المنسى قنديل يفضح الرجعيـة بـ «قصة حب» فى الصعيد

يُثبت الكاتب والروائى الكبير محمد المنسى قنديل (مواليد المحلة الكبرى عام 1949) أن الكاتب هو ذلك المبدع الذى يستطيع أن يكتب عن أماكن وبشرٍ قد لا ينتمى إليهم من حيث

يُثبت الكاتب والروائى الكبير محمد المنسى قنديل (مواليد المحلة الكبرى عام 1949) أن الكاتب هو ذلك المبدع الذى يستطيع أن يكتب عن أماكن وبشرٍ قد لا ينتمى إليهم من حيث الثقافة والنشأة، لكنه يبقى قادرا بصدقه ـ وقدراته الإبداعية الأخرى على أن يتبنّى قضية هؤلاء الناس، وأن يغزلَ عالمه الروائى من قصص بؤسهم راويا تجربتَه معهم ـ  قصة حب ووحدة وغربة ـ وأن يكون كل ذلك داخل ثوب روائى قشيب، يجعل القارئ يتبنى ـ بدورِهِ ـ قضيَّتهم الإنسانية العادلة، وهو ما فعله قنديل على أجمل صورة ممكنة، وبلغته الشاعرية الجذابة، فى روايته الجديدة "طبيب أرياف"، الصادرة مؤخرا عن "دار الشروق".

لقد تبنَّى الكاتب المولود فى مدينة المحلة الكبرى "الوجه البحري"، قضية هؤلاء الناس، الذين ضيَّعهم الفقر والجهل والمرض، ونهشت أجسادهم "البلهارسيا"، مُعرياً مستويات البؤس الذى يعيشه أهلنا فى الصعيد، مُفضلا ـ وهو الكاتب المولود فى شمال الوادى  أن يطلق حكايته مقدما قصة حب ملتهب، وسط عوالم مظلمة وتقاليد صارمة مفتوحة على ثقافة الصحراء، يتصارع فيها البشر والغجر والقوى الحاكمة، حيث يقضى البطل ـ الراوى  عدة شهور، كطبيب للوحدة الصحية فى إحدى قرى الصعيد المطلة على "بحر يوسف"، الذى يسمونه "البحر المحيط".

حين يفتح العامل "دسوقى السنجابي" أبواب الوحدة الصحية أمام الطبيب الشاب، يبدو المشهد فى بداية الرواية كأنه محاولة لفتح أبواب السرد على قصة قديمة من السيرة الذاتية للكاتب، لكنها قصة غبَّرها الزمن، على الرغم من أن الحدث يقع فى إحدى قرى الصعيد نهاية عقد السبعينيات من القرن العشرين، حين أرسلت وزارة الصحة طبيبا شابا تخرج لتوه فى "كلية الطب"، إلى وحدة صحية فى قرية لا توجد بها كهرباء، والوسيلة الوحيدة للوصول إليها من المدينة هى أتوبيس متهالك تركبه الحيوانات والطيور قبل الإنسان، ويطلق عليه الأهالى اسما ملائما: "أحلاهم"، أما داخل الوحدة فقد كان التراب المتراكم وخليط من رائحة العفونة وزجاجات محاليل "الراوند" هى أول ما يأتى من الداخل المظلم، حيث تضاء الوحدة الصحية ليلا بالكلوبات، وحيث تنتشر الفئران فى كل مكان.

"الجازية"

مِثل كل روايات المنسى قنديل لابد من قصة حب لاهبة وسط موجات من الأحداث التى تسيل فيها الدماء ويعم فيها الدمار والخراب، قصة حب لا يقبل لها كاتبها كل مرة، إلا أن تكون واقعية جدا من ناحية، وتكشف من ناحية أخرى عن جوانب من الظلم الاجتماعى والجرائم غير المنظورة التى يرتكبها أبطال الرواية، تحت وطأة التقاليد والأفكار الرجعية، وهو حتى لا يصطفى بطله من الخطأ، بل يعترف الطبيب الشاب "الراوي" على نفسه، فالكاتب على ما يبدو أراد أن يرتدى قناع البطل غير البريء، وهو القناع الذى يروى بدوره الحكاية، وهذا الراوى يحكى مرتديا قناع "كاتب المذكرات"، وأنت سوف تقتنع تماما بصحة هذه الاعترافات وعبقرية هذه الأقنعة كلها، بسبب حيلة لعبها الكاتب بنجاح، ففى حين يتحدث عن جرائم ارتكبت تحت ناظريه، وسط مجتمع سمته الأساسية الرجعية والتخلف، لم يشأ أن يذكر اسم القرية أو المركز أو المدينة التابعة لها هذه الوحدة بطول الرواية وعرضها، لكى يحكم الحبكة، ونصدق أنها قصة واقعية، بمعنى أن الكاتب قد يكون ارتدى قناع "الراوي" والراوى ارتدى قناع كاتب المذكرات فى محاولة منه لإخفاء دليل قاطع على صحّة الحكاية.هذه الرواية تعتمد فى بنائها على مفهوم "السبيكة"، ورغم أنها تنتمى إلى مكان وزمان محددين، وتحكى أحداثها قصة نهاية حاكم محدد هو الرئيس الراحل محمد أنور السادات وبداية حاكم آخر، هو الرئيس الراحل محمد حسنى مبارك، فإنها لا يُمكن تصنيفها على أنها عملٌ واقعى محض، ولا يمكن وصفها بأنها رواية "فانتازيا" أو خيال خالص، بل هى سبيكة تجمع بين الخيالى والواقعي، بمعنى أنه رغم اعتماده على الأساس الواقعى المحض للحكاية، إلا أنه يكون حريصا على أن تتيه الفروق بين الخيالى والواقعى أحيانا، لدرجة أننا نصادف اسم البطل فى نهاية الرواية "الدكتور علي"، لكننا لن نصادف أبدا اسم القرية التى تدور فيها الأحداث، فيما يذكر لنا بعض المعالم، مثل "بحر يوسف" أو أسماء بعض القبائل، ليبقى السؤال عالقا: هل أخفى الكاتب اسم القرية من فرط واقعية الأحداث، أم من فرط تكرارها وانطباقها على عشرات القرى الشبيهة فى الصعيد..؟!

توجه الرواية إدانة مباشرة للرجعية بكل صورها، ها هو الطبيب الشاب ـ ذو التاريخ السياسى الذى قاده من قبل إلى ظلام الزنازين ـ يصل إلى القرية النائية ليلا، فيكتشف أن الظلام الذى صادفه فى الزنازين ربما كان أقل سوءا من ظلام المعنى والمبنى الذى عاشه فى الصعيد، مكتشفا أن الظلام الذى يحاصر الجدران ليلا فى بيوت القرية، لا بد أن ينتج تلك الأفكار البالية، فها هى القرية ـ المحرومة من كل الخدمات تقريباـ تخرج عن بكرة أبيها فى مشهد للقتل الجماعي، فى محاولة للتخلص من رجل مسيحى أقام علاقة مع امرأة مسلمة "جليلة" ونتج عنها أنها صارت حاملاً، لقد تم وضع الرجل بعنف على الحمار لتجريسه وطرده، إلا أن العقلاء فى القرية استطاعوا أن يخلصوه من قبضة الغاضبين. فى الوقت الذى تم فيه قتل "جليلة" على أيدى أشقائها الثلاثة، وتم تصنيفها طبعا "جريمة شرف".لقد اكتشف الطبيب الشاب أن القوانين البدائية السائدة فى هذه البلاد، لا تخدم سوى سلطة مطلقة تعتمد عليها وتستمد قوتها منها، كما اكتشف أن الفساد الإدارى الذى يسبب عجزا فى وصول الأدوية التى خصصتها الدولة للوحدات الصحية، لا يقع ضحاياه سوى الآلاف من الفلاحين الأبرياء، وبينما ينشغل البطل الطبيب بالهموم العامة لا ينسى نفسه ووحدته فى هذه الغربة، حين يكتشف أن واحدة من الممرضات اللائى يعملن تحت إمرته هى الحسناء الجميلة "فرح"، فيسقط فى حبها فورا ومن أول نظرة، ويبدأ سلسلة من الأخطاء، قبل أن يعرف أنها متزوجة من ابن عمها المريض "عيسى"، فالطبيب هنا بطل إنسانى بسيط وموتور أحياناً، بمزاج "فنان"، تقوده قدماه إلى ممارسة الجنس مع الممرضة "فرح" فى أحد فنادق المدينة، مثلما تقودانه إلى مجاورة "الغجر"، والاستماع إلى قصص الراقصة "الجازية" عن "بنى هلال"، وهى راقصة غجرية تمثل الشخصية النسائية النقيض لـ "فرح"، رغم التشابه الدقيق بينهما، بينما تمثل التيمة التراثية التى يعزفها الكاتب فى بعض أعماله، ليقول من خلال التراث بعض ما يجب أن يقال.

ضباع الصحراء

تنتهى الرواية بمشهد ختامى شديد القسوة والشجن يدين كل أطراف السلطة فى القرية، ويدين البشر أنفسهم، الذين يؤمنون بثقافة الصحراء، ويتجاوب مع الحكاية التى ترويها "الجازية" للأهالي، ففى لحظة تهور منح الطبيب العاشق مبلغا لزوج الممرضة الحسناء، ليترك عيسى فراش الزوجية، ويسافر "سلكاوي" عابرا الصحراء مع أحد العربان، وهو ما تسبب فى نفوقه ورفاقه فى الصحراء بعدما خدعهم الدليل، وصار المشهد الختامى هو أن مأمور المركز "الشخصية المتسلطة" يقود مجموعة كبيرة من العساكر خلف الضحايا الذين سقطوا فى الصحراء، مصطحبا معه الطبيب، بغية إنقاذ الأحياء وانتشال جثث الموتى، كما اصطحب معه "الجازية" كونها تعرف المدقات والطرق الصحراوية، وعادوا فى نهاية الرواية إلى القرية بصحبة الجثث المفقودة، تلك الأعمار التى ضاعت وراء أحلام الصحراء، لدرجة أنهم حينما اكتشفوهم فى الصحراء كانت الضباع قد نهشت أمعاءهم ومزقت من لحمهم ما استطاعت الوصول إليه، وجعلتهم هياكل عظمية فارغة، ضحايا حقيقيين لثالوث "الرجعية" الخالد: الفقر والجهل والمرض. أعتقد أن "طبيب أرياف" رواية "سيرة ذاتية" بامتياز، تنتمى إلى ما يسمى "كتابة الذاكرة"، بمعنى أن جزءا واقعيا لاشك أنه شكل العالم الذى دارت فيه الأحداث، لكن خيال الكاتب هو الذى أكمل ألوان الصورة ورسم ملامح ووجوه الشخصيات، ومنح التفاصيل التى بهتت فى الذاكرة بعض البريق. ويُفرّق كثير من النقاد بين "كتابة الذكريات" التى تنبع من الطفولى الهارب والمسكون بسعادة ملتبسة، وكتابة الذاكرة، تلك الكتابة التى نحاول بها نسيان الأوجاع، والتى تساعدنا على التطهر والتخلص من مشاعر الأسى، وهو النوع الذى نجده فى هذه الرواية التى تتحدث عن فترات الاعتقال والمرض المزمن، وتسمى رواية ذاكرة.

من ملامح هذا النوع عند المنسى قنديل ما تستدعيه ذاكرة الرواية من التراث العربي، بما يخدم الفكرة الأساسية من الرواية، فهو يستدعى من "السيرة الهلالية" التى ترويها فتاة الغجر "الجازية"، ما ينتصر به لمصر المسالمة على حساب العرب المقاتلين، "الجازية" بطلة الرواية التى تحكى قصة الجازية فى "السيرة الهلالية"، وتحكى عن العرب وتقول إنهم أناس يعشقون الرحيل مثل الغجر، وتستدل على صحة ذلك بأن بنى هلال حينما جاءوا إلى مصر لأول مرة كانوا يريدون عبور نهر النيل للوصول إلى تونس، لكن سلطان مصر وأهاليها رفضوا أن يعبروا بهم نهر النيل فاضطر العرب إلى الإقامة المزعجة فى مصر، بمعنى أن يمارسوا عمليات النهب والقتل للأهالى الفلاحين المسالمين، تقول بطلة المنسى قنديل:

"بمرور الأيام تحولت الإقامة بجوار النهر لكابوس، عاجزين على التقدم غير قادرين على الاستقرار، وكانت فكرة دياب التى قاموا بتنفيذها فورا، أن يكونوا ضيوفا مزعجين، يبدأون فى الإغارة على القرى يسرقون المواشى ويقتحمون أقنان الدجاج، ويسطون على المحاصيل، لم يكن الفلاحون على ضفاف النهر يملكون سيوفا ولا رماحا، كانوا دوما يقاومون بالفئوس والعصى وينهزمون، ما يجيدونه فقط هو الغرس والحصاد لا القتال، حياتهم هى الاستقرار مع جيرانهم، وليس الإغارة عليهم، لذلك استطاع بنو هلال أن يحولوا حياتهم إلى جحيم".

تقول السيرة الذاتية للكاتب محمد المنسى قنديل إنه تخرج فى كلية طب المنصورة عام 1975، وعمل بعد تخرجه فى ريف "محافظة المنيا" لمدة عام ونصف العام، وانشغل فى هذه الفترة بإعادة كتابة التراث إلى أن اعتزل الطب وتفرغ للكتابة، وأصدر مجموعات قصصية هي: "من قتل مريم الصافي؟"،  "احتضار قط عجوز"، "بيع نفس بشرية"، "آدم من طين"، "عشاء برفقة عائشة"، وكانت أولى رواياته "انكسار الروح" عام 1988، وتوالت بعدها أعماله الروائية: "قمر على سمرقند"، "يوم غائم فى البر الغربي" ـ التى تحولت إلى مسلسل باسم "وادى الملوك"، ووصلت إلى القائمة القصيرة لـ "الجائزة العالمية للرواية العربية" عام 2010، و"أنا عشقت" ـ تحولت إلى مسلسل عام 2013 ـ و"كتيبة سوداء"، وله عدة كتب عن التراث: "لحظة تاريخ 30 حكاية من الزمن العربي"، "شخصيات حية من الأغاني"، و"تفاصيل الشجن فى وقائع الزمن"، بالإضافة إلى ذلك كتب السيناريو إلى السينما، ومن أشهرها فيلم "آيس كريم فى جليم".


 	محمود خيرالله

محمود خيرالله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

صلاح عبد الصبور.. الفارس النبيل الذى انكسرت أحلامه سريعا

فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى...

نوران خالد: رواياتى ترصد سعى الإنسان نحو الحرية

الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية

ابتلى به الإنسان من بداية الخلق .. الاختيار مسئولية

بدأت فلسفة الاختيار بمناقشة مسألة القدر المحدد بعلم الله مسبقاً ومن هنا ظهرت مذاهب فلسفية كالجبرية والمعتزلة والأشعرية

شخصيات لها تاريخ «99» إدريس السنوسى.. أول وآخر ملك فى المملكة الليبية

تربّى فى الزاوية ودرس العلوم الشرعية وكان يحب مجالس العلماء ويقربهم إليه وامتلك واحدة من أكبر وأهم المكتبات فى العالم...