ربع قرن على رحيلها.. سعاد حسنى .. الأوراق المجهولة (6)

السندريلا.. فى حضرة الحرافيش حين قالت سعاد: لست مثقفة.. وشهادتى هى موهبتى نجيب محفوظ: أرتاح عندما أرى وجه سعاد حسنى على الشاشة صاحب نوبل تحدث قبل رحيله عن مجاورته لسعاد وأحمد زكى فى العالم الآخر مصطفى محمود أهدى السندريلا بعض كتبه.. وتوفيق صالح تدخل لحل خلاف فنى بينها وبين على بدرخان

في أوائل السبعينيات سئل نجيب محفوظ عن ذلك الوجه السينمائي النسائى الذي يعجبه بين الفنانات المصريات فأجاب بلا تردد: سعاد حسنى.. ارتاح عندما أرى وجهها على الشاشة).. هذه الكلمات البسيطة كانت شهادة مبكرة وعظيمة من أديب مصر والعرب وعميد الرواية العربية في حق النجمة الاستثنائية التي قطعت طريق النجومية في خطوات سريعة بموهبة كبيرة وحقيقية.. هي شهادة من زعيم الحرافيش الذين ارتبطت سعاد ببعضهم بعلاقة فنية وإنسانية.. فماذا عن علاقة السندريلا بالحرافيش ؟

في يونيو عام ۲۰۰۳ وبمناسبة الذكرى الثانية لرحيل السندريلا أوردت مجلة الكواكب رأيا عظيما لصاحب نوبل عن سعاد حسنى قال فيه:

قابلت سعاد حسنى في بداية مشوارها الفني في ظروف إنتاجية تتعلق بقيامها ببطولة أحد الأفلام المأخوذة عن رواية لي، وقد كانت فتاة مهذبة ودمتة الخلق وخفيفة الظل كما كانت فنانة مرهفة الحس، ولقد تعجبت في البداية حين رشحت للقيام لأول مرة ببطولة فيلم لي - وأعتقد أنه كان "الطريق" - في أواسط الستينيات فقد اعتدت أن أراها في أدوار خفيفة تميل إلى الكوميديا، لكني وجدت فيها بعد ذلك أبعاداً تراجيدية عميقة).

وأضاف محفوظ عن سعاد: (أعتقد أنها كانت من أكثر الممثلات تنوعا في الأداء في وقت كان الكثير من الممثلات الأخريات يملن إلى النمطية ولقد بهرت بأدائها في الكثير من الأفلام المأخوذة عن رواياتي أو التي كتبت لها السيناريو بنفسي، فكان أداؤها رائعا في "القاهرة 30 لصلاح أبو سيف وفي "الاختيار" ليوسف شاهين، كما دخلت قلبي بخفتها في "أميرة حبي أنا" لحسن الإمام).

ومن اللافت أن محفوظ الذي ظل محتفظا ببديهته الحاضرة رغم تقدم عمره قال لبعض أصدقائه يوما في أخريات حياته وقبل رحيله بشهور

وكان يتحدث عن الموت وانتظاره له وعن مقبرته التي تقع على طريق القاهرة - الفيوم التي اشتراها بعد أن أشار عليه بذلك المخرج الكبير توفيق صالح أحد أقرب أصدقائه وأحد شلة الحرافيش الذي أشترى مقبرة إلى جوار مقبرة صاحب نوبل - قال محفوظ ( أخبرني التربي أن سعاد حسنى وأحمد زكي من جيراني في العالم الآخر.. فمقبرة كل منهما قريبة من (مقبرتي).

علاقات فنية وإنسانية

قدمت سعاد سبعة أفلام مأخوذة عن أعمال نجيب محفوظ .. وهي عدد معتبر من أعمال صاحب نوبل هي على التوالى الطريق عام ١٩٦٤ والقاهرة ٣٠ عام ١٩٦٦ والاختيار عام ۱۹۷۱ وأميرة حبى أنا عام ١٩٧٤ والكرنك عام ١٩٧٥ وأهل القمة عام ١٩٨١ وأخيرا الجوع عام ١٩٨٦ بواقع فيلمين في مرحلة الستينيات وثلاثة في السبعينيات واثنين في الثمانينيات.. وإن كان أول أدوار السندريلا مع أعمال نجيب محفوظ لم ينل حظا وافرا من النجاح والتحقق بسبب طبيعة الدور. شخصية إلهام الطيبة البريئة في فيلم الطريق التي تحب البطل سيد صابر الرحيمي بعكس شخصية كريمة التي أدتها شادية المنطلقة المتحررة القوية فإن سعاد بعد ذلك وفي كل أدوارها في

الأفلام المأخوذة عن أعمال صاحب نوبل تجلت وتألقت وتعملقت... خاصة دوري إحسان شحاتة في القاهرة ٣٠ إخراج صلاح أبو سيف وزينب دياب في الكرنك الذي أخرجه على بدرخان... وفي معرض ما قيل عن تلك الأفلام التي مثلتها سعاد عن أعمال محفوظ إن ممدوح الليثي كاتب سيناريو وحوار أميرة حبى أنا أقحم اسم نجيب محفوظ كصاحب القصة المأخوذ عنها الفيلم ليستفيد من تلك السمعة الباهرة والمكانة العظيمة التي حققها محفوظ وأعماله وحضورها ونجاحاتها المشهودة في السينما وأن القصة لم ترد في رواية المرايا التي تناول فيها محفوظ خمسا وخمسين شخصية... ولكن من يقرأ المرايا جيدا سيدرك على وجه اليقين أن قصة أميرة حبى أنا مأخوذة من قصة إحدى شخصيات المرايا وهي قصة كاميليا زهران مع بعض التعديلات التي أجراها الليثي...

يهمنا هنا أن نقول أيضا إنه أثناء تصوير فيلم أهل القمة أحد أعمال السندريلا المأخوذ عن قصة لصاحب نوبل حدث الاتفاق بين سعاد وزوجها المخرج الكبير على بدرخان على الطلاق الذي تحقق بالفعل لتتزوج سعاد بعدها مساعده في إخراج العمل زكي فطين عبد الوهاب لمدة ستة أشهر فقط.. وهذا الفيلم - أهل القمة - كانت الرقابة قد قررت منعه بحجة أنه يهاجم الانفتاحالاقتصادي الذي انتهجته الدولة آنذاك ولكن الرئيس الراحل أنور السادات تدخل لعرضه وحل الأزمة.. وقد ذكر لى السيناريست ماهر عواد زوج سعاد الأخير في تفسيره أن فترة عمل سعاد مع على بدرخان كانت أنجح فترات حياتها فنيا: إن بدرخان تولى مهمة الناصح الأمين أو المشرف والمرشد السعاد في اختياراتها.. وقد تولى أيضا مهمة تعريف سعاد بأوساط المثقفين والمبدعين مثل أحمد فؤاد نجم الذي كان من أقرب أصدقائهما... ونحن هنا نضيف إن ارتباط سعاد فنيا وإنسانيا في تلك الفترة بعلى بدرخان لم يمنع من أن يكون لها رأيها الخاص المخالف الرأيه في بعض الأحيان فمثلا لم يكن بدرخان راضيا عن موافقة سعاد على بطولة فيلم خلى بالك من زوزو وكان رأيها هو الصحيح بعد أن حقق الفيلم نجاحا مذهلا... ربما لأن السندريلا كانت أيضا تعتمد على ناصح آخر و مرشد آخر بدرجة أكبر وأعمق وهو صلاحجاهين أحد من انضموا في فترة من فترات حياتهم إلى شلة الحرافيش أيضا، ولا يحتاج الحديث عن علاقة سعاد بجاهين الإنسانية والفنية كلاما كثيرا.. ذلك أن تعاون سعاد مع جاهين منذ خلى بالك من زوزو مرورا بأميرة حبى أنا والكرنك وشفيقة ومتولى وانتهاء بحلقات هو وهي كان محطة شديدة الأهمية في حياة سعاد خاصة وأن العلاقة بينهما كانت أكبر وأعمق من مجرد علاقة ثنائي فني بل علاقة إنسانية عظيمة يعرفها الجميع...

كتب وإهداءات

وأعود الماهر عواد الذي قال لي في معرض حديثه عن السندريلا رغم أن سعاد لم تتلق تعليما نظاميا إلا أن إحساسها وموهبتها الفطرية ووعيها الكبير وشخصيتها التي تمتعت بالكاريزما والبساطة الإنسانية في آن واحد كانت عوامل حاسمة في أن تصبح السندريلا أهم ممثلة على الإطلاق.

وأضاف ماهر: أثناء فترة العمل المتواصل كانت سعاد تقرأ قليلا وبقدر ما يتاح لها من وقت... وأذكر أنني وجدت لديها بعد زواجنا عددا لا بأس به من الكتب خاصة كتب زكي نجيب محمود ومصطفى محمود الذي وجدت عددا من الإهداءات بقلمه للسندريلا على بعض كتبه، وقد كان هو الآخر في فترة من حياته حرفوشا من شلة حرافيش نجيب محفوظ تربطه صلة بالسندريلا.. صلة وصلت إلى مرحلة الصداقة.. وهنا نذكر أن مجلتنا الإذاعة

والتليفزيون جمعت بين مصطفى محمود وسعاد في حوار غير تقليدي في عام ١٩٦٥ عبر صفحاتها سألت سعاد في آخره مصطفى محمود سؤالا قالت فيه:

لو سألتك تقيمنى كفنانة تقول إيه؟ فأجاب: أنت وجهك يعطى إحساسا بالبراءة والطفولة والمرح.. ويمكن ده جعل المخرجين يختارونك دايما الأدوار بنت الـ ١٦ المرحة.. وكانت النتيجة أنك تخصصت في الأدوار الخفيفة وده كان فيه ظلم كبير لموهبتك لأنني أعتقد أن عندك طاقة ممثلة كاملة ممكن تمثلى دورا كبيرا فيه عمق مش مجرد أدوار تسلية).

مصطفى محمود كتب أيضا عقب عرض فيلم القاهرة ٣٠ سعاد حسنى مثلت دورا صعبا متلون المواقف والعواطف معقد التركيب.. تناقضات في التعبير لم تكن لتقدر عليها واحدة غير سعاد حسنى.. عندها الموهبة على تلوين الصوت والصورة والوجه والتقاطيع في كفاءة واقتناع وذوق مرهف).

وهناك أيضا اثنان من كبار الحرافيش استمرا في الشلة مع نجيب محفوظ إلى النهاية ارتبطت بهما السندريلا ارتباطا وثيقا أولهما الفنان الكبير أحمد مظهر الذي جمعته علاقة فنية تواصلت على مر السنين بسعاد والتقيا كبطلين في كثير من الأفلام الناجحة مثل غصن الزيتون والقاهرة ٣٠ وشفيقة ومتولى.. أما المخرج الكبير توفيق صالح أحد كبار الحرافيش فلم يلتق بسعاد على المستوى الفنى لكنه كان قريبا منها على المستوى الإنساني وجمعته بها ويزوجها على بدرخان صداقة وطيدة لدرجة أنه تدخل أثناء تصوير فيلم سعاد الأخير الراعي والنساء لحل أزمة نتجت بسبب اختلاف في وجهة نظر فنية بين سعاد وبدرخان في بعض تفاصيل العمل... واستجاب كل منهما لرأيه وانتهت الأزمة.

عن القراءة والثقافة

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هل كانت السندريلا حريصة على تثقيف نفسها وهل كان لديها استعداد لأن تقرأ؟

في حوار نادر سأل مفيد فوزی سعاد عن ما إذا كان لها برنامج خاص للقراءة، فأجابته بشجاعة أنه ليس لديها أي برنامج خاص للقراءة ولكن حينما تجذبها حاجة تقرأها وتفصصها وتكون سعيدة لأنها تزيدها بالمعلومات).

وحينما سألها:

هل أنت مثقفة؟، أجابت بكل صراحة أيضا:

بالمعنى الدارج الكتابة والقراءة والدراسة والجامعة لست مثقفة، ولكنى مثقفة.. حياتيا أفهم مشاعر الناس وأفهم نوازعهم وأفهم اختلافاتهم.

ثم أضافت كلاما يدل على عمق وعيها حين قالت: (جامعة الحياة أهم من كل الجامعات.. من الممكن أن يكون خريج جامعة فرنسية أو إنجليزية وراسبا في جامعة الحياة، لكن المهم هو حجم الموهبة في الفنان، یعنی عبد الرحمن الخميسي شاف فيا من أول نظرة موهبة تبشر وبعدين علموني أساتذة وسمعت ملاحظات وتوجيهات، يمكن ده علمني أن أستخدم "وداني " وأشوف بيهم الدنيا، عارف أحيانا أقول مش يمكن لو كنت أتعلمت ودخلت جامعة كانت تبقى الموهبة أقل، أو يبقى التعليم بياكل من الموهبة، أنا بافترض وباقول ممكن لأني منحازة للموهبة أنت تسمع أم كلثوم ولا تسأل في أي الجامعات تعلمت؟ الصوت الاسطوري ينسيك هذه الأسئلة تماما، من هنا أقول لك موهبتی هی شهادتی.

 	 محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

يلل
ربع قرن على رحيلها.. سعاد حسني ..الاوراق المجهولة (4)
تفاصيل وأسرار العلاقة الشائكة بين السندريلا وسيدة الشاشة العربية
فارس السينما الأكبر (12) أخطر مغامرة فنية فى مشوار فارس السينما أحمد م
هذه أربع حكايات يمكن تلخيصها في مشاهد كاشفة تلقى الضوء على معاناة سعاد
فارس السينما الأكبر (11) 10 أفلام مع «بولا» و8 مع «السندريلا»
سعاد حسنى
سعاد حسنى.. فنانة الدفاع عن الحرية والكرامة الإنسانية

المزيد من فن

نجيب محفوظ.. الشهرة والمنصب فى ظل ثورة الضباط الأحرار

في كل عام يأتى شهر يوليو، الشهر الذي تحرك فيه فريق من ضباط الجيش المصرى لتغيير الوضع الذي استعصى على...

ربع قرن على رحيلها.. سعاد حسنى .. الأوراق المجهولة (6)

السندريلا.. فى حضرة الحرافيش حين قالت سعاد: لست مثقفة.. وشهادتى هى موهبتى نجيب محفوظ: أرتاح عندما أرى وجه سعاد حسنى...

فارس السينما الأكبر (15) غلطة «المنضبط» بألف

رصاصة طائشة تزلزل حياة مظهر وتتسبب فى طلاقه بدأت المأساة بتليفون من نجوى إبراهيم: ارجع البيت فورا.. فيه ضرب نار...

هانى شنودة أحدث نقلة نوعية فى شكل الأغنية المصرية

في هدوء شديد.. رحل الموسيقار الكبير هاني شنودة، بعدما ترك لنا العديد من الأعمال التي لا تنسى، وكان له تأثير...