صلاح منصور.. الشرير المعجب بحنجرة الشيـــخ مصطفى

الفنان صلاح منصور من مواليد شبين القناطر قليوبية، دخل مجال التمثيل من باب المسرح المدرسى، واختار العمل فيه حتى أُحيل للتقاعد من وزارة التربية والتعليم،

وكانت مهمته الإشراف على إدارة التربية المسرحية فى الوزارة، وكان من مهام هذه الإدارة اكتشاف الموهوبين فى التمثيل من تلاميذ المدارس، ومن المسرح المدرسى إلى الإذاعة والسينما، بعد أن حصل على دبلوم معهد التمثيل، وهو غير معهد الفنون المسرحية التابع لأكاديمية الفنون، معهد التمثيل كان ثمرة جهود الرائد المسرحى زكى طليمات، وكان مقره فى مدرسة الدواوين الثانوية فى حى السيدة زينب، والدراسة فيه مسائية، وهو المعهد الذى قدم لنا فاتن حمامة وسميحة أيوب وزهرة العلا ونعيمة وصفى وفريد شوقى ومحمد الطوخى وشكرى سرحان، وكان صلاح منصور صاحب أضعف الحظوظ، فلم ينل النجومية التى نالها زملاؤه، ليس لضعف فى موهبته، لكن لضعف الرؤية الإنتاجية وضعف الذوق السائد فى حقبة الأربعينات والخمسينات، وهى حقبة الفتى الأول الطويل الوسيم المفتول العضلات ورغم هذا الذوق الرياضى، اقتحم صلاح منصور مجال السينما والإذاعة، فشارك مع بابا شارو فى حلقات ألف ليلة وليلة، وشارك بأدوار صغيرة فى السينما، لكن فى فيلم «بداية ونهاية» رواية نجيب محفوظ وإخراج صلاح أبوسيف وإنتاج 1963 تمكن الجمهور من رؤية جوانب من موهبة صلاح منصور، فى شخصية سلمان ابن البقال الذى غرر بالفتاة نفيسة سناء جميل وتبين للجماهير الجالسة فى دور السينما أن صلاح منصور «ممثل كبير» استطاع أن يجذب العيون بأداء شخصية سلمان، وجاء فيلم الزوجة الثانية مع صلاح أبوسيف أيضاً، ليكتب شهادة اعتراف بنجم كبير اسمه صلاح منصور قدم شخصية العمدة عتمان وفى فيلم البوسطجى قدم شخصية التاجر القبطى الصعيدى كما لم يقدمها أحد، ومات الفنان صلاح منصور حزيناً لفراق ولديه، أحدهما مات فى حرب أكتوبر 1973 والثانى مات بمرض خطير، ولكن ما لا يعرفه الكثيرون هو عشق الفنان صلاح منصور للقارئ الشيخ مصطفى إسماعيل، كان يطوف وراءه فى القرى والمدن، لا تفوته ليلة من لياليه فى الدلتا أو القاهرة أو الصعيد، واستطاع رحمه الله أن يخرج من دائرة الشرير التى حبسه فيها مخرجو الخمسينات بفضل صلاح أبوسيف الذى رأى فى موهبته ما لم يره الآخرون.

حمدى أحمد.. محمد أفندى خدّام الباشا فى فيلم «الأرض»

الإذاعة فى عصرها الذهبى، البرنامج العام على وجه التحديد، كان لها نجوم منهم: فؤاد المهندس ورأفت فهيم وحمدى أحمد، فؤاد المهندس كان له برنامج يومى اسمه «كلمتين وبس» يكتبه صديقه «أحمد بهجت» الكاتب الصحفى المعروف الذى كان فى يوم من الأيام رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير مجلتنا «الإذاعة والتليفزيون»، ورأفت فهيم وحمدى أحمد كانا يشتركان فى برنامج «همسة عتاب»، رأفت يقوم بدور الموظف البيروقراطى وله عبارة مشهورة «فوت علينا بكرة يا سيد.. « وحمدى أحمد هو المواطن صاحب الشكوى، وكان حمدى يؤدى شخصية فلاح، باعتبار أن غالبية الشعب المصرى تعمل فى الفلاحة، وهذه الشهرة التى منحتها الإذاعة للفنان الصعيدى السوهاجى حمدى أحمد، سبقتها شهرة أخرى حصل عليها من فرق مسرح التليفزيون، وهى فرق ظهرت فى ستينات القرن العشرين لتقدم مسرحيات تذاع على شاشة التليفزيون، وهو فنان أكاديمى درس فى معهد الفنون المسرحية، وكلية التجارة، لكن التمثيل شغله عن دراسة المحاسبة وإدارة الأعمال، فاختار التمثيل وبرع فيه، وكان لقاؤه الأول مع النجومية السينمائية فى فيلم «القاهرة 30» قدم شخصية محجوب عبدالدايم العدمى فاقد الكرامة الباحث عن الرفاهية والصعود الطبقى دون الاهتمام بالقيم أو الأخلاق مع المخرج صلاح أبوسيف، وفى نفس الفيلم ظهر الفنان أحمد توفيق لأول مرة، ولكن حمدى أحمد فى فيلم الأرض إخراج يوسف شاهين 1970 كان بارعاً فى رسم شخصية الأفندى الريفى، مدرس الإلزامى الباحث عن دور اجتماعى، المشغول بالاقتراب والتقرب للسلطات، والإلزامى مصطلح يطلق على مدارس أولية تمحو الأمية ولا تمنح شهادة، ومدة التعليم الإلزامى أربع سنوات دراسية، ومحمد أفندى هو نموذج لهؤلاء الأفنديات الذين يرتدون الجاكيت فوق الجلباب ويتفاصحون ويتباهون بقدراتهم الثقافية، ويتضاءلون فى حضور العمدة والباشا والبك والمدير ويقومون بأدوار الخدم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وفى فيلم الأرض، كان الحوار بين الفلاح الجرىء عبدالهادى والأفندى المتخاذل محمد أفندى كاشفاً ومعبراً عن التناقض بين الفلاح الذى لا يملك غير الأرض ولا يعرف غيرها، والأفندى الذى يريد أن ترضى السلطة عنه، وكانت وصيفة الأنثى الجميلة هى الهدف الذى يسعى إليه الأفندى والفلاح، وهذا الهدف هو الذى خلق بينهما الكراهية، ورغم تفوق محمود المليجى فى هذا الفيلم، كان حمدى أحمد متفوقاً أيضاً، فنحن نتذكر محمد أبوسويلم ونتذكر محمد أفندى ونتذكر دياب، وفى مسيرة حمدى أحمد الفنية أفلام كثيرة مهمة، منها فيلم عرق البلح للمخرج رضوان الكاشف، قدم شخصية الجد، ولم ينطق كلمة واحدة، وهذا دليل على موهبة هذا الفنان الذى ظلمته مواقفه السياسية وحرمته من فرص فنية كثيرة.

صباح.. الشحرورة الدلّوعة معشوقة كل الناس

المطربة صباح ظهرت موهبتها فى مصر، وأحبها المصريون، وكل الناس أحبوا وعشقوا عشقها للحياة، كانت رحمها الله بالتعبير الشعبى المصرى «ضاربة الدنيا طبنجة»، لا تهتم بالزمن ولا تخاف من غدر الأيام، وكان شعارها «إحيينى النهاردة وموّتنى بكرة»، وكانت بداياتها فى لبنان، والمنتجة آسيا داغر أعجبت بها وأرسلت إليها وكيل أعمالها فى لبنان ليتعاقد معها لتقديم ثلاثة أفلام سينمائية، على أن يكون أجرها فى الفيلم الأول مائة وخمسين جنيهاً مصرياً، ويزداد الأجر بالتدريج حسب ما تحققه من نجاح جماهيرى، ولم تتركها آسيا اللبنانية الأصل بل طلبت من الملحن رياض السنباطى أن يدربها ويخرجها من سجن الأغانى الشعبية اللبنانية التى كانت تغنيها فى الإذاعة اللبنانية وفى الأفراح والمناسبات الشعبية السعيدة، وكانت انطلاقة صباح فى القاهرة فى النصف الثانى من أربعينات القرن العشرين، وهى من مواليد قرية «وادى شحرور» فى محافظة جبل لبنان قضاء بعبدا فى 10 نوفمبر 1927، وتوفيت فى 26 نوفمبر 2014، وطوال حياتها حملت عدة ألقاب فنية، منها صوت لبنان، وهذا اللقب من حق آخرين أن يحملوه، مثل أسمهان وفريد الأطرش ونور الهدى وفيروز ووديع الصافى، كل هؤلاء يستحقون لقب صوت لبنان وفى اعتقادى أن «صباح» التى هى نفسها «جانيت جرجس فغالى»، والاسم الثالث فغالى ينطقه اللبنانيون بتسكين الحرف الأول ليصبح «إفغالى»، كانت فنانة اللون الخفيف الفرايحى، هى ليست فيروز صاحبة الصوت الرصين الذى حمل قضية فلسطين بقوة وجمال وهذا لا يقلل من قيمة «الصبوحة»، فاللون الفرايحى يحبه الناس، وكانت لديها إمكانات أنوثة جعلتها محبوبة جماهير السينما، ومعشوقة الرجال العرب، كل الرجال من المحيط إلى الخليج أعجبهم صوت صباح وأنوثتها أيضاً، كان ذلك فى سنوات الأربعينات حتى الستينات من القرن العشرين، ورغم رحيلها ما زالت أغنياتها باللهجة اللبنانية واللهجة المصرية تلقى قبول الجماهير العربية من الأجيال التى عاصرت سنوات ازدهارها، رحمها الله.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

توفيق الحكيم الباحث عن ملامــح الشخصية المصرية

فيلسوف الأدب في ذكرى مولده..

صلاح منصور.. الشرير المعجب بحنجرة الشيـــخ مصطفى

الفنان صلاح منصور من مواليد شبين القناطر قليوبية، دخل مجال التمثيل من باب المسرح المدرسى، واختار العمل فيه حتى أُحيل...

مهرجان فينيسيا السينمائى.. الإنسـان فى زمن التحولات الكبرى

تنوعت أفلامه بين الدراما التاريخية والكوميديا السوداء والوثائقي السياسي

فتنة أصالة.. ومصــالحة الساهر

على غير المتوقع، وفى ظل أنباء متضاربة عن اشتعال حرب جديدة فى بقعة جديدة جنوب جزيرة العرب، علت أصوات المهتمين...


مقالات

4 مرتكزات متكاملة لصناعة الاستقرار الأسري
  • الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 01:00 م
التعدين.. المنجم مجرد بداية
  • الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 10:00 ص
منصة وسط الغياب
  • الأحد، 27 سبتمبر 2026 07:01 م
سوق العمل واشكالية خريجي الإعلام !
  • الأحد، 27 سبتمبر 2026 10:00 ص