16 فيلماً حولت الأبناء لاختبارٍ عن معنى الحب والبطولة والندم
ليست الأبوة في السينما دائمًا صورة الرجل الذي يحمي أبناءه ويمنحهم الأمان، أحيانًا يكون الأب هو مصدر الجرح، وأحيانًا يكون غيابه هو الجرح، وفي أحيان أخرى لا يكتشف الرجل معنى الأبوة إلا عندما يجد نفسه مهددًا بفقدان ابنه، ولهذا أصبحت علاقة الأب بأبنائه واحدة من أكثر العلاقات ثراءً في السينما؛ لأنها تسمح للمخرج بأن يطرح أسئلة أكبر عن الحب والسلطة والفشل والندم والمصالحة.
على امتداد تاريخ السينما، قدم عدد من كبار المخرجين ونجوم هوليوود أفلامًا جعلت من هذه العلاقة محورًا أساسيًا للحكاية، لا مجرد خلفية للأحداث، وفي هذه الأفلام لا تأتي الأبوة في صورة واحدة، بل تتغير مع الظروف: أب يتعلم كيف يكون أباً، وآخر يحاول حماية ابنه من عالم ينهار، وثالث يكتشف أن الحضور الجسدي لا يكفي، ورابع لا يبدأ في فهم علاقته بابنه إلا بعد أن يصبح الوقت ضيقا. وكأن هذه الأفلام، على اختلاف حكاياتها، تضع الأب أمام السؤال نفسه: متى يدرك الرجل معنى أبوته؟
Kramer vs. Kramer
في فيلم Kramer vs. Kramer (1979)) للمخرج روبرت بنتون، يقدم داستن هوفمان واحدًا من أهم أدواره في شخصية «تيد كرامر»، الرجل الذي يضع عمله في مقدمة حياته، إلى أن تتركه زوجته وتترك له ابنه الصغير، فجأة يجد الرجل نفسه مسؤولاً عن طفل لم يكن يعرف كيف يعتني به، وما يبدأ كواجب ثقيل يتحول تدريجيًا إلى علاقة حقيقية بين أب وابنه. الفيلم لا يتعامل مع الأبوة باعتبارها غريزة جاهزة، وإنما باعتبارها شيئًا يمكن أن يتعلمه الإنسان، وأن يبنيه يومًا بعد يوم من خلال التفاصيل الصغيرة التي لم يكن يلتفت إليها من قبل، وعندما تعود الأم وتبدأ معركة الحضانة، يصبح السؤال أكبر من: من سيحصل على الطفل؟ إنه سؤال عمن أصبح بالفعل والدًا لهذا الطفل.
حصل هذا الفيلم على أوسكار أفضل فيلم، بينما قدم داستن هوفمان وميريل ستريب أداءً بارزًا جعل الصراع العائلي قلب الدراما.
The Pursuit of Happyness
في The Pursuit of Happyness
الأب الذي لا ينتهي تأثيره حتى بعد رحيله يقدم ويل سميث واحدة من أكثر صور الأبوة شعبية وتأثيرًا في السينما الحديثة. الفيلم من إخراج جابرييل موتشينو، مستوحى من قصة حقيقية لكريس جاردنر، الرجل الذي واجه التشرد بينما كان يحاول بناء مستقبل أفضل لابنه.
جسد ويل سميث الدور إلى جوار ابنه الحقيقي جادن سميث، الذي لعب شخصية ابنه أيضًا، ما منح العلاقة بين الأب والابن صدقًا عاطفيًا لافتًا. لكن الفيلم لا يعتمد تأثيره على رحلة الأب نحو النجاح المهني فحسب، بل على إصراره على حماية ابنه من قسوة الفقر، وألا يسمح له بأن يشعر بأن ضيق الحال يعني فقدان الأمان، ويصبح الطفل الدافع الحقيقي وراء استمرار الأب في المقاومة.
The Road
وفي 2009 (The Road)، يذهب المخرج جون هيلكوت إلى الطرف الأكثر قسوة من علاقة الأب بابنه، في عالم ما بعد نهاية الحضارة، يسير أب مريض مع ابنه الصغير نحو البحر، بينما يحاول حمايته من الجوع والعنف والموت، ويؤدي فيجو مورتنسن دور الأب، بينما جسد كودي سميت- ماكفي الابن، وهنا لا يملك الأب شيئًا تقريبًا ليعطيه لابنه: لا منزل، ولا طعامًا كافيًا، ولا مستقبلاً واضحًا. الشيء الوحيد الذي يستطيع أن يمنحه إياه هو محاولة إبقائه حيًا وإنسانيًا، لذلك تصبح الرحلة في الفيلم اختبارًا للأبوة نفسها: ماذا يفعل الأب عندما يعجز عن تغيير العالم الذي سيعيش فيه ابنه؟ وربما يصبح الحفاظ على إنسانية الطفل أهم من مجرد الحفاظ على حياته.
Life Is Beautiful
وفي 1997 (Life Is Beautiful)، يكتب ويخرج روبرتو بينيني ويؤدي دور الأب الذي يحاول حماية ابنه من رعب معسكر الاعتقال النازي. الأب هنا لا يستطيع إيقاف الحرب أو تغيير الواقع، لكنه يستطيع أن يحاول حماية عقل طفله منها، فيحوّل الرعب إلى لعبة، والخوف إلى خيال، والموت إلى شيء لا يراه الطفل كما يراه الكبار، إنها واحدة من أكثر صور الأبوة السينمائية تأثيرًا؛ فحين يعجز الأب عن حماية ابنه من العالم، يحاول على الأقل أن يحميه من معرفة قسوته كاملة.
The Place Beyond the Pines
وفي The Place Beyond the Pines 2012 للمخرج ديريك سيانفرانس، لا تتوقف علاقة الأب بالأبناء عند
شخصيتين. الفيلم يتتبع أثر قرارات الآباء على الجيل التالي، ويجمع بين رايان جوسلينج وبرادلي كوبر ضمن قصة تمتد عبر سنوات. الأب الذي لا ينتهي تأثيره حتى بعد رحيله، وهنا تطرح السينما فكرة شديدة القسوة: الأب لا ينتهي عندما يرحل؛ أحيانًا يستمر في حياة ابنه من خلال أخطائه وقراراته وآثاره، لذلك لا يصبح الفيلم مجرد قصة عن الأبوة، وإنما عن الإرث العاطفي الذي يتركه الآباء لأبنائهم، سواء أرادوا ذلك أم لا.
Road to Perdition
وفي 2002 (Road to Perdition)، يقدم المخرج سام ميندس علاقة أبوية داخل عالم الجريمة، حين جسد توم هانكس أباً يعمل قاتلاً مأجورًا، بينما يشاهد ابنه عالمه الحقيقي، فيجد الأب نفسه مضطرًا إلى الهروب معه وحمايته، المفارقة أن الرجل الذي قضى حياته يمارس العنف يصبح فجأة مطالبًا بحماية ابنه من العالم الذي صنعه بنفسه.
The Judge
لكن الأبوة لا تتوقف عندما يكبر الأبناء. في 2014 (The Judge)، تنتقل العلاقة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا؛ الأب والابن أصبحا رجلين بالغين، لكن الماضي لم ينته. الأب الحاضر الذي لا يعرف كيف يصل إلى ابنه، فالفيلم يضع روبرت داوني جونيور أمام روبرت دوفال في علاقة مليئة بالغضب والعتاب والاختلاف، الابن غادر بلدته ونجح بعيدًا عن أبيه، لكنه يكتشف أن المسافة الجغرافية لم تكن كافية للخروج من تأثيره، وهنا تقدم السينما واحدة من أكثر صور الأبوة واقعية: يمكن للابن أن يصبح رجلاً کاملاً، ومع ذلك يظل أمام أبيه طفلاً يحمل أسئلة لم يجد لها إجابة.
The Son
وفي 2022 (The Son)، من إخراج فلوريان زيلر، يتعامل هيو جاكمان مع الأبوة من زاوية أكثر قتامة. الأب يحاول أن يعوض ابنه عن سنوات الانفصال، لكن اكتشافه أن ابنه يعاني مشكلات نفسية وإدمانًا لا يعني بالضرورة أنه يعرف كيف يساعده، كان الأب الحاضر الذي لا يعرف كيف يصل إلى ابنه، وهنا يصبح الحب وحده غير كاف، ويظهر السؤال الأصعب: هل يكفي أن نعود إلى حياة أبنائنا عندما يحتاجون إلينا، أم أن بعض الغياب يترك جروحًا لا يمكن إصلاحها بسهولة.
Ordinary People
وفي فيلم 1980 (Ordinary People)، يقدم روبرت ريدفورد قصة عائلة تتصدع من الداخل بعد وفاة الابن الأكبر، بينما يحاول الأب «كالفن»، الذي يؤدي دوره دونالد ساذرلاند، أن يقترب من ابنه الأصغر «كونراد» ويعيد إليه الإحساس بالأمان، فهو الأب الحاضر الذي لا يعرف كيف يصل إلى ابنه، لكن الأب يجد نفسه عاجزًا أمام برود زوجته ومشاعر الذنب التي تخنق الأسرة، فيصبح وجوده
إلى جوار ابنه عاجزًا عن سد المسافة العاطفية بينهما. الفيلم لا يصورة الغياب الأبوي باعتباره هجزًا، بل باعتباره عجزًا عن الوصول إلى الابن رغم وجود الأب بجواره كل يوم، وقد حصد الفيلم أوسكار أفضل فيلم، بينما فاز روبرت ريدفورد بأوسكار أفضل مخرج.
The Royal Tenenbaums
وفي The Royal Tenenbaums (2001)، من إخراج ويس أندرسون، يقدم جين هاكمان شخصية «رويال»، الأب الذي لم يكن غائبًا عن حياة أبنائه بالمعنى الجسدي فقط، لكنه كان أباً أنانيًا ترك أبناءه وهم في أمس الحاجة إليه، وعندما يعود إليهم بعد سنوات، يحاول استعادة مكانه بينهم، لكن أبناءه أصبحوا بالغين يحمل كل منهم جرحًا مختلفًا، ويمزج الفيلم الكوميديا بالحزن، ويطرح سؤالاً مهمًا: هل يمكن للأب أن يعود إلى حياة أبنائه بعد أن يفوت سنوات تشكيلهم؟
Boyhood
وفي 2014 (Boyhood)، من إخراج ريتشارد لينكليتر وبطولة إيثان هوك، يتابع الفيلم حياة الطفل «ميسون» منذ الطفولة حتى دخوله الجامعة، بينما تتغير علاقة الأب به عبر السنوات. الأب ليس شريرًا ولا مهملاً بالضرورة، لكنه يعيش خارج المنزل ويظهر في حياة ابنه على فترات، فالحضور المتقطع شكل من أشكال الغياب، فالأب يمكن أن يحب ابنه، ويزوره، ويقضي معه بعض الوقت، لكنه يظل بعيدًا عن التفاصيل اليومية التي تصنع علاقة الأب بابنه وتترك أثرها في شخصيته.
The Descendants
وفي 2011 (The Descendants)، من إخراج ألكسندر باين، يلعب جورج كلوني دور أب لابنتين، لكنه يعترف ضمنيًا بأنه لم يكن حاضرًا بما يكفي في حياتهما، وعندما يكتشف الأب أنه كان موجودًا
جسديًا لكنه غائب فكريًا وتربويًا ونفسيًا، تدخل زوجته في غيبوبة، ويجد نفسه مضطرًا فجأة إلى أن يصبح الأب الذي لم يكنه من قبل.
الجمال في هذا الفيلم أنه لا يقدم أباً سيئًا، بل أباً اكتشف متأخرًا أنه كان موجودًا في البيت، لكنه غائب عن تفاصيل حياة ابنتيه. وهنا يصبح المرض العائلي فرصة قاسية لاكتشاف ما فاته من سنوات الأبوة.
Field of Dreams
وفي 1989 (Field of Dreams)، يلعب كيفن كوستنر دور رجل تقوده أصوات غامضة إلى بناء ملعب للبيسبول في مزرعته. المصالحة مع الأب بعد فوات الأوان، ولكن خلف الحكاية الرياضية والفانتازيا، يوجد موضوع أكثر إنسانية: الرغبة في إصلاح ما لم نستطع إصلاحه مع آبائنا وهم على قيد الحياة، ولهذا ظل الفيلم حاضرًا في الذاكرة السينمائية بوصفه فيلمًا عن الأبوة والندم والمصالحة، إذ ترتبط شخصية كوستنر بعلاقة الأب والابن باعتبارها القلب العاطفي للقصة، فبعض العلاقات لا نكتشف قيمتها إلا عندما نعرف أن الفرصة التي كنا نظن أنها ستظل متاحة إلى الأبد قد انتهت.
Days to Kill
وفي 2014 (Days to Kill)، يلعب كيفن كوستنر دور عميل المخابرات إيثان رينس الذي يكتشف إصابته بمرض قاتل، فيقرر، بعد سنوات قضاها بعيدًا عن أسرته، أن يستعيد علاقته بابنته المراهقة في محاولة تعويض الابنة قبل فوات الأوان، وبينما يُطلب منه تنفيذ مهمة أخيرة مقابل علاج قد ينقذ حياته، يجد نفسه أمام مهمة أكثر صعوبة: أن يصبح أباً حاضرًا في حياة ابنته قبل أن يفوته الوقت، لذلك تأتي التفاصيل الصغيرة، مثل شراء دراجة لها وتعليمها ركوبها، أكثر تأثيرًا من مشاهد المطاردات والقتل؛ فهي محاولات متأخرة لاستعادة
سنوات لم يعشها معها، ويحدث ذلك خلف فيلم الحركة والجاسوسية، ليصبح المرض تذكيرًا قاسيًا بأن بعض اللحظات لا يمكن تأجيلها، وأن الأب قد يكتشف قيمة حضوره في حياة ابنته فقط عندما يدرك أن الوقت المتبقي بينهما محدود.
The Great Santini
إذا كانت معظم الأفلام السابقة تقدم الأب بوصفه حاميًا أو رجلاً يحاول إصلاح أخطائه، فإن The Great Santini 1979، يقدم الوجه الآخر للأبوة، وهو الأب الذي يصبح مصدر الجرح، ويجسد روبرت دوفال أباً عسكريًا شديد الصرامة، يفرض شخصيته على أبنائه، وخصوصًا ابنه الذي يحاول أن يجد هويته بعيدًا عن ظل أبيه. الفيلم مؤلم لأنه يطرح سؤالاً لا توجد له إجابة سهلة: هل يمكن للأب أن يحب ابنه بصدق، وفي الوقت نفسه يكون السبب في ألمه؟ وفي هذه المنطقة الرمادية تحديديًا ما يجعل الفيلم مهمًا في تاريخ أفلام الأبوة؛ فليس كل أب غائبًا، وليس كل أب حاضرًا يمنح الأمان، أحيانًا يكون الأب موجودًا بقوة تكاد تطغى على حياة ابنه.
Big Fish
وفي 2003 (Big Fish)، يأخذ المخرج تيم برتون علاقة الأب والابن إلى منطقة مختلفة تمامًا. الأب «إدوارد بلوم» رجل يحب الحكايات والمبالغة، بينما يشعر ابنه «ويل» أن والده لم يكن صادقًا معه قط، وبينما يقترب الأب من الموت، يبدأ الابن في محاولة فهم الرجل الذي عاش عمره كله أمامه دون أن يعرفه حقًا، وبفضل ألبرت فيني وإيوان ماكجريجور، يتحول الأب إلى شخصيتين في آن واحد؛ الرجل الحقيقي، والأسطورة التي صنعها عن نفسه. وهنا يصبح الفيلم بحثًا عن إجابة مؤلمة: هل نحتاج إلى معرفة الحقيقة كاملة عن آبائنا حتى نحبهم؟ ويزداد تأثير الفيلم لأن تيم برتون يمزج الواقع بالخيال، فيجعل الحكايات التي كان الابن يرفضها في البداية وسيلة لفهم الأب في النهاية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
هانى خليفة مخرج وكاتب ومثقف ومخرج سينمائى تربى فى مدرسة الواقعية التى من رموزها داود عبدالسيـد ورضـوان الكاشف وخيرى بشـارة،...
قرأ لينين الرملى فى أعماله الأولى أحداث المجتمع المصري وحاول أن يطرح أسئلة اللحظة الراهنة من خلال أسلوب كوميدى فى...
مريم فخر الدين ترفض تكريم مظهر على كرسى متحرك فى مهرجان القاهرة قال لها: «زقينى يا مريم » فأصرت أن...