أهل المغنى زوابع وفناجين فى مهرجان هانى شاكر

هذه الدورة التي تحمل رقم 34 لم تمر كما هي العادة.. مجموعة من الحفلات وقليل من الندوات وبعض المؤتمرات يخرج الجميع بعدها وقد حقق المراد من رب العباد فى انتظار دورة جديدة.. 

  هذه المرة هاج الجميع.. وانقسم المشاركون أو الذين كان ينبغي أن يشاركوا إلى ثلاث فئات: مشاركون.. ومنسحبون.. ومعتذرون.. وما بين الفئات الثلاث دارت معركة غريبة لا أول لها ولا وسط ولا نهاية.. فقد عاد بعض المنسحبين وهدأ الأمر ليبدو عادياً.. لكن الاتهامات تركت ظلال غبارها على دار الأوبرا ووزارة الثقافة.. فيما راح الجمهور يفتش عن "متهم" ويسأل لماذا حدث كل ما جرى.. من الذي أقام تلك الزوابع ولم يقعدها؟.. ومن هم المتآمرون على واحد من أهم المهرجانات الموسيقية في منطقتنا العربية وأقدمها؟!   رضا الوكيل رئيس دار الأوبرا لم يكن وحده.. وحمادة الموجي رئيس المهرجان لم يقرأ الفنجان وحده.. المواقع وصفحات السوشيال جميعها.  

كل قرأ فى فنجانه على حسب مزاجه وطريقة تعاطيه مع قهوة "الصباح"!  

هل انتهى مهرجان الموسيقى فعلا بعيدا عن استمرار الحفلات أو توقفها؟.. هل يعنى خلو هذه الدورة من أي اسم عربى أنه لم يعد "مهرجانا عربيا"؟!   حتى تستطيع الإجابة عما يدور فى ذهن المهتمين حقا يجب عليك أن تعود إلى بداية هذا المهرجان الذى لم يكن مهرجانا من الأساس كما أنه لم يكن عربيا من الأصل.  

من الملك فؤاد إلى رعاية مبارك   البداية كانت في عام 1932 حين فكر في الأمر عالم الموسيقى الفرنسي البارون رودليف ديرلانجر واقترح الفكرة على الملك فؤاد الأول.. فيما ينسب البعض الأمر إلى عالم الموسيقى المصري محمود أحمد الحفنى وذلك بغرض توثيق وتسجيل عناصر الموسيقى العربية ومقاماتها ودروبها ومستقبلها أيضا..  

في ذلك الوقت كانت مصر قد فرضت عليها الحماية البريطانية وخرجت بعد دستور 1923 إلى صراع سياسي وفكرى حائر بين عالمين..

العالم الأول يرى في الارتماء فى أحضان الغرب خلاصة.. فيما يجد التيار الثاني خلاصه في تبنى أفكار الخلافة العثمانية.. وبينهما فريق يبحث لمصر عن استقلالها التام.. لا مشرق ولا مغرب..  

الموسيقى التي تأثرت بالسياسة كانت في الموقف ذاته تقريبا.. ثورة التجديد التي قادها سيد درويش مستفيدا من تجارب عبده الحامولى ومحمد عثمان وعبد الرحيم المسلوب وتلاميذهم.. وكانت قد تخلصت من سطوة الشركس والأتراك والمماليك.. وجد أصحابها أنفسهم بعد وفاة سيد درويش في حالة ردة كانت تعبيرا واضحا عن الردة السياسية التي انتهت بإلغاء دستور 1923 والتخلص من كل مميزاته..  

في ذلك العام الذي انعقد فيه مؤتمر الموسيقى كان العالم يعيش أكبر موجة كساد اقتصادي عرفها العالم عنوانها "الكساد الكبير".. وهو عام الذروة الأكثر ذعرا.. وكان قد بدأ بيوم الثلاثاء الأسود فى 29 أكتوبر 1929 عندما انهارت بورصة "وول ستريت" الأمريكية وفقدت الأسهم قيمتها بشكل مرعب.. واستمر الانهيار حتى بلغ القاع عام 1932 حيث اجتاح الفقر معظم دول العالم وفى مقدمتها أمريكا.  

في تلك الأجواء خرج مؤتمر الموسيقى.. الذى حاول أصحابه الهروب به إلى حالة توحد لم يكن لها أساس في بلاد العرب..

منحوه "صبغة عربية" فيما تجاهلوا "مصريته" بحثا عن حماية.. فالواقع يقول إنه لا توجد موسيقى عربية.. توجد لهجة فقط.. فيما الموسيقى ذاتها إما "شرقية" أو "غربية".. واستسهل الباحثون حذف "الشرق" ليصبح عربيا..   ذلك الالتباس لم يمنع أن يحظى المؤتمر الأول بتوثيق مهم للغناء المصري الموجود في حينها.. وعلى سبيل المثال تعود أهم تسجيلات الغناء الشعبي المصري للمطرب محمد العربي أفندى إلى ذلك المؤتمر..   إذن لم يكن المهرجان مهرجانا من الأساس.. لا نجوم.. لا حفلات.. ولا زوابع ولا فناجين.. بدأ الأمر علميا وبحثيا واستمر كذلك حتى عصر مبارك حيث قررت الدكتورة رتيبة الحفنى إضافة الحفلات إلى سياق وأيام المؤتمر ليصبح مؤتمرا ومهرجانا..  

ولأن الحال في معظم البلدان العربية لم يكن قد استقر تماما فقد وجد المهرجان فرصة في الركوب على نجاح حفلات أضواء المدينة التي كانت تستقطب كل   النجوم من العالم العربي وكانت عملية المشاركة فيها بمثابة حلم لأى مطرب أو موسيقى عربى. 

 أكثر من ثلاثين سنة والأمر كذلك حتى طمع البعض في احتلال موقع مصر.. وضرب قوتها الناعمة.. وسحب البساط إلى "الربع الخالي".. وامتزجت الأطماع "المسيسة" بأطماع شخصية لأحدهم بالسيطرة على النجوم والنجمات والتحكم فيمن يختفى ومن يظهر.. هذا من ناحية.. وطمع بعض غير "المؤدلجين" فى "الأموال المنهمرة" من تلك المنطقة لتتحول الحكاية إلى سبوبة.. بهذا الفهم يمكنك أن تفسر.. لماذا انسحب البعض.. ولماذا تمسك البعض بالمشاركة في دورة هذا العام؟  

علي الحجار.. الاسم الذي أحدث دويا بانسحابه لم يكن أمر انسحابه متعلقا بتلك الصورة من قريب أو بعيد.. فالرجل هو الأكثر مشاركة منذ بداية التسعينيات وحتى الآن.. وكل ما حدث أن ميزانية المهرجان تم تخفيضها لأسباب اقتصادية أكبر من إدارة المهرجان فتم تخفيض أجور الفرق إلى درجة أشعرت الحجار بتوجيه إهانة لأعضاء فرقته.. ولأنه لا يملك أن يدفع لهم ما تم خصمه من أجورهم المعتادة فإنه فوضهم في قبول أو رفض المشاركة فأقروا الانسحاب.. وهو ما التزم به الرجل.. لكن ما حدث بعد ذلك جعل الرجل يشعر بأن هناك من يستغل مسألة انسحابه لأمر أكبر من ذلك لتوجيه إهانة أكبر للمهرجان ولمصر.. فكان قرار عودته فورا وبمجرد تلقيه مكالمة من الزميل "أمجد مصطفى" متجاوزاً عن سوء فهم صاحب تصريحات رضا الوكيل فى مؤتمره الصحفي.  

المهرجان شهد عودة آمال ماهر.. وهو الاسم الذى ارتبطت به مؤامرات ودسائس.. فهناك من يريد أن يختفى هذا الصوت للأبد.. وتتم محاصرتها فى كل المواقع بإلغاء حفلاتها بشكل مريب.. نعرف بعض تفاصيله وهذا ليس وقت سردها.. المهم أن أمال ماهر هي أحد أهم الأصوات العربية وعودتها إلى المشهد من خلال بوابة المهرجان انتصار للغناء المصري ولها، فى مواجهة العابثين أيا كانوا وأيا كانت هوياتهم.   المهرجان يشهد تواجدا طبيعيا لمحمد الحلو الذى اعتذر فى أعوام سابقة إما بسبب قلة الأجر أو متاعبه الصحية.. ومدحت صالح يداوم على المشاركة منذ سنوات.. وحضور شبابى مهم لياسمين على وخالد سليم مع عودة لمشاركة نادية مصطفى..  

ستمتلئ القاعات وستنفد التذاكر وستفشل خطة المتآمرين على الفن المصري وعلى المهرجان الذى يعانى من شيخوخة حقيقية.. وقد بذل الدكتور محمد شبانة وأعضاء الفريق العلمي جهدا كبيرا ليحتفظ المؤتمر بصيغته العلمية.. لكن الطريقة التي تجرى بها تلك "الدراسات" وتسويقها تبقى فى حاجة إلى ترتيب مختلف.. أحوال الصناعة ذاتها فى حاجة إلى فك وتركيب وإعادة صياغة.. فهل يعقل أن يتم عمل مؤتمر ومهرجان للموسيقى أيا كان نوعها الآن فيما يحصد الذكاء الاصطناعي أسماع كل العرب.. والعالم أيضا؟.. المسافة بين ما يحدث فى العالم وبين مؤتمراتنا ومهرجاناتنا التقليدية واسعة جدا.. وحتى نلحق بذلك العالم علينا أن ننسق الأمر كله بعيدا عن المؤامرات والزوابع وقراءة الفناجين.

 	محمد العسيري

محمد العسيري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

هاني
تامر

المزيد من فن

بيكت ويونسكو.. واقعية مسرح العبث ودراما الحلم

لماذا ارتبط مسرح العبث بعالم الأحلام، فهل كانت دراما اللامعقول هروباً من الواقع إلى الحلم، هل أوحت بنية هذه النصوص...

«40» فلاح السينما الفصيح (2) قصة «الكاهن» و«الملكة»

شادى عبد السلام بعيون نادية لطفى اعترافات نادية عن علاقتها بشادى: توأم روحى 7 متشابهات جمعتهما من العرق الصعيدى إلى...

أهل المغنى زوابع وفناجين فى مهرجان هانى شاكر

هذه الدورة التي تحمل رقم 34 لم تمر كما هي العادة.. مجموعة من الحفلات وقليل من الندوات وبعض المؤتمرات يخرج...

حسين فهمى يفتح «دفاتر» الدورة ال 47 .. القاهرة تستعيد بريقها السينمائى

ساعات قليلة ويعلن الفنان الكبير حسين فهمى كافة تفاصيل الدورة الـ47 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، الذى سيفتتح فعالياته في 11...