تحظى تحية كاريوكا بتقدير غامر من المتصوفة وأهل (الطريق)، ويمكنك أن تسمع عنها ما يذهلك من (محاسيب) السيدة نفيسة وستنا زينب بالذات، حكايات ومواقف وأحوال ومشاهدات
تحظى تحية كاريوكا بتقدير غامر من المتصوفة وأهل (الطريق)، ويمكنك أن تسمع عنها ما يذهلك من (محاسيب) السيدة نفيسة وستنا زينب بالذات، حكايات ومواقف وأحوال ومشاهدات يحكونها بفيض من المحبة، وهو أمر قد يبدو غريبا وعجيبا لدى هؤلاء الذين تجمدت انطباعاتهم ومعرفتهم بتحية عند دور الراقصة الشهيرة والممثلة القديرة والسيدة قوية الشخصية متعددة الزيجات!
وهى بالطبع انطباعات قاصرة، وتحتاج إلى تصحيح وتصويب، فأصحابها من المؤكد أنه قد غاب عنهم هذا الجانب الروحى المهم لدى تلك الفنانة الاستثنائية، فلم يتوقعوا هذه المفارقة المذهلة بين البدايات والمآلات، وأن بطلة "شباب امرأة" هى نفسها تلك السيدة التى جلست على الأرض تطعم الفقراء على عتبات ومقامات الأولياء!
الحق أن هذا الاتجاه الصوفى والجانب الروحى لم يبدأ فى حياة تحية بعد أن تقدم بها العمر وغادرتها الأضواء وضربتها الأمراض واقتربت من مشهد النهاية، بل كانت له جذور وشواهد وبدايات ودلائل قديمة تعود إلى سيرتها الأولى.. بل إلى طفولتها!
فاسمها الرسمى فى شهادة الميلاد ( بتاريخ 22 فبراير 1919) وهو "بدوية" اختارته لها جدتها لأبيها تيمنا بشيخ العرب، وكانت الجدة قد نذرت إن رزق ابنها بولد أن تسميه "السيد البدوي" فلما رزق بنتا لم تتنازل عن نذرها وسمتها "بدوية"!
(1)
وفى مذكرات تحية التى أملتها على الكاتب الكبير صالح مرسى تشير إلى أن والدتها "فاطمة الزهراء" تمتد بنسبها إلى سيدى على زين العابدين ابن الإمام الحسين..
وحكت لها أن والدتها هى التى علمتها الدروس الأولى فى الدين، وعلمتها الصيام وهى لم تزل طفلة فى الرابعة من عمرها..
وحكت أنها رغم دخولها الوسط الفنى ومن أكثر أبوابه تحررا فى صالات عماد الدين ولكنها لم تشرب الخمر ولم تستسغها، وكانت تطلب من الجرسون أن يأتى لها بمشروبها المفضل وهو "السيدر"، وكان عبارة عن مشروب وطنى يشبه المشروبات الغازية، لكن لونه كان يشبه الشمبانيا إذا ما صبته فى كأس من الزجاج، فكان أصدقاؤها يظنون أنها "تشرب"، لكن الحقيقة أنها لم تكن أبدا صديقة للخمر!
وحكت أنها رغم عدم تلقيها تعليما نظاميا ولم تحصل على شهادة دراسية، بعدما مات والدها وهى فى الرابعة من عمرها، وأساء إخوتها معاملتها بعد رحيل الأب وبخلوا عليها بالتعليم والرعاية.. إلا أنها كانت تتمتع بثقافة دينية حقيقية، تدين بها للشيخ عبد العزيز البشرى، وكان من كبار الكتاب والمثقفين فى زمنه من أصحاب الخلفية الأزهرية، كانت تحية تعتز بصداقته.. رغم أنها بدأت بمقلب كاد البشرى أن يضربها بسببه.
ثقفها البشرى دينيا، أما سليمان بك نجيب فهو الذى حولها من فتاة ريفية "براوية" إلى "ليدي" تعرف كيف تتكلم وتتصرف كالهوانم، بل جاء لها بمسيو "فيتاسيون" أشهر مدرسى اللغة الفرنسية لبنات الطبقات الأرستقراطية، وبسببه كانت تحية تتحدث الفرنسية بطلاقة!
أصبحت البنت الصغيرة التى هربت ذات ليلة من قسوة أخوتها وجاءت إلى القاهرة لا تملك ثمن تذكرة القطار..
لم ترث تحية عن والدها المعلم محمد على النيداني، "البحّار" الذى كانت حياته على ظهر السفن فى عرض البحر والذى تعود أصوله إلى الحجاز، سوى كرمه وجدعنته وحبه للفقراء.. و"يقول الذين عرفوا المعلم على النيدانى أنه كان رجلا كريما إذا وجد محتاجا أو فقيرا أو عاريا خلع عنه ما يرتديه من ملابس وترك على جسده ما يستره فقط حتى يعود إلى البيت".
ورغم الطفولة المعذبة وسنواتها شديدة القسوة التى عاشتها تحية، وهى التجربة التى كانت كفيلة أن تقتل روحها وتملأ قلبها غلظة، فإن شيئا من ذلك لم يحدث، بل العكس هو ما حصل، فقد اتسع قلبها للجميع حتى للذين ظلموها، وفاضت بمحبتها على الكل.. والمحبة هى زاد الطريق إلى الله.
كما أن "العطاء" هو من العلامات الأبرز على أهل الطريق، وكان عطاء تحية مضرب الأمثال حتى وهى فى سنوات الزهو الفنى بين الرقص والتمثيل، كان العطاء صفة أصيلة بها، ويمكنك أن تسمع عشرات الحكايات والروايات عن كرم تحية وجيبها "المخروم"..!
كانت فى الاستديو مرة تستعد لتصوير مشهد فى أحد أفلامها وتجهز نفسها فى حجرتها عندما دخل عليها من يهمس فى أذنها بأن أحد عمال الاستديو مات فجأة، وكان شابا ولديه أطفال صغار، وفوجئ الجميع بدموع تحية، ولولا دوران الكاميرا لذهبت لتواسى أسرته وتشد من أزرهم فى مصابهم، ولم تهدأ إلا بعد أن طلبت من مساعدتها أن تأخذ كل النقود الموجودة فى شنطتها وتذهب بها فورا إلى أسرة المتوفى الذى لم تكن قد رأته سوى مرات قليلة.. ولما أوصلها التاكسى إلى منزلها بعد نهاية التصوير فوجئت أن حقيبتها فارغة تماما من النقود فاستلفت أجرة التاكسى من بواب العمارة!
وعندما دخلت السجن بعد ثورة يوليو (فى قضية محاولة قلب نظام الحكم المتهم فيها زوجا ضابط الحرس الحديدى مصطفى كمال صدقى وثبت أنها لم تكن تعرف شيئا عنها وخرجت براءة بعد أن قضت 96 يوما فى السجن) فى خلال تلك المحنة عرفت تحية أن إحدى السجينات فى العنبر وضعت طفلا، ولما كانت السجينة فقيرة ولا تملك الاحتفال بوليدها، أصرت تحية أن تتكفل بمصاريف "السبوع" كاملة، وأرسلت لتشترى كل مستلزماته على حسابها من أغلى المحلات، وأقامت حفلا صاخبا للمولود فى الزنزانة، حتى لا تكسر بخاطر أمه!
وحدث أن كانت تسير مرة فى الشارع فلمحت رجلا يضرب حماره العجوز بعدما عجز على أن يجر عربته الكارو فى مطلع عال، فاستفزها المنظر وجرت بسرعة وشدت السوط من يد العربجى وضربته بلا وعى وهى تصيح فيه: حرام عليك يا مفترى ..! .. وفوجئت بالعربجى العجوز يجلس بجوار حائط ويبكى بقسوة وهو يبرر لها قسوته مع حماره العجوز بأنه لا يملك ما يشترى به طعاما كافيا له، وفوجئ العجوز بتحية تجلس بجانبه وتشاركه البكاء وتواسيه، ليس بالكلمات فقط، بل بكل ما فى حقيبتها من نقود.. وعادت إلى بيتها سيرا على الأقدام!
ولما عرفت بوفاة غريمتها أسمهان فى الحادث المأساوى الذى أودى بحياتها فى الترعة وهى عائدة من رأس البر (1944)، أصرت تحية على أن تتحمل مصاريف جنازتها، وبكتها كأنها أختها، وسامحتها على ما ارتكبته فى حقها، فقبلها كانت أسمهان قد "خطفت " منها زوجها أحمد سالم وتسببت فى طلاقها منه!
إنها تلك الروح الحلوة المتسامحة، الروح الطفولية التى لا تعرف الكراهية ولا الغل والتى كتب عنها صالح مرسي: إن تحية – التى بلغت الخمسين من عمرها – ما زالت تهوى لِعب الأطفال وتشتريها وتلعب بها.. أحب هذه اللعب إلى نفسها "العرائس" وإذا ما اشترت تحية "عروسة" حافظت عليها ورعتها ودللتها، حتى إذا سئمت منها أعطتها لأى طفل يصادفها، أما قبل ذلك فالويل لمن تمس يده عروستها المفضلة"!
(2)
جُبلت تحية على حب الخير وحب الناس، فى عز مجدها وحين كانت تتقاضى مبالغ طائلة فى الحفلات والأفراح، كانت لا تتردد فى إحياء الحفلات الخاصة بالجمعيات الخيرية.. متطوعة وبلا أى مقابل، بل تدفع من جيبها لدعم تلك الجمعيات، وخاصة الجمعيات الخاصة برعاية النساء الفقيرات، وبينها جمعية "تحسين الصحة"، فلم تكن تكتف بالمشاركة فى حفلها الخيرى السنوي، بل تشترى على حسابها ماكينات الخياطة والأقمشة كمساعدة لهؤلاء الفتيات الفقيرات اللاتى تراعيهن الجمعية.. فلم تنس يوما السنوات التى لم تكن تملك فيها ثمن فستان جديد!
بتلك الروح الإنسانية الصافية العذبة سارت تحية فى "الطريق" الذى أوصلها إلى حالة حقيقية من التصوف..ارتبطت روح تحية بمقام السيدة نفيسة رضى الله عنها، كانت من محاسيبها، وحكت لى صديقتنا المخرجة السينمائية جيهان الأعصر عن مرات عديدة قررت فيها – بسنوات طفولتها وصباها – أن تبيت فى مقام السيدة نفيسة، وفى كل مرة كانت تجد تحية كاريوكا بجوارها فى المقام، تقضى الليل كله فى حالة من الوجد والذكر، هى وحدها مع الله، وعندما تنتبه لوجود تلك الطفلة تربت على رأسها فى حنان وتمنحها قطعة من الحلوى.. ودائما كان معها "حاجة حلوة"!
وعلى طريقة ستنا نفيسة فى التقرب إلى الله بإطعام الطعام سارت تحية كاريوكا، وليس سرا أنها كانت صاحبة واحدة من أقدم موائد الرحمن التى عرفتها القاهرة، كانت تقيمها لمحاسيب ومجاذيب السيدة زينب رضى الله عنها، تقيم سرادقها فى شهر رمضان، وتشرف بنفسها على إعداد الطعام وتشارك فى طهوه وتقديمه لضيوفها، وأغلبهم من الفقراء والمساكين، بل تطعم العجزة بيدها، وتعرفهم بالاسم، وتفتح بيتها طوال العام لمن يحتاجها منهم ولا ترد سائلا.. وفى سنواتها الأخيرة لم تكن الحاجة تحية تترك مولدا من موالد "الأكابر" دون أن تذهب إليه وتشارك فى إطعام الطعام وخدمة أهل الله كما كانت تسميهم..
(3)
استيقظت تحية كاريوكا ذات صباح فاكتشفت أنها لم تعد تملك شيئا فى الحياة إلا اسمها وتاريخها..وقتها كانت متزوجة من زوجها الأخير فايز حلاوة، شريكها فى فرقتها المسرحية ومؤلف عروضها، والذى كان زواجه منها "وش السعد" عليه، فتفتحت له الأبواب وحظى بشهرة لم يكن يحلم بها..وبعد كل ما فعلته من أجله استولى على كل ما تملك.. بل وأخرجها من شقتها التى اشترتها بحر مالها.. ووجدت تحية نفسها لا تملك شيئا من حطام الدنيا، وكل ما ادخرته بعد ستين عاما من المجد.. ضاع !
بل – والأكثر قهرا – أخذه زوجها ليتزوج به أخرى.. بفلوسها وفى بيتها!
ولولا أولاد الحلال العارفون بقيمتها وتاريخها لأصبحت تحية فى الشارع شريدة بلا مأوى!.. فقد وجدت من يقدم لها مكانا تعيش فيه، حمدت الله عليه رغم أنه كان أقل كثيرا من بيتها الفخم..
المدهش والمثير أن تحية صفحت وغفرت لمن فعل فيها كل هذا الشر.. وقبل رحيلها وفى نوبة ضمير ذهب إليها عارضا أن يعيد إليها ما أخذ منها، لكنها طلبت منه أن يحتفظ بكل شيء وأنها لا تريد منه شيئا.. هكذا ببساطة ورقى وسماحة لا يقدر عليها إلا الكبار من أصحاب الأرواح العظيمة.. وأهل الطريق!
وقد لفتت جيهان الأعصر إلى زاوية مهمة فى تلك الواقعة، فكثيرون كانوا مستغربين لموقف تحية وما اعتبروه سلبية فى استعادة حقوقها وإعادة ما أخذ منها سلبا وتحايلا وجهة نظرها أن تحية بدت مستسلمة لقدر الله، فقد فهمت مغزاه ورسالة الله، وهو أنه أراد أن يطهرها من كل ما كسبته، لتلقى الله وهى تقية نقية.. لا تملك إلا قلب سليم!
(4)
إننا أمام شخصية استثنائية بكل المقاييس، فنيا وإنسانيا، لم يبالغ إدوارد سعيد المفكر العالمى عندما كتب عنها: كانت تحية تحمل ثقلا وسلطة نابعين من كونها أكبر بكثير من مجرد راقصة شرقية".
"إنها جزء من نهضة ثقافية أساسية.. وحركة إحياء وطنى فى الفنون ارتكزت على حركة سعد زغلول الليبرالية المستقلة وعلى ثورة 1919.. وكانت الشخصيات الفنية تضم نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وطه حسين.. ومغنين من أمثال أم كلثوم وعبد الوهاب.. وممثلين مثل سليمان نجيب ونجيب الريحاني".
أما عبد الوهاب فقد لخصها فى تلك الجملة البليغة: كانت تحية "مسبك" مصريا أصيلا!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في عام 2026، ستظل الهواتف الذكية من أهم الأدوات لمتابعة الأحداث الرياضية واستخدام منصات. تعمل على تطوير تطبيق جوال لأنظمة...
الجو جهنم الحمرا.. حتى إن الأطفال الذين قطعوا مسافات شاسعة من أجل المباراة المنتظرة، خلعوا الفانلات التى أتوا بها مكوية...
في زمن تتعدد فيه النصائح السريعة حول السعادة، تقدم الروائية جهاد جمال كتابها «الطمأنينة تليق بك» من زاوية مختلفة؛ فلا...
التاريخ تصنعه الحكايات الفردية.. والكاتب صوت من لا صوت له «مذكرات نشال» فتحت أمامى أبوابًا واسعة للبحث واكتشاف عوالم جديدة