«القصص».. حكاية سينمائية متوازنة بين التاريخ والسيرة الذاتية

نيللى كريم قدمت واحداً من أجمل أدوار الأم فى فيلم لأبوبكر شوقى الفيلم نافورة مشاعر تتعلق بزمن مضى ولم نعد نملك حياله إلا الحنين

الميزة الأولى التي يتمتع بها فيلم «القصص» أنه حاول أن يقدم خريطة واسعة للتاريخ المصرى من خلال حكاية إنسانية بسيطة، مقدماً حياة أسرة مصرية عانت من ويلات الحروب والتقلبات السياسية بين العصور المختلفة، الأمر الذي جعله يقدم مساحة زمنية واسعة في عمل سينمائى متقن، معتمداً على إقناع المشاهد بالفترة الزمنية بين عامى (1967(1984) من خلال اختلاف ملابس وتسريحات الشعر والإكسسورات والديكور، فضلاً عن الموسيقى التصويرية والشريط الغنائي والصوتي المصاحب للعمل، الأمر الذي جعل من الفيلم نافورة مشاعر وأحاسيس تتعلق بزمن مضى وانقضى، لكنه زمن محفور في وجداننا السينمائي والأدبي، ولم نعد نملك حياله إلا الحنين.

أفلام «السيرة الذاتية التي شكلت وجداننا عبر تكرار رؤيتها على شاشة التليفزيون هي تلك الأفلام السينمائية الجادة التي ظهرت كل مرة وسط موجة غير طبيعية من الأفلام الكوميدية، التي كانت تبدو كأنها هي التي تصنع الحدث في السينما، إلى أن يأتي مخرج لديه حكاية تخصه، ليقدم فيلما دراميا يحكى عن التاريخ السياسي الذي عاشه بمنتهى الحب والجدية، ساعتها فقط يخطف الفيلم الجديد الأضواء من كل الضاحكين والظرفاء على الساحة، وربما يتهم بالغموض أو الالتباس في البداية، لكنه سرعان ما يعيد تشكيل الخريطة من جديد، ويمكنني أن أضع لكم قائمة انتقائية بمثل هذه الأفلام في تاريخنا بدءاً من إسكندرية ليه ليوسف شاهين إلى سرقات صيفية ليسرى نصر الله و خرج ولم يعد لمحمد خان و «الهروب» لعاطف الطيب و التحويلة لأمالي بهنسي و «جنة الشياطين لأسامة فوزى، و «ميكروفون» لأحمد عبدالله السيد، الأمر الذي سوف يتكرر على الأرجح مع فيلم «القصص»، الذي بدأ عرضه السينمائي الأول في مصر والوطن العربي 17 يونيو الماضي.

الحدث الرئيسى لفيلم «القصص» حصد في تونس جائزة التانيت الذهبي كأفضل فيلم في مهرجان قرطاج السينمائي ديسمبر 2025 هو سرد رحلة أسرة مصرية بسيطة عبر ثلاثة عقود أو ثلاثة أزمنة مختلفة هي نفسها مراحل التطور السياسي والاجتماعي في مصر منطلقاً من أغنيات عهد الاشتراكية» زمن الرئيس المصرى الأسبق جمال عبد الناصر، إلى أغنيات «الله أكبر فوق كيد المعتدي» زمن الانتصار على إسرائيل في أكتوبر 1973، ثم إلى سينا رجعت كاملة لينا زمن الرئيس حسنى مبارك، وبين هذه الأزمنة الثلاثة واختلافاتها تدور حكاية أسرة «راغب أفندي».

لكن الفيلم اختار أن يبدأ من لحظة واحدة محددة، هي نكسة 5 يونيو 1967، تلك اللحظة التاريخية التي انكشفت فيها عيوب النظام الناصري وسوءاته، ربما لكي يقول إن كثيراً من هذه العيوب وتلك السوءات استمرت في حياة المصريين ووجدانهم طوال حكم الرئيسين أنور السادات وحسنى مبارك، وأن بعضها لا يزال إلى اليوم يملأ حياتنا، بعد أن كانت بدأت وترعرعت ووجدت لها متنفساً في تلك اللحظة المظلمة من تاريخ مصر، أقصد لحظة هزيمة الجيش المصرى واحتلال إسرائيل أراضى من سيناء، فيما عرف بـ «النكسة»، وهى تسمية مخففة أو «اسم دلع» اخترعه محمد حسنين هيكل.

الأم الكبرى

أجمل ما في «القصص» أنه يقوم حرفيا على أكتاف الأم لكنه يحلق لاحقا مع الحبيبة في أوروبا، والحقيقة أن النجمة الموهوبة نيللى كريم قدمت نموذجا فريدا للأم المصرية لا أعتقد أنه مسبوق في تاريخ السينما المصرية، الأم هنا تشبه أمهاتنا في كثير من الأمور على رأسها الملابس، فهي لا تعمل خارج البيت لكنها تشقى التربية ثلاثة ذكور أواخر عقد الستينات، وتحرص في الوقت نفسه على كتابة وتدوين قصص وأحداث الأسرة في أجندات صغيرة، وهذا سر فرادتها كامرأة مصرية ربة بيت، وقد جعلني اداء نيللي كريم اتذكر على الفور الإلهة الأم الكبرى (Mother goddess) التي كانت تمثل للإنسان منذ آلاف السنين الأمومة والخصوبة والإبداع في توليفة واحدة، وفي الوقت نفسه قدمت نيللي كريم ملامح الأم القوية ذات الوجه الطفولي، التي واجهت الأيام العصيبة بالصبر والتحمل والابتسامة الحلوة.

يقدم الفيلم نموذج الأم المثقفة التي استطاعت أن تعتني بشئون بيتها ومطبخها وتصير الأمر الناهي فيه وأن تربى أبناءها ليخرج من تحت يدها الفنان العازف والجندي الشهيد في حرب الاستنزاف ومنسق غرف ملابس لاعبى نادى الزمالك، أي أنها استطاعت أن تظل قادرة رغم كل هذه الظروف المطبخية القاهرة على البقاء مثقفة واعية قادرة على البوح والكتابة وقول كلمات الحكمة، حيث تكتب «الأم» بعد أداء واجبها المنزلى بالجلباب البسيط والإيشارب في أوقات الفراغ سيرة حياتها وحياة أسرتها، كأنها تنفس على طريقتها عن ضيق صدرها بالعالم، أو كأنها تكتب قصة كفاحها المريرة مع الأيام لكى تدونها، ربما لأنها لا تتق أن أحدا غيرها يستطيع أن يحكى حكايتها، والذي لا شك فيه هو أن هذه الأم لم تكن تتخيل أن قصصها ستتحول يوما ما إلى عمل سينمائي فريد على يد أحد أحفادها، فالذي لا شك فيه أن هذه الأم تمثل بشكل ما زمنياً على الأقل جدة المؤلف والمخرج أبوبكر شوقي حيث وضع على لسانها في سن الشيخوخة بعض الجمل الحوارية التي لا تنسى، ومنها حين كانت تنصحابنها مؤكدة: السعادة عايزة طاقة ومجهود».

صورة الأب في الفيلم الفنان القدير أحمد كمال هي نموذج نقيض تماماً للأم المبدعة، فالأب مواطن مصرى بسيط يعمل موظفاً مسكيناً في وزارة الزراعة، ولا يحلم إلا بالترقى الوظيفي لزيادة الدخل وفوز ناديه المفضل في لعبة كرة القدم نادى الزمالك»، وعلى الرغم من أنه يحتفظ على جدار بيته بصورة تجمعه والزعيم جمال عبد الناصر في مناسبة حصوله على لقب الموظف المثالي، إلا أنه أخطأ ذات مرة في لقاء تليفزيوني وحيد أجراه مع أحد إعلاميي الرئيس عبد الناصر قام بدوره الفنان حسن العدل قبل النكسة بقليل، وقد تحدث الأب فيه بالخطأ عن «الفساد» الذي يشوب الحياة السياسية، ما أدى إلى أن يعيش الرجل مرعوباً ومحيطاً بسبب زلة لسان لدرجة أنه رفض ترقية جاءته بعد حرب 1973 خوفاً من فتح ملف حديثه عن الفساد على الشاشة قبل الحرب.

اللعنة التي طاردت الأب وشقيقيه عازف الكمان في فرقة أم كلثوم العم حمادة قام بدوره الفنان صبرى فواز والموظف قام بدوره الفنان شریف دسوقي انتقلت بشكل ما إلى الأبناء الثلاثة «حسنوف» الفنان أحمد الأزعر و «شريف» الفنان خالد مختار أما الابن الفنان عازف الموسيقى الحالم «أحمد» أمير المصري فقد كان يشعر باللعنة كلما جلس للعزف على البيانو في بيت والده القديم والضيق والمتهدم بسكانه الكثيرين، وكان صوت الموسيقى يهز الجدران والنجفة المعلقة ويثير حفيظة الجار المنزعج من الموسيقى الغربية، التي تعتبر المنقذ الوحيد للبطل من هذه اللعنة التي حلت بالأسرة الزمالكاوية»، وتلك لعنة أخرى تلح عليها مشاهد الأسرة المحبطة التي تجلس بجميع أفرادها لتشاهد هزائم النادى الذي تشجعه، الأمر الذي يجعلهم يعتقدون أن ناديهم يهزم بسبب النحس» وسوء الطالع أو بسبب «نحس» أحد أفراد الأسرة.

حب في المنفى

لقد اختار صناع الفيلم أن يكون الحب لفتاة أوروبية هو البديل أو النقيض للواقع الاجتماعي الظالم والمحيط في مصر فبطل الفيلم الفنان والعازف الموهوب هو الوحيد الذي يسعى وراء هدفه حيث وجد متنفساً له في التواصل مع العالم الخارجي عبر المراسلة، أي إرسال رسائل ورقية مكتوبة بخط اليد عبر هيئة البريد. وبالطريقة هذه تواصل نهاية عقد الستينات من القرن العشرين مع صديقة أوروبية له، وبعد سنوات من الرسائل المتبادلة بينهما والتي سمحت بقدر من الألفة والتفاهم بينهما، سافر بالفعل إليها في النمساء لكي يلتقى صديقة المراسلة التي أدت دورها باقتدار الممثلة النمساوية )Valerie Pachner( فالیری باشنر

لقد كان من بين الاختيارات اللافتة في الفيلم اختياره هذا الموقف المسالم تجاه العلاقة مع الغرب، وربما كانت علاقة المخرج بالحكاية هي السبب، فهو ابن البيئة المصرية والبيئة الأوروبية على نحو ما يقوم الفيلم على قصة حب جميلة جمعت أحمد أمير المصري بالفتاة النمساوية اليزابيت. التي قبلت في النهاية أن تأتى إلى الشرق لتكون مع حبيبها المصرى وتقضى جزءاً من حياتها في القاهرة، والحق أن علاقة الفيلم بالغرب ليست علاقة هيئة على ما يبدو حيث يعتبر فيلم القصص» إنتاجاً مشتركا بين عدة شركات إنتاج عربية وأوروبية، إلى جانب عدد من الجهات والمؤسسات الداعمة الصناعة السينما حول العالم، بالإضافة إلى

الجنسية المزدوجة لنجم الفيلم ومخرجه.

التحية التي يجب أن نقدمها فعلاً لأحد أبطال الفيلم أحب أن أوجهها إلى الدور الذي لعبه الفنان حسن العدل. وهو دور الإعلامي الذي يستطيع أن يكون ممثلاً لوجه السلطة الرسمى في كل العصور الإعلامي الذي يحفظ الرطانات المطلوبة ويقوم بترديدها على الناس من خلال برامج تليفزيونية تعتمد أسلوب الخطابة السياسية المباشرة، كأنه يخطب في الحشود من أجل شحنها معنوياً، على حساب الإعلام الحقيقي الجاد الذي ينقل الحدث من مواقعه واضعاً مصلحة المشاهد فوق كل اعتبار، والحقيقة أن حسن العدل استطاع أن يجسد دور الإعلامي المطبلاتي لكل العصور الاشتراكية» و«عصر الانفتاح» و «عصر الانغلاق بثقة وإتقان جعلنا تصدق أن الصوت الذي ودع جمال عبد الناصر لحظة رحيله على الشاشة هو نفسه الصوت الذي استقبل وودع الرئيس أنور السادات في حادث المنصة 1981، وهو نفسه الصوت الذي استقبل الرئيس حسنى مبارك، من دون الحاجة إلى أي تعديل في الملامح، سوى أن انتشر الشيب في رأس

الإعلامي الذي لا يتغير ولا يتطور دوره أبدا.

يشار إلى أن أبوبكر شوقى صانع أفلام مصرى نمساوي درس الاقتصاد والعلوم السياسية في القاهرة، ثم التحق بالمعهد العالي للسينما قبل أن يعمل في الأفلام الوثائقية القصيرة، إلى أن قدم عمله السينمائي الأول يوم الدين" عام 2018، كما حصد جائزة «النخلة الذهبية» في مهرجان أفلام السعودية 2024 عن فيلمه «هجان».

 	 محمود خيرالله

محمود خيرالله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

مصطفى غريب بطلاً فى رمضان 2027

يخوض الفنان مصطفى غريب الماراثون الرمضانى المقبل بأول بطولة درامية مطلقة له، بعد نجاحه الأخير فى مسلسل «هى كيميا» مع...

منة شلبى تودع «عنبر الموت» الأسبوع المقبل

تودع الفنانة منة شلبى لوكيشن تصوير مسلسلها «عنبر الموت »، المقرر عرضه خارج السباق الرمضانى.

دياب مع «بنج كلى» فى العباسية

يواصل الفنان دياب تصوير مسلسله «بنج كلى» الذى كان يحمل اسم «طيارة»، ومن المقرر عرضه نهاية الموسم الصيفى الحالى.

استكمال تصوير «بنت وداد» رغم وجود أزمة

تسببت المخرجة ياسمين أحمد كامل فى أزمة كبيرة لمسلسل «بنت وداد » للفنانة هنا الزاهد، الذى بدأت تصويره منذ أيام.