتردد عليه كلما ذهبت لزيارة مولانا الإمام، والسلام على تلك المرأة العظيمة التى تزوجها الإمام وأنجبت له "زين العابدين"، وكأن عشق الحسين مكتوب عليها فى حياتها ومماتها، فجاء مرقدها إلى جوار مشهده، لتأنس بروحه إلى يوم يبعثون.

فمن تكون "أم الغلام"؟

 (2)

فى رحلة البحث عن "أم الغلام" ستصادف فى طريقك طوفانًا من الأساطير والحكايات الخرافية، التى لم يكن الغرض منها الكذب ولا التدليس ولا تزوير التاريخ، بقدر ما كان مصدره وسببه الأهم هو ذلك العشق الأسطورى الذى تفيض به صدور المصريين تجاه مولانا الإمام الحسين وكل ما يتصل به، فانسحب بالتالى على تلك القصص التى نسجوها عن زوجته "أم الغلام".

ويمكنك أن تضيف إلى ذلك عشق المصريين القديم والراسخ للأساطير فى ذاتها، فهى حاضرة معهم دوما، وممتدة فى كل العصور والأزمنة، فتجد فى الخيال المصرى ذلك الخليط العجيب بين الفرعونى والقبطى والإسلامى، وهو ما تلمسه فيما نسجوه عن السيدة أم الغلام، فتلحظ فيه بسهولة ذلك الطيف من أسطورتهم الخالدة عن "إيزيس"، ورحلتها العجائبية فى البحث عن أشلاء زوجها المغدور "أوزوريس" وإعادته إلى الحياة من جديد، وفى التصدى لقوى الشر والطغيان مهما علت وتجبرت وتغلبت، وفى حماية طفلها الوحيد الضعيف حتى يشب ويعيد الحق ويعدل ميزان العدل.


بذلك العشق الأسطورى يمكنك أن تفسر تلك الحكايات الخرافية التى نسجها الخيال المصرى عن "أم الغلام"، فهى عندهم مرة تلك المرأة المصرية البسيطة التى قادتها المصادفة إلى المرور على "كربلاء" فى يوم استشهاد الإمام الحسين، وكان برفقتها ابنها الصبى، ولما وقع بصرها على الرأس الشريف وهو مقطوع وموضوع فى "طست" وحوله عدد من حراس جيش يزيد، فإنها قررت أن تفديها ولو بروحها، وراحت تراقب الموقف حتى غفا الحراس، ولما خافت أن يكشفوا أمرها ويطاردوها إذا ما استيقظوا من غفوتهم، فإنها بكل جسارة "قطعت" رأس ابنها الغلام ووضعتها فى "الطست" مكان الرأس الشريف، وحملت رأس الحسين وطويت لها الأرض حتى وصلت إلى القاهرة ودفنتها بمصر، وهى كما ترى حكاية مغرقة فى الخيال والغرابة، وليس عليها سند أو دليل، بل فات على مخترعها أن مدينة القاهرة لم تكن قد بُنيت أصلا، بل إن بانيها القائد الفاطمى جوهر الصقلى لم يكن قد جاء إلى الدنيا!

ولكنه عشق المصريين للحسين، الذى جعلهم ينسجون الحكاية من جديد بتفاصيل مختلفة، فتقول الأسطورة الجديدة إن امرأة قبطية كانت قد أسلمت وأسمت نفسها فاطمة، ولما عرفت أن فرقة من جيش يزيد دخلت مصر بحثًا عن رأس الحسين، وأنهم فى طريقهم حيث توجد الرأس الشريف بمسجد "الصالح طلائع" القريب من بيتها، فإنها سارعت بنقلها إلى بيتها، ولما أحست أن جنود يزيد كشفوا أمرها وسيداهمون منزلها وسيأخذون رأس الإمام منها، فإنها دخلت على ابنها النائم وقطعت رأسه ولفته فى قطعة من القماش وسلمته للجنود، ولذلك سميت "أم الغلام "، وهى كما ترى رواية متهافتة وشديدة السذاجة هى الأخرى، وكل ما يمكنك أن تستشفه منها هو ذلك العشق الأسطورى للإمام الحسين الذى قد يدفع أم لتقطع رأس ابنها الغلام لتفتدى به رأس الإمام !

ولم تتوقف الأساطير المرتبطة بأم الغلام عند هذا الحد، فيمكنك أن تقف على أسطورة أخرى، عنوانها "حورية الحسينية"، وهو المسجد الشهير فى "بنى سويف" والتى تقول المرويات إنه يعود إلى "حورية" ابنة السيدة أم الغلام، ويرتاده الآلاف من محبى آل البيت طلبا للبركة، ولو حلفت لهم بأغلظ الأيمان وأقوى البرهان أن أم الغلام ليس لها ابنة اسمها حورية فلن يصدقوك، فهكذا سمعوا وصدقوا وآمنوا، تماما مثلما سمع وصدق وآمن الذين نسجوا تلك الأساطير عن أم الغلام التى قطعت رأس ابنها فداء لسبط النبى!

(3)

أما القصة الحقيقية لأم الغلام فهى مختلفة تماما، وهو ما تدل عليه تلك البيانات والمعلومات المدونة فى اللوحة الضخمة المعلقة فى ضريحها، والتى تشير إلى أنها من سلالة الملوك!

اسمها الأصلى "جيهان شاه"، وأكدت لى أكثر من مرة زميلتنا جيهان الأعصر، المخرجة السينمائية والمتصوفة العارفة بأنها أصبحت تعتز باسمها بعد معرفتها بأنها سمية تلك المرأة العظيمة "جيهان شاه"، وكانت ثالث بنات آخر ملوك الفرس "يزدجر الثالث"، بما يعنى أنها ولدت وشبت وتربت فى نعيم مقيم، وحازت من المجد والشرف ما يدير العقل، فقد كان أبوها  يزدجر بن شهريار بن برويز بن أنوشروان هو ملك ملوك اإامبراطورية الفارسية، وسليل الأسرة الساسانية العريقة، وحكم بلاد فارس طيلة عشرين عاما، إلى أن فتحتها جيوش المسلمين فى "القادسية" سنة 636 ميلادية، ودخلت "المدائن" عاصمة ملكه، وقعت بناته الثلاث سبايا فى أيدى المسلمين، ولما وصلن مع السبايا والغنائم إلى المدينة المنورة، كان من المفترض أن يجرى عليهن ما يجرى على السبايا، لكن الإمام "على " لما عرف بقصتهن أشار على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن ينزلهن المكانة اللاتى تليق ببنات الملوك، وأن يزوجهن ثلاثة من أكارم أبناء أكابر الصحابة يماثلنهن فى الكفاءة والمكانة، فتزوجت الأولى من عبدالله بن عمر (وأنجبت له ابنه سالم ) وتزوجت الثانية من محمد بن أبى بكر الصديق ( وأنجبت له ابنه القاسم )، أما "جيهان شاه" فتزوجت من الإمام الحسين وأنجبت له ابنه على زين العابدين.

وبالفراسة التى اشتهر بها عمر بن الخطاب، فإنه قال للحسين عندما وقع نصيبه فى "جيهان شاه": يا أبا عبدالله، لتلدن لك خير أهل الأرض "، فولدت له على زين العابدين، الذى كان يُلقب بالسجّاد، من كثرة سجوده وعبادته، وأيضا ب "ابن الخيرتين" استنادا إلى حديث منسوب لسيدنا النبى (ص) يقول: لله تعالى من عباده خيرتان، فخيرته من العرب قريش ومن العجم الفرس "..وكان على زين العابدين هو جامع الخيرتين، فجده لأبيه هو النبى القرشى، وجده لأمه هو ملك ملوك الفرس، وهو المعنى الذى قصده الشاعر الشهير أبو الأسود الدؤلى عندما قال فى مدحه:

وإن غلاما ما بين كسرى وهاشمِ / لأكرم من نيطت به التمائمِ وبعد إسلامها اختار لها الإمام الحسين اسمها الجديد "فاطمة" تيمنا باسم أمه: فاطمة الزهراء، ابنة النبى وحبيبته وزهرة آل بيته.. وعاشت "فاطمة" الزوجة فى كنف مولانا الحسين، فأحبته حد العشق، وعاصرت معه كل معاركه، وآمنت بعدالة قضيته فى مسألة الخلافة، وعاشت مأساته التى انتهت بالفاجعة الكبرى فى "كربلاء"، حيث وقف بمفرده فى وجه الباطل ودفع حياته ثمنا لما رأى أنه الحق، وكان الثمن باهظا، سالت فيه أنهار من دماء آل البيت الزكية، وكاد يفنى نسلهم الطاهر، لولا لطف مقادير الله التى شاءت وأنت بأن يكون ابنها "على زين العابدين" هو الناجى الوحيد.. فكيف عاشت أم الغلام تلك الفاجعة؟

وكيف جاءت إلى مصر؟

وما هى قصة قدوم "الرأس الشريف " لتبارك أرض هذا البلد؟

ما زال للقصة بقية..

 


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - «شوز» ولا فرد؟!

حافياً، يجلس الأسطى الذي يعمل في خياطة الأحذية بالذات

شخصيات لها تاريخ «11» فرانكلين روزفلت.. أنقذ الأمريكان من المجاعة

تدرج فى الصعود السياسى من رئيس تحرير صحيفة جامعة هارفارد حتى بلغ منصب حاكم نيويورك ورئيس الجمهورية لأربع فترات رئاسية...

عبد الكريم الحجراوى: «التشجيعية» حلم يراودنى منذ سنوات

جائزة الدولة المصرية أرقى وأهم الجوائز على الإطلاق الناقد فى عالمنا العربى مظلوم.. وانسحابه أفسح المجال للمجاملات والشللية

صنع الله إبراهيم.. مبدع قاوم السجن بالكتابة وحاكم المجتمع ب «شرف»

تعرض للتنمر فى طفولته بسبب اسمه ونحافته.. وظل مخلصًا لمبادئه حتى النهاية أسرته أعلنت عن إطلاق جائزة للرواية تحمل اسمه...