فتنة أصالة.. ومصــالحة الساهر

على غير المتوقع، وفى ظل أنباء متضاربة عن اشتعال حرب جديدة فى بقعة جديدة جنوب جزيرة العرب، علت أصوات المهتمين بعالم الموسيقى، واشتبك الكل فى معركة جدلية لا أصل ولا فصل لها، لكنها صارت سيدة الموقف.

 

أصالة تسطو على لحن سيد درويش وتنسبه لتراث اللاذقية.. الساهر يغنى لحنا مسروقا.. وبحث مضنٍ عن مطرب مجهول يغنى لـ"بتاع الروبابيكيا"..

ثلاث قصص هى الأبرز فى الوطن العربى المنقسم جغرافيا وموسيقيا.. وكله بيزيط فى الزيطة.. وبين ليلة وضحاها أصبحنا جميعا أساتذة فى علوم الموسيقى والأنثروبولوجيا.

البداية كانت الاعلان عن حفل ضخم لكاظم الساهر فى القاهرة، التى كانت قد أعلنت عن نهاية موسم الحفلات الصيفية.. وتم إلغاء 3 حفلات بعد الإعلان عنها.. عودة كاظم للقاهرة بعد غياب عامين جاءت مصحوبة بإصداره ألبوما جديدا يضم 12 أغنية دفعة واحدة كتب هو نفسه عددا غير قليل منها.

أصدر الساهر أغنياته على مراحل قبل أن يصل إلى القاهرة التى رتب لنفسه خلال زيارتها مشروعا جديدا الى جانب الحفل لتسجيل مجموعة أغنيات جديدة باللهجة المصرية لصاحب الألف أغنية الفكهانى مرسى جميل عزيز.. وتعاون جديد مع شاعر شاب يلتقى بالساهر لأول مرة هو رفيق الشورى.

وقبل أن يصل الساهر إلى القاهرة كانت معركة أغنية "الحلوين" قد اشتعلت.. فبعد إطلاقها فى الفضاء الإلكترونى بأيام قليلة قام الساهر بحذفها من جميع المنصات.. فقد اكتشف جمهوره أنها سبق أن صدرت نسخة أخرى منها منذ سنوات بعيدة لحميد منصور بتوقيع الشاعر ذاته: بشير عبود.

الشاعر لم يسكت، وخرج ليؤكد أنه لم يمنح أحدا غير الساهر أية تنازلات.. وأن الأغنية القديمة حصل عليها ملحنها بطريقة مخادعة، إذ كان قد سمع منها مذهبا فى جلسة خاصة منذ سنوات.. ثم جاء بشاعر آخر وأكمل كوبليهات ليست له.. صدرت بها.. ولم يعلم الساهر بالأمر وحقيقته إلا بعد أن وصل إلى القاهرة، فما كان منه إلا أن أعاد نشر الأغنية فى صيغتها الجديدة.

انتهت فتنة أغنية "الحلوين" سريعا.. لكن أصداء ألبوم الساهر وحفل القاهرة لم تنته.. الرجل الذى قدم نفسه شاعرا لسبع أغنيات كاملة فى مقدمتها "أتت" حاول الرد على تساؤلات معجبيه بشكل دبلوماسى كما هو معروف عنه.. المهم أن الساهر قدم فى هذه التجربة محاولات جديدة موسيقيا بالتعاون مع هشام نياز وآخرين قدموا له توزيعات مبتكرة لميلودى ساهرى شرقى، احتفظ كثيرا بإيقاعات عراقية شعبية أجاد الساهر استخدامها لتقريب الفولكلور العراقى بشكل مدهش وناجح.

تجربة الساهر الممتدة فى الغناء بالفصحى شهدت هذه المرة استدعاء اسم عراقى مهم هو صوت الشاعرة لميعة.. فى قصيدة "تدخنين".. وقد قدمها الساهر فى شكل ديو مع المطربة سيندى لطى بعد ما يقرب من عشرين سنة من كتابتها.

ربما لم تحدث أغنيات الساهر الجديدة فرقعة جماهيرية كما هو حال أغنياته القديمة، لكن حفله كان كامل العدد، وهو ما اعتبره جمهور القاهرة مصالحة كانت واجبه بعد غياب عامين عن حفلاتها.

البوم الساهر يحتفظ بملامح تجربته الأساسية بلا مغامرات كبيرة، لكنه يضيف إليها أشكالا موسيقية تقفز به خطوات إلى جمهور جديد يحتاجه الرجل السبعينى الذى يدرك قيمة التاريخ جيدا.

لم يهنا الساهر كثيرا بنجاح حفله القاهرى، قبل أن يتوجه إلى الكويت لإقامة حفل آخر.. فقد دخلت أصالة على الخط.. ألبوم أصالة الجديد صدر قبل موعد حفلها الذى أقامته فى دمشق بعد غياب أربع عشرة سنة تقريبا.. ألبوم أصالة رغم أنه تجربة مهمة لتقديم تراث الشام بشكل عصرى فإن الحالة السياسية سيطرت على المناخ العام بأغنيات الألبوم والحفل الذى تلاه.

قدمت أصالة أربع عشرة أغنية.. كل أغنيه تمثل تراث إحدى محافظات سوريا.. وقد أدت أصالة أغنيتها الرئيسية "رجعت أصالة ع الشام" بتمكن شديد وتكنيك فنى فذ.. رغم شجن اللحن وحصار كلماته التى تسجل عودة مطربته إلى وطنها بعد غياب طويل.

أغنيات أصالة التى حصدت ملايين المشاهدات توارت جميعها أمام فتنة أشعلتها بغناء "على روض الحبيب" ونسبها لحن الأغنية للتراث الشامى.. تراث ساحل اللاذقية تحديدا.. فيما أضافت أثناء الحفل أن الأغنية بها روح سيد درويش.. بعد الحفل بساعات انفجر التايم لاين باتهامات لأصالة بأن أغنيتها تطابق لحن "زورونى كل سنة مرة" لسيد الذكر.. وأنها سرقت اللحن ونسبته لفولكلور اللاذقية.. واشتعلت المشاحنات بين الملايين الذين تحولوا فى لحظة إلى موسيقيين ومؤرخين.. والغريب أن جمعية المؤلفين والملحنين فى مصر أصدرت بيانا يطالب أصالة بتقديم مستند ينفى نسب اللحن لسيد درويش.. ويؤكد نسبه الفولكلور الشامى.

هؤلاء جميعا.. من يطالبون أصالة بمستند.. تجاهلوا أن قصة هذا اللحن ونسبته لسيد درويش من عدمه تعود لسنوات طويلة مضت.. فالعراقيون وغيرهم من أهل التاريخ والموسيقى ينسبون اللحن إلى عثمان الموصلى وهو أحد أساتذة سيد درويش.. وكان قد التقاه فى حلب.

الموصلى.. ابن العراق الذى عاش لسنوات طويلة فى تركيا.. وحلب.. والقاهرة.. لا يعرف الكثيرون أنه أصدر فى مصر مجلة اسمها "المعارف".. وأنه أدخل الموشحات وعددا من المقامات العراقية فى الغناء المصرى.. ومن بين تلاميذه محمد عثمان والشيخ على محمود وعبده الحامولى.. ومسألة أن يتأثر درويش بأحد ألحانه أمر وارد.. فقد استلهم الرحابنة أحد ألحانه أيضا "بنت الشلبية".. وتنسب له ألحان مهمة مثل "قدك المياس.. وطلعت يا محلا نورها.. وفوق النخل فوق".. وجميعها قيل إنها كانت قصائد صوفية جرى تغيير كلماتها لتصبح أغنيات عاطفية فيما بعد.

ملخص القول: إن قصة لحن زورونى كل سنة مرة قديمة.. وسبق تناولها عشرات المرات فى دراسات مختلفة، ولم يحسم أحدهم الأمر بمستند قاطع مثلما هو حال النشيد الوطنى "بلادى بلادى".. ومؤلف كلماته، هل هو سيد درويش نفسه أم يونس القاضي؟!.. وللأمانة لحن أغنية أصالة لا علاقة له بلحن سيد درويش أو الموصلى.. هما يتشابهان فقط فى الإيقاع وفى كونهما من مقام واحد هو مقام العجم.. معركة أظنها مفتعلة، السبب فيها أصالة والحال السياسى المضطرب فى أجواء بلاد العرب ليس أكثر.

وفى التوقيت ذاته الذى اندلعت فيه قصة أغنية أصالة وسيد درويش.. أشعل محمد الحلو معركة أخرى أصابت عددا كبيرا من محبى حميد الشاعرى وجمهور مطربى التسعينيات.. الحلو الذى كان يتكلم على سجيته وطريقته خفيفة الدم قال فى حوار تليفزيونى إن حميد هو السبب فيما وصلت إليه الأغنية من فساد وسوء، لأنه "خلى اللى شايل له الشنطة يغنى".. المطرب إبراهيم عبد القادر المختفى منذ سنوات زاد الطين بلة بأن ذكر ما لم يذكره الحلو.. فالرجل لم يذكر اسما.. لكن عبد القادر قال فى منشور على صفحته الشخصية إنه يقصد المطرب "فارس".. فخرج من يهجو محمد الحلو ويطالبه بالاعتذار لفارس.. ومن يلوم عبدالقادر على تحميل الحلو ما لم يقله.. فيما رأى البعض أن توصيف الحلو يشمل عشرات المطربين، وأنه لم يكن موفقا من الأصل فى حديثه عن الأمر، خاصة أنه غاب منذ فترة والجمهور كان ينتظر عودته بأغنية جديدة بدلا من هذه المهاترات.

الحلو لمن يعرفه هو أحد أنبل وأطيب من يعملون فى الوسط الفني، ولا أعتقد أنه يقصد أى إساءة لحميد أو من لحن ووزع لهم.. وأن ما قاله لم يكن أكثر من مداعبة لصديقه.

فى هذه الأجواء الملتهبة بمعارك "خايبة"...ظهر فجأة مطرب لا يعرفه أحد.. الصورة الحقيقية له غير موجودة.. فقد استخدم الذكاء الاصطناعى فى أغنياته.. وقد نجحت منها أغنية سمعناها كثيرا أثناء مباريات المنتخب المصرى فى كأس العالم من دون أن نعرف اسم صاحبها.. اسمها "أنا مصرى يلا".. المطرب المصنوع أصدر هذا الأسبوع أغنية بديعة فى كلماتها ولحنها سرعان ما اجتذبت ملايين المتابعين.. لنعرف بعدها أن مؤلفها وملحنها ومن غناها هو الشاعر نور الدين محمد صاحب أغنية "خانات الذكريات" لأصالة وعشرات الأغنيات الناجحة لعدد من المطربين، وأنه اتجه للتلحين والغناء باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعى، لتصبح أغنيته "بياع الروبابيكيا" هى واحدة من أنجح التجارب هذا العام

 	محمد العسيري

محمد العسيري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ببب
عمرو

المزيد من فن

مهرجان فينيسيا السينمائى.. الإنسـان فى زمن التحولات الكبرى

تنوعت أفلامه بين الدراما التاريخية والكوميديا السوداء والوثائقي السياسي

فتنة أصالة.. ومصــالحة الساهر

على غير المتوقع، وفى ظل أنباء متضاربة عن اشتعال حرب جديدة فى بقعة جديدة جنوب جزيرة العرب، علت أصوات المهتمين...

ملفات «محاكم الجنايات» تغزو الدراما المصرية

جذبت الجمهور بأحداثها المثيرة.. والمنصات الرقمية زادتها رواجاً ماجدة موريس: الجريمة لها معايير مختلفة ومحددة عن الأنواع الدرامية الأخرى

أفلام 2027.. عام الأجزاء الجديدة

«الفيل الأزرق 3» و«أولاد رزق 4» و«غبى منه فيه 2» و«شمس الزناتى 2»


مقالات

4 مرتكزات متكاملة لصناعة الاستقرار الأسري
  • الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 01:00 م
التعدين.. المنجم مجرد بداية
  • الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 10:00 ص
منصة وسط الغياب
  • الأحد، 27 سبتمبر 2026 07:01 م
سوق العمل واشكالية خريجي الإعلام !
  • الأحد، 27 سبتمبر 2026 10:00 ص