«40» فلاح السينما الفصيح (2) قصة «الكاهن» و«الملكة»

شادى عبد السلام بعيون نادية لطفى اعترافات نادية عن علاقتها بشادى: توأم روحى 7 متشابهات جمعتهما من العرق الصعيدى إلى الشغف بتاريخ مصر

رسمياً وعلى الورق: يعتبر شادى عبدالسلام أقل المخرجين الذين تعاملت معهم نادية لطفى فى مشوارها السينمائى من ناحية عدد الأفلام، فلم تزد تجربتها معه على فيلمين لا غير، أولهما روائى «المومياء» (1969)، وثانيهما تسجيلي «جيوش الشمس» (1973)..

عملياً وواقعياً: كان شادى هو الأقرب روحياً وعقلياً لنادية، بل تدهشك العلاقة التى ربطتهما، وتحتار أن تجد لها مسمى يعبر عنها بدقة وشمول.  

فى حواراتنا الرسمية كانت تسميه «كاهن السينما»، لكن بعيداً عن الرسميات وفى جلساتنا الخاصة تسميه «الواد شادى»، وتنطقها بمحبة وتقدير، وتلمع عيناها بود آسر فى كل مرة تأتى سيرته، ولا تمل أبداً من الحديث عنه، ولا تنسى أبداً تذكيرى بأن ديكور شقتها التى نجلس فيها من صنع وإبداع شادى، وأن تلك اللوحات المعلقة فوق رؤوسنا بصالة شقتها هي عبارة عن خطابات بخط شادى كتبها لها باللغة المصرية القديمة أثناء التحضير لفيلم «إخناتون» - حلمه الذى لم ير النور- وكان قد رشحها لدور «الملكة تى» أم إخناتون، وكان يخاطبها وقتها فى مكالماته وخطاباته بتلك الصفة: جلالة الملكة!  

من حواراتى الطويلة مع نادية يمكننى أن أرسم صورة كاملة لتاريخ علاقتها مع شادى، وبمعنى أدق يمكننى أن أقدم كاهن السينما بعيون الملكة تى:  

 بدأت علاقتى مع شادى فى كواليس تصوير «الناصر صلاح الدين» (1963)، عندما رشحنى يوسف شاهين لدور الفارسة لويزة، ورشح شادى لتصميم أزياء الفيلم التاريخى الضخم مع خبير الأزياء العالمى مسيو كراز، ولفت شادى نظرى وهو يعمل بصبر وإتقان وشغف ووعى ومتعة، ويعيش مع التفاصيل ويعرف دقائق التاريخ المصرى.. وهو الأمر الذى منحه تميزاً خاصاً فى تصميم ديكورات وأزياء الأعمال التاريخية وقتها مثل فيلم «وإسلاماه».  

وخلال فترة تصوير «الناصر» الطويلة وما رافقها من تأجيلات بسبب مرض مخرجه الأول عز الدين ذو الفقار، وإسناد المهمة ليوسف شاهين، وما تعرضت له منتجة الفيلم السيدة آسيا من تعثرات مادية، جمعنا فى الوقت نفسه فيلم «الخطايا»، رشحنى حسن الإمام لدور البطولة أمام عبدالحليم، كما رشح شادى لعمل الديكور وأبدع فيه، كما كان عبدالحليم يستشيره فى ملابسه وثق فى ذوقه.  

لكن صداقتى الحقيقية مع شادى بدأت عندما جمعنا فيلم «السمان والخريف» من إخراج حسام الدين مصطفى (1967)، وقتها تصادف أننى استأجرت شقتى فى شارع كامل الشناوى بجاردن سيتى، قلت لشادى: نفسى أعمل ديكورات للشقة الجديدة تكون شبهى، وشرحت له قصدى: تكون بسيطة ومميزة، وتهمس شادى للمهمة، وجاء مرات لعمل معاينات ولرفع المقاسات، وذهب بنفسه لشراء الخامات، وفاصل فيها واشتراها بأسعار معقولة جداً، وعمل كل حاجة بنفسه وبمزاج، حتى اللوحات الموجودة على الحوائط هو اللى اختارها وعلقها بنفسه.. فعلاً عمل ديكور فوق ما تصورات، وكل واحد يدخل الشقة لازم عينه تقف عند ديكورات شادى، كل اللى زودته بعد وفاته أننى علقت الخطابات التى كان يرسلها لى بخطه الجميل ويكتبها باللغة الهيروغليفية ويخاطبنى فيها بلقب جلالة الملكة.. ويقصد «الملكة تى» التى رشحنى لدورها فى فيلمه الأخير «إخناتون».. وهذه قصة طويلة بدأت بعد «المومياء»، فيلمه الأيقونى الفارق فى تاريخ السينما المصرية والعالمية بلا مبالغة.  

 عشت معه «المومياء» منذ أن كان فكرة فى عقله، ما زلت أذكر شغفه بالعمل وذوبانه فيه وتوحده مع شخصياته، أعاد كتابته 4 مرات بالكامل حتى يصل إلى الكمال الذى ينشده، وعندما قدمه إلى مؤسسة السينما لم يتحمسوا له وتعاملوا معه باستهانة ولم يفهموه ولم يستوعبوا قيمته وتفرده، لم يجدوا فيه نجماً ولا نجمة، ولا أغنية ولا رقصة ولا مشاهد كوميدية ولا أكشن، فهذه هي السينما التى يعرفونها.. ولم يكن «المومياء» يحمل أيأ من توابل الأفلام التجارية المضمونة الربح، ولذلك لم يحظ الفيلم بحماس موظفى المؤسسة.  

 وبحكم صداقتنا كان يسمح لى وقتها بأن أزوره فى مكتبه بشارع 26 يوليو وأحضر معه تجهيزه للفيلم، وكنت أجلس بالساعات أتأمله فى إعجاب وهو يعمل فى صمت ودأب وشموخ وسط تلاميذه، حتى كان يبدو لى وكأنه كاهن فرعونى فى معبد مقدس بين أتباعه ومرديه، يعلمهم مفاتيح الحكمة وأسرار الكون.  

 وتعاطفاً معه اقترحت عليه أن يضمنى إلى فريق العمل بالفيلم، ويتقدم إلى مؤسسة السينما بتعاقده معى على المشاركة فى تمثيل «المومياء»، وأعطيته موافقة على بياض وبدون أجر، وكنت أعرف أن تلك الموافقة هي الحل السحرى الذى سيحصل به على موافقة المؤسسة على إنتاج الفيلم، وهو ما حدث بالفعل، ولم يكن ما قمت به مجرد حل بسيط، بل مغامرة يمكن أن تكلفنى ما حققته يومها من رصيد كنجمة شباك فى السينما المصرية، إذ كان فشل الفيلم تجارياً يعنى أن تنخفض أسهمى وتتراجع، فى حين أن شادى لم يكن ليخسر شيئاً لأنه كان فيلمه الأول.. ورغم ذلك لم أتردد فى المغامرة لأن ثقتى فى موهبة شادى كانت مطلقة وعلى بياض..  

وتقديراً لما فعلته من أجله واستغلالاً لوجودى عكف شادى على تعميق شخصية «زينة»، المرأة التى يرسلها القواد مراد لتاجر الآثار لتغوى «ونيس» لإتمام الصفقة، وهى شخصية كانت هامشية فى السيناريو الأصلى، وأضاف لها شادى أبعاداً وأعماقاً، ورغم أن مساحة الدور لم تكن تزيد على خمس دقائق، لكنه كان من أصعب الأدوار التى مثلتها فى حياتى، إذ كان مطلوباً منى أن أعبر عن كل تحولات الشخصية الغامضة بنظرة العين دون كلمة واحدة، وكيف تتحول علاقتها بونيس من مجرد زبون إلى حبيب بعد أن تقع فى هواه وتنسى مهمتها الأصلية.  

 ورغم حملة النقد الشرسة التى صاحبت وتلت عرض الفيلم (1969)، والاتهامات التى طالته بالفشل التجارى بل وطالت المؤسسة بإهدار المال العام، ووصل الأمر بأن كتب أحد النقاد ينصح شادى بالبحث عن مهنة أخرى غير الإخراج السينمائى.. أقول رغم كل هذا النقد الصاحب لم أفقد إيمانى بشادى وفيلمه، ولم تهتز ثقتى بموهبته، ولم تتغير قناعتى بأن «المومياء» عمل عظيم وسابق لعصره، وسيأتى اليوم الذى يجد فيه من ينصفه ويرد لشادى حقه وقدره.. ولم يطل الانتظار، فعندما عرض الفيلم بعدها فى مهرجانات السينما العالمية فإذا بالعالم يقف منبهراً ومذهولاً، وخرجت مقالات بأقلام أعظم نقاد السينما العالميين وأهم مطبوعاتها تشيد بالفيلم وصاحبه، وإذا بالهجوم الساحق عليه فى مصر يتحول إلى مديح وإشادة.. ولم يكن مدهشاً لى أن يحتل الفيلم هذه المكانة ويتصدر قائمة أهم الأفلام فى تاريخ السينما المصرية.. فرحت لشادى أكثر مما فرحت لنفسى بما كتبوه عن دورى وبراعتى فى تمثيل دور «زينة»..  

بعد نجاح «المومياء» بدأ شادى يفكر فى مشروعه التالي، فيلم عن «إخناتون» وقصة التوحيد فى مصر القديمة، وكيف واجه الكهنة فكرة التوحيد وقاوموها للحفاظ على مصالحهم ونفوذهم وامتيازاتهم، وكيف وقفت الملكة «تى» تساند ابنها وتدعمه فى دعوته ورسالته.. ومن فرط حماسى لشادى ومشروعه اشتريت كل ما توفر فى المكتبة وقتها من كتب ومراجع عن تلك الحقبة، بل كبر الموضوع فى دماغى وقررت أن أتعلم اللغة المصرية القديمة، وكان شادى يغذى فىّ هذا الجنون الفنى، ويكتب لى رسائل بتلك اللغة على ورق البردى ويضع اسمى - الملكة تى - فى خرطوشة على عادة المخاطبات الملكية الفرعونية.. واعتزازاً بتلك الرسائل وضعتها فى براويز فخمة تليق بها وعلقةتها فى صالون بيتى، الذى يحمل كل ركن فيه بصمة وسحر شادى.  

 قعد شادى 15 سنة يُحضر لفيلم «إخناتون».. وطوال تلك السنين لم يفقد شغفه ولا حماسه وكأنه فى صلاة، يرسم كل شوت، الشخصيات والملابس والديكور، لا يكل ولا يمل، لكن الفيلم كان يحتاج إلى ميزانية ضخمة، وكنت أعرف أن هناك جهات عربية وأجنبية عرضت عليه تمويل الفيلم لكنه رفض بحسم، لأنه كان على قناعة أنه فيلم مصرى ويجب أن يكون بتمويل مصرى..  

 عنوان الفيلم كما كتبه شادى هو «إخناتون.. مأساة البيت الكبير»، وكأنه كان نبوءة بمأساة شادى، فقد عاش معه مأساة شخصية عندما اكتشف إصابته بالداء اللعين، وتعامل معه بصبر وكبرياء، ورغم تكاليف العلاج الباهظة إلا أنه رفض أي مساعدة، وقرر أن ينفق على علاجه من جيبه الخاص حتى اضطر فى فترة لأن يبيع أثاث بيته.. كنت أعرف ظروفه ومعاناته وكبرياءه وأنه لن يتقدم أبداً بطلب للعلاج على نفقة الدولة، فجنيته الحرج واتصلت بوزير الثقافة يومها - د. أحمد هيكل - وكذلك بوزير الصحة - د. حلمى الحديدى - وعدد آخر من كبار المسئولين فى الدولة، وناشدتهم التدخل لإنقاذ شادى واستصدار قرار بعلاجه على نفقة الدولة وضرورة سفره للخارج، وما إن تمكنت من استصدار القرار حتى رحل شادى فى 8 أكتوبر 1986 عن 56 عاماً (مواليد 15 مارس 1930)، فى نهاية تراجيدية تليق بكاهن السينما وفلاحها الفصيح.  

 لم أذهب إلى عزاء شادى لأواسى أسرته، بل وقفت معهم لأتلقى العزاء وكأننى واحدة من أسرته.. وهى ليست مبالغة، فهناك صلة قرابة حقيقية تربطنى به، فوالده عبدالسلام بيه - كما كنا نناديه - قريب جدتى لأمى.. ثم إن صلة الروحية والإنسانية به كانت أعمق من قرابة الدم.. كنت أشعر أننى فقدت توأم روحى وصديق عقلى وشقيق فكرى..  

 بعد رحيل شادى تجدد الحديث عن «إخناتون» وضرورة تحقيق حلم شادى بخروج الفيلم للنور، خاصة أن شادى انتهى من كل تفاصيله، كتابة وديكوراً وأزياء وديكوباج، واقترحوا أن يتولى تلميذه المخلص صلاح مرعى المهمة، لكنى رفضت الفكرة، وكان وجهة نظرى أن الفيلم ليس مجرد سيناريو وديكور، فروح شادى وبصمته ورؤيته هي الأهم، ولذلك فالمشروع انتهى برحيل شادى ويجب أن يدفن معه ولا يصح أن يخرج بدونه، ولو حدث ذلك فهو خيانة لذكراه.  

أفتقد شادى بشدة، أفتقد حوارنا الفكرى الذى لم ينقطع أبداً، كانت بيننا لقاءات ومكالمات شبه يومية، ربما تتعجب عندما أقول إن شادى، رغم ما يبدو عليه من سمت المفكر والفيلسوف والجدية الشديدة، إلا أنه كان ساخراً عظيماً، كنت أستغرب مثلاً من متابعته الدؤوبة للأغانى الشعبية حتى ما كان يطلق عليها الأغانى الهابطة، كان يعتبرها ملمحاً أساسياً من الشخصية المصرية وتطورها، وكثيراً ما كان يحلل لى كلمات هذه الأغانى بحسه الساخر، يتكلم عنها بجدية شديدة ويحكى لى عما تحمله من معان وفلسفة وحكمة.. يحللها بجدية وكأنه يتكلم مثلاً عن قصيدة لأم كلثوم والسنباطى.. ومن خلال تلك المفارقة والتهكم الخفى الذى سرعان ما يتحول إلى «مسخرة» كنت أنفجر فى الضحك!  

(2)  

شغلتنى علاقة شادى ونادية، وبحثت عن سر هذا القرب الروحى بين الكاهن والملكة، ووضعت يدى على العديد من المتشابهات التى صنعت هذا القرب ويمكننى أن أحدد أبرزها:   1- القرب العمرى.. فشادى ونادية من مواليد سنوات الثلاثينيات تفصلهما سنوات قليلة، وبذلك يكونان أبناء زمن واحد ولدا ونشأ فيه، وصنع وطبع شخصية كل منهما بنفس التفاصيل..

   2- عشق الإسكندرية.. كلاهما كان يحمل فى قلبه عشقاً خاصاً لتلك المدينة الساحرة.. شادى بحكم المولد والنشأة والانتماء لأسرة سكندرية، ونادية اكتسبت هذا الانتماء خلال سنوات إقامتها الطويلة بالإسكندرية بعد زواجها من القبطان البحرى عادل البشارى والد ابنها الوحيد أحمد.. وبحكم ظروف عمل زوجها عاشت معه فى الإسكندرية وعشقتها وقضت بها أجمل سنوات عمرها، وظلت هي مصيفها المفضل وا تمتلك شاليهاً بها كان مقصدها فى إجازة الصيف.. وفيها صورت أجمل أفلامها مثل «السمان والخريف». 

 3- الصدفة.. فكلاهما دخل مجال السينما بالصدفة.. شادى لم تكن السينما فى ذهنه عندما التحق بكلية الفنون الجميلة وتخرج بها عام 1955، وتصادف أن كان جاراً للمخرج الكبير صلاح أبوسيف بالزمالك، وقادته هذه الجيرة إلى السينما عندما لمس فيه صلاح نبوغاً وموهبة فوافق على أن يعمل مساعداً له فى فيلم «الفتوة»، وكانت مهمته فى البداية أن يسجل زمن كل لقطة، وسحرته السينما وأوقف عمره عليها وفيها مصمماً للملابس ومهندساً للديكور ثم مخرجاً ومؤلفاً، قدم خلالها تجربته الخاصة المتفردة.. والصدفة كذلك هي التى قادت نادية إلى شاشة السينما، فقد كانت عائلة زوجها ترتبط بصلة صداقة مع عائلة الموزع السينمائى السكندرى جان خورى، وفى إحدى زياراتهما العائلية المتبادلة التى تصادف أن حضرها المنتج رمسيس نجيب صديق جان وشريكه، أدرك رمسيس أنه أمام وجه سينمائى استثنائى فيه كل مواصفات الوجه الجديد الذى يبحث عنها لتلعب بطولة فيلمه الجديد «سلطان» أمام فريد شوقى.. وهكذا تحولت بولا محمد شفيق إلى نجمة سينمائية باسمها الفنى الجديد نادية لطفى.. ولأن السينما بدأت مع شادى ونادية كهواية وليس احترافاً فإن شغفهما بها ظل متجدداً ومتوهجاً..  

العرق الصعيدى.. فأصول عائلة شادى تعود إلى محافظة المنيا التى هاجر أفراد منها واستقروا فى الإسكندرية.. وكان شادى حريصاً على العودة إلى جذوره، وزار المنيا مرات عديدة، ومن أقواله المأثورة: لون أهل الصعيد هو اللون المريح لعينى».. وأصول عائلة نادية لأبيها - المحاسب محمد مصطفى شفيق - تعود إلى البلينا بمحافظة سوهاج.. وكان شادى ونادية يعتزان كثيراً بهذا العرق الصعيدى.   5- الشغف بالمعرفة.. شادى وقع فى هوى التاريخ المصرى القديم وهام به وصنع منه أجمل وأروع أعماله وأخلدها، سواء الروائية وفى القلب منها «المومياء» و«إخناتون» - حلمه الذى لم ير النور - أو التسجيلية وعلى رأسها «شكاوى الفلاح الفصيح» (1970) و«كرسى توت عنخ أمون» (1982) و«الأهرامات وما قبلها» (1984) و«عن رمسيس الثاني» (1986)، فضلاً عن فيلمه «جيوش الشمس» الذى سجل فيه ملحمة انتصار أكتوبر التى سطرها أحفاد أول جيش فى التاريخ، وكان اختيار اسم «جيوش الشمس» عن وعى وفهم واستيعاب وعشق للتاريخ المصرى القديم، إذ إنه كان اسم الجيش المصرى قبل 7 آلاف سنة.. ولم تكن نادية لطفى بأقل من الكاهن شغفاً بالمعرفة وبتاريخ مصر وحضارتها، ففى مكتبتها كنت تجد عشرات الكتب والمراجع التاريخية.. وامتلكت من الثقافة ما جعلها تدخل فى مناقشات مطولة كنت شاهداً على بعضها مع عقول كبيرة فى وزن زاهى حواس ومصطفى الفقى.. وفى مناقشة لى معها عن سر العداء بين عبدالناصر وأمريكا استشهدت على رأيها بكتب مهمة بينها كتاب «لعبة الأمم» لضابط المخابرات الأمريكية مايلز كوبلاند وقامت وأحضرته من مكتبتها وأعطته لى على سبيل الاستعارة لأراجع معلوماتى!  

عشق الرسم.. وهو عشق طبيعى ومعروف عند شادى، فقد كان يحمل موهبة استثنائية فى الرسم، ولابد أن تقف مشدوهاً عندما تتأمل اسكتشاته لشخصيات وديكورات أفلامه.. ونادية كذلك كانت موهوبة فى الرسم ومارسته فى سنوات من حياتها وكانت بارعة فى رسم البورتريهات، وتحتفظ ببعض رسوماتها، ولكن انشغالها بعملها السينمائى أخذها من هوايتها القديمة.. ولذلك كانت تمتلك عيناً خبيرة وقادرة على تحليل اللوحات، وكان الرسم مثار مناقشات مطولة بينها وبين شادى..   7- الشغف بالفلكلور والثقافة الشعبية المصرية.. فقد حكت لى نادية عن شغف شادى بالأغانى الشعبية بكل مستوياتها ودرجاتها وحتى الهابط منها وقدرته على تحليلها واستخراج ما تحمله من فلسفة شعبية.. ونادية كذلك كانت تحمل هذا الشغف وإن بدا غريباً على ملامحها الأرستقراطية.. وربما تستعجب عندما أقول إن مطربها المفضل فى صباها كان محمود شكوكو، وكانت تحفظ أغانيه ومونولوجاته وترددها على طريقته، وظل شكوكو هو مطربها المفضل حتى تعارفت بعبدالحليم حافظ.. ولم تكن تخفى إعجابها بالأصوات الشعبية مثل عدوية وحتى شعبان عبدالرحيم.. وترى فى تلك الأغانى تعبيراً عن الروح المصرية ينبغى ألا يتعامل معه المثقفون باستعلاء. 

 (3)  هذه بعض أوجه التشابه بين شادى ونادية.. لكن العلاقة الروحية أحياناً لا تحتاج إلى تفسير وتبرير، بل إن المبررات العقلانية تفسدها أحياناً.. إن لمعة المحبة والتقدير التى رأيتها فى عيون نادية لطفى وفى وصفها الحميم المفضل له «الواد شادى» لا تحتاج إلى شرح.. وستبقى علاقة الكاهن والملكة واحدة من العلاقات الفريدة فى تاريخ السينما المصرية.

 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

إذا كان "المومياء" (1969) هو أيقونة أعمال شادى عبد السلام فى السينما ا
فارس السينما الأكبر (12) أخطر مغامرة فنية فى مشوار فارس السينما أحمد م
فارس السينما الأكبر (11) 10 أفلام مع «بولا» و8 مع «السندريلا»
يرير

المزيد من فن

بيكت ويونسكو.. واقعية مسرح العبث ودراما الحلم

لماذا ارتبط مسرح العبث بعالم الأحلام، فهل كانت دراما اللامعقول هروباً من الواقع إلى الحلم، هل أوحت بنية هذه النصوص...

«40» فلاح السينما الفصيح (2) قصة «الكاهن» و«الملكة»

شادى عبد السلام بعيون نادية لطفى اعترافات نادية عن علاقتها بشادى: توأم روحى 7 متشابهات جمعتهما من العرق الصعيدى إلى...

أهل المغنى زوابع وفناجين فى مهرجان هانى شاكر

هذه الدورة التي تحمل رقم 34 لم تمر كما هي العادة.. مجموعة من الحفلات وقليل من الندوات وبعض المؤتمرات يخرج...

حسين فهمى يفتح «دفاتر» الدورة ال 47 .. القاهرة تستعيد بريقها السينمائى

ساعات قليلة ويعلن الفنان الكبير حسين فهمى كافة تفاصيل الدورة الـ47 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، الذى سيفتتح فعالياته في 11...