«40» فلاح السينما الفصيح (1)شادى عبد السلام يصنع أصدق وأسبق أفلام أكتوبر

«جيوش الشمس».. فيلم بنار المعركة لماذا أصر على أن تحاور نادية لطفى الأبطال المصابين؟ مونتير إيطالى يقدم أروع هدية للفيلم شادى فى أوراقه: رأيت فى أكتوبر أشياء لا يمكن وصفها

إذا كان "المومياء" (1969) هو أيقونة أعمال شادى عبد السلام فى السينما الروائية، فإن "جيوش الشمس" (1973) هو أيقونتها فى أفلامه التسجيلية. صحيح أن "المومياء" وما حظى به من مكانة خاصة فى تاريخ السينما، وما ناله من جوائز، وما كتب عنه من مقالات ودراسات، جعله الأكثر حضورا ووهجا وبريقا وشهرة، فإن "جيوش الشمس" هو الآخر يستحق تلك المكانة وذلك البريق وهذا الحضور، باعتباره أصدق ما قدمته السينما التسجيلية عن حرب أكتوبر المجيدة، وكان أسبقها فى توثيق المعركة والجبهات ما زالت مشتعلة وصوت الرصاص لم يسكت بعد.

(1)

يستحق "جيوش الشمس" زيارة جديدة وقراءة جديدة، ولا يوجد وقت أنسب لتلك الزيارة والقراءة من لحظتنا الحالية، التى نحتفل فيها بمناسبتين غاليتين تخصان الفيلم وصاحبه، أولاهما ذكرى نصر أكتوبر العظيم، وثانيتهما ذكرى مرور أربعين عاما على رحيل كاهن السينما المصرية الأكبر وفلاحها الفصيح شادى عبد السلام.

وفى "جيوش الشمس" تتجلى وتتجسد تلك العلاقة المدهشة التى ربطت بين شادى والفنانة الأقرب إلى عقله وروحه نادية لطفي، بطلة "المومياء" ومنقذته، إذ غامرت باسمها ووضعها كنجمة شباك ساطعة يومها، ووافقت بلا تحفظ على أن تشارك فى بطولة "المومياء" بلا أجر، حتى توافق مؤسسة السينما على إنتاج الفيلم بعد رفض وممانعة ومماطلة بحجة أنه فيلم غير تجارى ومرشح للخسارة والفشل، وكان اسم نادية بمثابة شهادة ضمان للمؤسسة ولعقلية موظفيها.

ومن أجل نادية قرر شادى أن يحمل كاميرته ويأتى إلى مستشفى قصر العينى ليشرع فورا فى تصوير "جيوش الشمس" متخليا عن أبرز صفاته وشروطه فى كل أعماله السابقة واللاحقة وهى "الاكتمال"، فهو يستغرق وقتا طويلا فى الكتابة والتحضير والتأمل ومراجعة كل "شوت" وتدقيق كل كلمة ومنظر، ولم تكن نادية تبالغ عندما قالت: لم أر فى حياتى مبدعا يذوب فى عمله ويتوحد معه كما فعل شادي، رأيته وهو يكتب الفيلم، ولابد أن تبحث عن كلمة أخرى لائقة بحجم الجهد غير الكتابة، فالكتابة عند شادى ليست ورقة وقلما، إنها تذكرنى بلوحات الفسيفساء على سقوف المعابد والكنائس الشهيرة، رسومات بديعة فى منتهى البساطة والتعقيد معا، تحتاج كل جملة أو رسمة إلى تأمل وصبر وإدراك وعمق، فالفن عنده يعنى الكمال، وبسبب قناعته بهذا المعنى فإنه أعاد كتابة سيناريو "المومياء" أربع مرات، وفى كل مرة كان يشعر أنه لم يصل للكمال بعد فيمزق ما كتب ببساطة ويبدأ من جديد، بعد أن توصل إلى رؤية أدق وتأمل أعمق، يفعل هذا دون أن يتسرب إليه الملل أو التوتر أو الإحباط، ودون أن يفقد لحظة ثقته فى نفسه وفى موهبته" .

لكن فى "جيوش الشمس" لم تكن هناك فرصة أمام شادى لكى يفكر ويتأمل ويكتب بدقة ودأب النمل، فقد كان الحدث مزلزلا ولا يقبل الانتظار، فكان عليه أن يسرع إلى توثيق تلك اللحظة التاريخية المبهرة.

ومن أجل شادى قررت نادية أن تلعب دورا لم يخطر ببالها أبدا، صحيح أنه أمام كاميرات السينما التى تعشقها، ولكن لم يسبق لها أن قامت بدور المذيعة، إذ اقتضت الضرورة أن تكون هى المحاورة للأبطال من مصابى المعركة الذين كانت تشرف على علاجهم فى مستشفى قصر العيني، وبحكم العشرة والعلاقة الإنسانية رأى شادى أن وجود نادية بينهم سيكون حافزا لهم على الحديث التلقائى المستفيض بلا تحفظات ولا حسابات.. وهو ما كان.

فكيف بدأت شرارة "جيوش الشمس"، وكيف صنع شادى ونادية واحدا من أروع وأصدق الأفلام التسجيلية عن معركة أكتوبر من خلال شهادات جرحى الحرب القادمين للتو من ميادين القتال وساحات المعارك بجراحهم الساخنة وحكاياتهم الطازجة؟

(2)

بعد ساعات من البيان الأول للعبور ذهبت نادية لطفى لتضع نفسها فى خدمة الهلال الأحمر المصري، وهناك ومع توالى الأخبار عرفت بوصول عدد من مصابى أبطال قواتنا لتلقى العلاج فى مستشفى قصر العيني، فأسرعت بصحبة صديقتها المخرجة التسجيلية نبيهة لطفي- تلميذة شادى النجيبة- لتكون فى خدمتهم ورعايتهم فى فترة العلاج، وقررت أن تؤجل كل ارتباطاتها والتزاماتها، وأن تنقل إقامتها الكاملة إلى قصر العيني، تداوى الجرحى وتسعف المصابين وتكتب لهم رسائلهم إلى ذويهم وتشد من أزرهم وتسمع منهم ما عاشوه وشاهدوه من بطولات فى أرض المعركة.

وفى مذكراتها حكت لى نادية عن أيامها مع الحرب: 

  "تجربتى فى علاج جرحى حرب أكتوبر فى قصر العينى من أعظم التجارب فى حياتي، وعرفتنى على معدن الشعب المصرى وأصالته والحضارة التى تسكن تحت جلده، ولا أنسى مشهد السيدات البسيطات وهن يتوافدن على المستشفى فى الصباح، كل واحدة جاءت وفى يدها ما استطاعت تدبيره من أغذية وأغطية، وتتجه لسرير أحد الجرحى، جندى لا تعرف حتى اسمه ولكنها تعامله كابنها بنفس الحنان والاهتمام، وتتولى إطعامه ورعايته، ومنهن من كانت تضع نفسها فى خدمة المستشفى بأقسام المطابخ والنظافة، وتقضى ساعات طويلة فى عمل شاق ..بكل حماس وهمة .

هؤلاء البسطاء علمونى درسين كبيرين، الأول: أن المصرى إذا صدّقك فإنه يعشقك، ويكون حينها  مستعدا لأن يمنحك "عينه" راضيا مرضيا.. ولكن حذارِ أن تخيب أمله فيك أو تخسر ثقته.. والثاني: أن هؤلاء البسطاء يملكون من الوعى والثقافة الفطرية والذكاء ما يفوق متعلمين حاصلين على الدكتوراه، بل فيهم من كان احترامى لهم يفوق مثقفين عرفتهم، ذلك لأن فطرتهم غير ملوثة وعطاءهم ليس له غرض، وعندهم من الكبرياء الإنسانى ما يجعلك تنحنى لهم احتراما حتى لو كانوا فى عرفنا " أُميين" لم يحصلوا على شهادة ولم يتخرجوا فى مدرسة .

أما النماذج التى عرفتها خلال تلك التجربة من الجرحى والمصابين من أبطال قواتنا المسلحة فكانوا حقا شخصيات مذهلة فى وطنيتها وصلابتها ورجولتها، ولولا أننى رأيتهم رؤية العين وسمعتهم بأذنى وربطتنى بهم صلات إنسانية وضمدت جراحهم، ما صدقت أبدا أنهم شخصيات حقيقية من لحم ودم، فما رأيته وسمعته يفوق خيال السينما ومؤلفيها".

لم تكن نادية تبالغ فى وصفها، فقد كانت عيونها تلمع ببريق غريب وتكسوها غلالة من الدمع الشفيف وهى تتذكر هؤلاء الأبطال وتروى قصصهم كما عرفتها وسمعتها من فم أصحابها :

"كنت أعرفهم بالاسم، وخاصة نزلاء عنبر 7 أو عنبر الحروق، وكان يضم 137 سريرا، ومن كثرة الحالات وتنوعها أصبحت خبيرة فى أنواع حروق الحرب، فكنت بمجرد أن أرى المصاب وهو قادم من أرض المعركة أعرف السلاح الذى ينتمى إليه: مشاة أو مدفعية أم مدرعات أم دفاع جوي؟..وما إذا كانت حروقه نتيجة "نبالم" أو دانات مدفعية أو قنابل عادية أو غازات سامة، ولا أعرف حتى الآن سر الأعصاب الحديدية التى جعلتنى أتحمل ما لا يخطر على البال من مناظر الحروق وصيحات الألم ورائحة "شواء" الجلد البشري، وما لا يخطر على البال أيضا من صلابة الرجال وعزم المقاتلين، أنا لا أنسى أبدا هذا المقاتل الذى جاء إلى عنبر الحروق فى حالة صعبة للغاية بعد أن سقط عليه صاروخ، ولم يتوقف عن الصراخ منذ مجيئه طوال ساعات الليل والنهار، ليس من الألم كما قد تتصور وإنما لأنه يريد العودة للجبهة، وكان صوته يمزق القلب وهو يصرخ فينا: "جيبتونى هنا ليه.. أنا عايز أرجع لزمايلي.. لازم أكون معاهم هناك مش هنا".. ويبكى بحرقة، لدرجة أننا اضطررنا لحقنه بمهدئات قوية لكى ينام، وكنت أحاول التخفيف عنه: "لازم تهدى علشان تخف بسرعة وترجع الجبهة.." لكن حالته لم تتحسن واستمر فى إلحاحه الغريب، إلى حد أننا اضطررنا فى النهاية لنقله إلى قسم الأعصاب .

وجاءنا مرة فى نهايات المعارك مقاتل بنسبة حروق كاملة، إلى حد أن الأطباء وضعوه فى قميص من الجبس لم يكن يظهر منه أى عضو أو ملمح، حتى وجهه لم نراه إلا بعد عدة أسابيع من العلاج !

ولا أنسى هذا الجندى البطل الذى رفض أن يخلع "الأفرول" الذى جاء به مصابا من جبهة القتال، ورفض أن ينام فى السرير لتلقى العلاج، وحاول أن يخرج متحاملا على نفسه ليعود إلى المعركة، ومنعناه بالقوة .

ولا أنسى دموع العميد "صفيّ" وهو يحكى لى عن جنوده الذين مرت دبابة إسرائيلية فوق خندقهم، فكتموا ألمهم الذى لا يحتمله بشر وجنازير الدبابة تفرم عظامهم، خشية أن يفضحوا مكان زملائهم إذا تعالت صرخاتهم!

ولا أنسى الصديقين "ماشيست" و"حسن"، و"ماشيست" هو الاسم الكودى الذى كنا نطلقه على جندى الاستطلاع الجسور وكان بطلا فى المصارعة، فلما أصيب زميله حسن فى المعركة حمله على كتفه إلى أن وصل به إلى الإسماعيلية، واكتشف ماشيست أن إصابته أشد، فنُقل الصديقان معا إلى قصر العينى لتلقى العلاج، وكانا "دويتو" مدهشا فى السخرية من الألم.. وهى سخرية امتدت لكثير من المصابين الأبطال رغم فداحة الحروق والإصابات، وبينهم جندى كانت يده مصابة بحروق شديدة، ولكنه كان خفيف الدم بصورة مدهشة، ويُصر على أن "يُشجينا" بصوته ويغنى لنا، وكان عندما يندمج فى الغناء يصفق بيديه، ولما كانت يده "محروقة" كان يتحايل على إعاقته ويصفق بيده السليمة على "قفاه"، وهو منظر كان يوقعنا من الضحك رغما عنا . ولم يكن يفوقه فى خفة الدم سوى "حسني" النقاش، الذى لا يتوقف عن توزيع نكاته وقفشاته على الجميع.. وفى كل وقت، رغم ما كان يعانيه من حروق لا يحتملها بشر" .

أدركت نادية بحسها السينمائى وهى تستمع إلى هذه الحكايات المذهلة وإلى هؤلاء الأبطال المذهلين أنه لابد من توثيق وتخليد هذه الملحمة الإنسانية الوطنية، ولابد من كاميرا تأتى سريعا لتسجيل تلك النماذج النادرة من البطولة التى تفوق الخيال. وكان شادى عبد السلام أول من فكرت فى الاتصال به ليأتى سريعا بكاميرته وعينه الخبيرة وعقله المبدع ليوثق سيرة هؤلاء الأبطال فى فيلم تسجيلي، وبالفعل لم يتردد شادى لحظة.. وحمل كاميرته وفريق عمله وجاء إلى قصر العيني، وهو ما تؤكده فى سيرتها حينما تقول:

"لم يكن شادى عبد السلام يقل عنى حماسا للفكرة فحمل كاميرته إلى أرض المعركة، وجاء إلى المستشفى ليسجل شهادات الأبطال، وفى ظنى أن "جيوش الشمس" سيظل أصدق الأفلام الوثائقية عن حرب أكتوبر، وأسبقها كذلك فى توثيق الحدث ودخان المدافع ما زال فى السماء..

وكانت صلاتى الإنسانية بالمقاتلين المصابين فى المستشفى سببا قويا فى موافقتهم على الظهور فى الفيلم والتحدث بتلك العفوية، ولذلك أصر شادى على ظهورى معهم فى الفيلم، إدراكا منه أن وجودى سيجعلهم أكثر طمأنينة وتلقائية وأريحية.. وهو ما ظهر بالفعل فى شهاداتهم، وربما بسبب مساهماتى فى نجاح الفيلم أصر شادى على أن يوجه لى شكرا مكتوبا فى تتراته. ومن يشاهد الفيلم ستستوقفه تلك البطولات الخارقة التى رواها المقاتلين عن المعركة، وبينها حكاية ذلك المقاتل الذى فوجئ بدبابتين للعدو فقرر أن يتصدى لهما بجسده، ونجح فى تدمير الأولى ولكن الثانية أصابته، وفقد الوعى وأصيب بحروق شديدة، ورغم ذلك ظلت الدبابة الثانية تطارده فى أحلامه ويشعر بندم أنه لم يستطع تدميرها، أو بنص كلامه: "مش ح تروح من دماغى أبدا لغاية ما أموت"..

وعندما سألت نادية عن سر اختيارها لشادى بالذات لتصوير وإخراج هذا الفيلم وكانت القائمة لديها متسعة وزاخرة بالأسماء الكبيرة والشهيرة، أجابت: لأننى لم أر مثله عاشقا لبلاده وعارفا بتاريخها.. وهو ما تجلى فى رؤيته للفيلم، فكانت كل لقطة فيه تقول للمشاهد: هؤلاء الأبطال أعرفهم وأعرف من أين جاءوا هم وآباؤهم وأجدادهم، إنهم أبناء مصر التى يعرفها شادي، لذلك جاء الفيلم وثيقة نادرة على عبقرية المصرى وإصراره".

(3)

هذه شهادة نادية لطفى عن "جيوش الشمس".. أما شادى عبد السلام فلديه تفاصيل أخرى فى ملف الفيلم وكواليسه، فهو لم يكتف بما سجله من شهادات الأبطال عبر صديقته وشريكته نادية لطفي، ولكنه قرر أن يعمق الصورة بأن يذهب إلى ميادين المعركة وينقل ما حدث ليخرج فيلمه أكثر صدقا وواقعية فى 39 دقيقة فقط.. لنسمع شهادته كما سجلها فى أوراقه:

"بعد أن بدأت تصوير «جيوش الشمس» بشهر لم أكن أعرف ماذا أفعل بالضبط. الفكرة التى كانت تستحوذ علىّ ساعة أن نشبت المعركة هى الرغبة فى التطوع، لكن سنى لا تسمح ولم أعد صالحا لحمل السلاح، فحملت الكاميرا وذهبت إلى الجبهة. كان يغمرنى الانفعال بالحماسة والسعادة حتى لم أدرك وجود الكاميرا معى إلا فى اليوم الثانى. وأنا بطبيعتى بطىء أو متأمل فى الأشياء، لا أبدأ بسرعة وانفعالى يستغرق وقتا حتى يظهر. ولم يكن أمامى شىء واضح محدد أعمله، لكن ما لفت نظرى الفرحة على وجه المحارب رغم كل جهد. كانت المعابر قد امتدت والجنود ذهابا وإيابا إلى سيناء والساتر المحصن الذى حجب به الجيش الإسرائيلى رؤيتنا لتراب سيناء مقطوع فى أكثر من مكان تخترقه حركة جنودنا. لذلك كانت الابتسامة هى أول ما يواجهك فى الفيلم. ربما يقولون إن الفيلم ليس به ما يكفى من الحرب أو الدم، لكن لا أحب أن أكذب.. لقد اكتشفت أن العدو على بعد عشرة كيلومترات والطائرة تمر كالبرق هذه هى الحرب الحديثة. ماذا تعمل الكاميرا؟! كان من المستحيل أن أصور الاشتباك الفعلى وكيف يتم ذلك دون تمثيل وإعداد سابق وهو ما يمكن أن يتم فى فيلم روائى، أما هذا  الفيلم فأردت أن أحتفظ به بصدق الواقع كما يجب أن يكون عليه الفيلم التسجيلى. لذلك انصب اهتمامى على المقاتل وروحه العالية والوحدة القوية بين تلك المئات من الألوف التى تحولت فى ثانية إلى صف واحد.. ودخلت معهم فى حوار عن حياتهم وأحاسيسهم.

اكتشفت أننى لم أكن أحيا، كنت ميتًا، هناك تعثر على حقيقتك وتتحسسها ممتدة موغلة فى الزمن.. أربعة آلاف خمسة آلاف عام. هناك ترى جنودا مصريين.. مصريين حقًا كأنما التاريخ يندفع أمامك حيا لاهثًا. شىء لا يمكن أن يوصف.. اضطرنى إلى مراجعة كل مواقفى القديمة، وانعكس هذا بالضرورة على الفيلم ذاته. كان ممكنا أن أقدم أى شىء فى العام نفسه أو العام الذى يليه، ولكن فى كل مرة كنت أذهب فيها إلى هناك لأشهد العودة الحية «لجيوش الشمس» إلى مقرها القديم، كنت أراجع المادة المصورة من جديد.. وربما هممت فى مرة بإلقاء معظمها فى البحر.. كان لابد أن يجىء التعبير مصرياً صميما، كما فى العبور مصريا صميما".

وكان السينارست إبراهيم الموجى واحدا من أبرز مساعدى شادى فى "جيوش الشمس"، ولذلك فإن شهادته عن الفيلم تضيف الكثير، وتحمل تفاصيل مدهشة عن الأجواء الصعبة التى أنجز فيها شادى هذا الفيلم، ومعها ستفهم لماذا أنفق شادى عامين فى تجهيزه، ولماذا عرض فى العام 1975 رغم أن تصويره بدأ فى أكتوبر 1973 ، فلنستمع إلى إبراهيم الموجي:

"فى مارس ١٩٧٤ قامت القوات المسلحة المصرية بإعادة عبور قناة السويس.. وذلك لإتاحة الفرصة للتصوير السينمائى لأفلام «الرصاصة لا تزال فى جيبى» و«جيوش الشمس»، وفيلم آخر لهيئة الاستعلامات.. وكنت أعمل مساعد مخرج لشادى عبد السلام فى فيلم «جيوش الشمس»، حيث تنقلنا بين المعسكرات المختلفة فى منطقة الإسماعيلية لتصوير أحاديث الجنود وتعليقاتهم.. كما تم تصوير بعض المصابين فى مستشفى التأهيل المهنى بالعجوزة.. وفى حديقة ستوديو نحاس تم تصوير المشاهد التى ظهر فيها بعض المدنيين يزورون جنديا مصابا.. كما تم تصوير معركة ليلية فى إحدى غرف المبنى الإدارى لاستديو نحاس.

وقد واجهت شادى عبدالسلام مجموعة من الصعاب، مثله فى ذلك مثل أى مخرج يتصدى لعمل فيلم عن حرب أكتوبر. أولى هذه الصعاب هى عدم وجود لقطات حقيقية وثائقية تم تصويرها فى الحدث.. وتم الاحتفاظ بها فى أرشيف فنى.

وقد يتساءل القارئ عن سر هذه اللقطات التى تصور الاشتباك بالقنابل التى تنفجر فوق مواقع المدافع.. والصواريخ التى تصيب الطائرات.. فتسقط محترقة.. والصاروخ الذى يصطاد صاروخا آخر ويدمره.. هذه اللقطات تزين أفلامنا (التسجيلية والروائية) كتعبير عن وقائع معركة ٦ أكتوبر..

والحق أن هذه اللقطات تمت استعارتها من الفيلم الفيتنامى «معركة الجسر» الذى يصور الحرب بين فيتنام والولايات المتحدة الأمريكية. وقامت فيتنام بعرض هذا الفيلم بالقاهرة للتنديد بالسياسة الأمريكية.. ولم تقم باسترداد نسخة الفيلم فأصبح هذا الفيلم هو القاعدة المرجعية لسينما أكتوبر.. وتبعثرت لقطاته فى الأفلام المصرية.

ووجد شادى عبد السلام نفسه مضطرا لأن ينهل من هذا الفيلم.. حيث لا بديل آخر.. وقد أرقته هذه المشكلة وكان واعيا أن الجمهور قد حفظ هذه اللقطات وتعرف عليها فى أفلام كثيرة.. وقد وصل إلى حل.. «سبق أن توصل بابلو بيكاسو إلى الحل نفسه.. قبله بأربعين سنة.. عندما تم تكليفه برسم لوحة تسجل هجوم الفاشيست على قرية جرنيكا وإبادتها.. ولم يكن بيكاسو هناك فى جرنيكا ساعة الهجوم عليها.. ولم ير كيف دمرت.. لكن عن طريق الصحف رأى صورا للدمار وقرأ قصصا عن الهجوم.. فكان أمينا مع نفسه حين رسم جرنيكا بالأبيض والأسود.. لوّن الصحف.. ووزع الأشكال على اللوحة كما لو كانت صفحة من جرنال... فالدمار قد سمع عنه ولم يره... سمع عنه من الصحف..

هكذا تعامل شادى عبد السلام مع لقطات المعركة المستعارة من فيلم آخر.. فقد طبعها فوق لقطات تصور الصحف الأجنبية التى وصفت المعركة المصرية.. فنفى عن نفسه شبهة الادعاء بأن هذه اللقطات من تصويره أو أن هذه اللقطات تعبر عن حرب أكتوبر، وأصبحت هذه اللقطات فى فيلم "جيوش الشمس" لا تعبر عن شادى عبد السلام بل تعبر عن المراسلين الأجانب الذين كتبوا فى صحف أجنبية.

وتعتبر قيمة الفيلم الحقيقية ليست فى أنها تسجيل للمعركة، بل فى شهادة الجنود الذين خاضوا هذه الحرب، فالفيلم ملىء بتعليقاتهم.. وقد اقتربت الكاميرا من وجوههم التى صورها شادى بحب وإعجاب وتقدير.. وأذكر أن صداقة حكيمة ربطته بأحد الضباط وأحد الجنود.. وكانا من مصابى العمليات الحربية.. لكن روحهما المعنوية كانت فى منتهى التألق.. ولقد اقترب شادى من وجوه الجنود إلى الحجم المعروف سينمائيا بلقطة مكبرة جدا للوجه... وهى لقطة تكتفى بالجبهة والعينين حتى منتصف الذقن.. وقد تم التصوير بهذا الحجم.. لكن نسخة الفيلم المعروضة تعرض بعض الوجوه فى حجم مكبر جدا جدا.. حيث لا تظهر سوى عيونهم وهم يتحدثون.. وذلك بسبب تخلف المعدات السينمائية فى تلك الفترة.. وهى صعوبة أخرى توضع إلى جانب عدم وجود أرشيف فنى للقطات الحية.. وكانت المعدات السينمائية فى تلك الفترة.. كبيرة الحجم ثقيلة الوزن.. فلم نكن نعرف البطاريات بحجمها المتوافر الآن.. بل كانت تماثل بطاريات السيارات.. وحتى تصبح قابلة للحمل كانت توضع داخل صندوق خشبى له يد خشبية.. فكان عامل الكاميرا وهو يحمل صندوق البطارية يبدو مثل من يحمل صندوق ورنيش لتلميع الأحذية.. كذلك لم يكن متاحا لشادى عبد السلام جهاز تسجيل صوت يتزامن بطريقة دقيقة مع كاميرا تسجيل الصورة.. بل كان الجهاز المتاح لا يصلح لتسجيل الحوار وإن كان يؤدى الغرض لو كان المطلوب تسجيل موسيقى تصاحب الصورة... وكانت النتيجة أن حركة شفاه الجنود لم تتزامن مع أصوات حروف بعض الكلمات.. وأنفق شادى عبد السلام الساعات الطوال مع مونتيرة الفيلم رحمة منتصر فى محاولات لا تنتهى لعلاج هذا الخلل.. وأخيرا قرر تكبير الوجوه لتصبح الشفاه خارج الصورة.. والغريب أن حروف الكلمات تزامنت مع حركة العينين وأعطت أثرا طيبًا.. كما أظهرت بشكل بارز أسلوبه المميز، فكانت العيون التى تتحدث هى لمسة شادى الساحرة، كما أن قصور إمكانيات الصوت حرمت شادى عبد السلام من أن يتمكن من تسجيل مختلف أصوات المعارك.. والحقيقة أن أصوات المعارك لها أكثر من مصدر فقد تسجل تسجيلا حقيقيا أو تنقل من أشرطة من مكتبة الأصوات.. وطبعا لم تكن هذه الأصوات ضمن محتويات أى مكتبة..

وأخيرا حصل شادى عبد السلام على هذه الأصوات من فيلم «الرصاصة لا تزال فى جيبى»، وهو إنتاج ضخم لرمسيس نجيب استعان فيه بمونتير إيطالى ليقوم بمونتاج المعارك صوتا وصورة.. وكان هذا المونتير يعمل فى ظروف إنتاجية طيبة وفرت له إمكانيات كبيرة.. كما أنه كان على كفاءة عالية.. فقام بتبويب أصوات المعركة وفهرستها بطريقة علمية تجعل من السهل الحصول على المؤثر المطلوب فى أقل وقت..

وكان شادى عبد السلام يعمل فى غرفة المونتاج نفسها التى يعمل بها المونتير الإيطالى.. الأمر الذى جعله يطلع على طريقته فى العمل.. ولقد استأذنه شادى عبد السلام فى استعارة بعض المؤثرات الصوتية.. وضمنها فيلمه "جيوش الشمس"..

وقد عرض الفيلم فى أكتوبر ١٩٧٥ الذكرى الثانية لحرب أكتوبر، وتميز عن مجموعة الأفلام التى كان موضوعها حرب أكتوبر بإبرازه الروح المعنوية المتوهجة التى تمتع بها كل أفراد الشعب المصرى فى تلك الأيام..

وكانت نهاية الفيلم تشير إلى السلام القادم.. فيما يشبه النبوءة.. طفلة تغلق باب دبابة.. وكأنها تضع نهاية لكل الحروب.. وموقعا عسكريا فى صحراء سيناء وقد نبتت إلى جواره عشبة خضراء. وكأنها دعوة لإنماء سيناء بالزراعة".

(4)

"جيوش الشمس" هو أفضل مدخل لاستعادة شادى عبد السلام فى ذكرى رحيله الأربعين ..ونتصور أن زيارتنا الجديدة لشادى تستحق وقفة أخرى ..بل وقفات.

 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

نصر أكتوبر النابض فى قلوب جيل «السوشيال ميديا»

تمنوا لو كانوا موجودين حتى يروا فرحة الشعب المصرى

زوايا جديدة لتناول النصر.. حرب أكتوبر فى عيون «أهل الفن»

تظل حرب أكتوبر واحدة من أبرز المحطات فى تاريخ مصر الحديث، بما تحمله من بطولات وتضحيات وقصص إنسانية قادرة على...

«40» فلاح السينما الفصيح (1)شادى عبد السلام يصنع أصدق وأسبق أفلام أكتوبر

«جيوش الشمس».. فيلم بنار المعركة لماذا أصر على أن تحاور نادية لطفى الأبطال المصابين؟ مونتير إيطالى يقدم أروع هدية للفيلم...

توفيق الحكيم الباحث عن ملامــح الشخصية المصرية

فيلسوف الأدب في ذكرى مولده..