ماجدة موريس: نحتاج فيلماً أو اثنين للتأريخ للثورة بشكل موسع سمير الجمل: كانت صحوة وطن.. وعلى الدولة إنتاج فيلم ضخم عنها
أحدثت ثورة 30 يونيو 2013 تغييرا كبيرا فى مسار الحركة السينمائية المصرية.. فبعد فترة من الركود الاقتصادي والاضطراب الأمنى الذي أعقب عام 2011، أسست المرحلة الجديدة لبيئة استثمارية وفنية مغايرة، أسهمت في إعادة صياغة صناعة السينما على كل المستويات، وكان من اهمها هذا التحول النوعي في المضمون، فقد انحسرت ما سميت بسينما المقاولات التي فرضتها الظروف السياسية والاقتصادية بعد 2011، والتى كانت نمطا معروفا وقتها، تحت اسم الأفلام منخفضة التكلفة التي ركزت على العشوائيات والكوميديا التجارية البسيطة، لتأمين ربح سريع.. لكن عقب الثورة حدث تحول جذري في ذائقة الجمهور، وتوجهات المنتجين الذين اتجهوا الى مسارين بشكل رئيسي، الاول أفلام الأكشن والإثارة، وقد حققت نجاحا كبيرا، والثاني الأعمال التي تعتمد على الفلسفة والعمق في الأفكار وتناقش أبعاداً فكرية معقدة، مما كسر الصورة النمطية لاهتمامات المشاهد السينمائي.
وارتبطت مرحلة ما بعد الثورة باستراتيجية واضحة لتوثيق الأحداث، وإبراز دور مؤسسات الدولة في مواجهة الإرهاب، مما أدى إلى ظهور تيار سينمائي وطني بإنتاج ضخم من خلال الأعمال الملحمية والتاريخية، وظهرت أفلام إعادة إحياء السينما الحربية والوطنية التي تخاطب الوعى العام، كذلك ظهرت السينما التوثيقية التى نشطت حركة صناعة الأفلام الوثائقية التي تستند إلى مواد أرشيفية وشهادات حية لتوثيق كواليس فترة حكم الجماعة الإرهابية، وأحداث مظاهرات ۳۰ يونيو.
بالطبع، حاول صناع السينما إلقاء الضوء على أحداث الثورة، من خلال عدد من الأعمال، ربما ظهرت متأخرة بعض الوقت، لكنها فى النهاية حاولت رصد الثورة وأهدافها، وما جرى فيها، والظروف والملابسات التي ادت إلى اندلاعها في عدد من الأفلام، أولها كان "اشتباك للنجمة نيللى كريم وهاني عادل، تأليف وإخراج خالد دياب واختير لافتتاح برنامج "نظرة" في مهرجان كان السينمائى الدولى عام ۲۰۱۷
وقدم "اشتباك" تجربة سينمائية مكثفة وصادمة وتدور أحداثه بالكامل داخل المساحة الضيقة العربة ترحيلات تابعة للشرطة، وذلك في أعقاب الاضطرابات السياسية التي شهدتها البلاد بعد عزل محمد مرسى وبدأت الحبكة باحتجاز صحفيين داخل عربة الترحيلات، أحدهما يحمل الجنسية الامريكية، وكان من المفترض أن يغطى أحداث المظاهرات التي تشهدها ميادين مصر لكن يتم احتجازه بصحبة مصور مصري في سيارة الترحيلات ثم تتصاعد الأحداث لتمتلئ العربة تدريجيا بمجموعات عشوائية من المقبوض عليهم خلال المظاهرات منهم ممرضة تلعب دورها نيللي كريم وإخوان وغيرهم. ومن هنا تكمن قوة الفيلم حيث جمع تركيبة بشرية متناقضة تمثل كل أطياف المجتمع المصرى في تلك الفترة من مؤيدين الجماعة الإخوان المسلمين ومعارضين لهم من مؤيدي الجيش، بالإضافة إلى مواطنين بسطاء علقوا في الأحداث بمحض الصدفة.
ومع تطور الأحداث، وتصاعد خطورة الاشتباكات في الخارج، يتحول الفضاء الضيق للعربة إلى مرآة تعكس واقع الوطن وتحت وطأة الخوف، ونقص الأكسجين، والتهديد المستمر بالموت، يضطر هؤلاء الخصوم إلى تنحية اتجاهاتهم السياسية والفكرية جانبا، ليتعاونوا معا من أجل البقاء، وهو ما يحول الفيلم من مجرد توثيق لحدث سياسي إلى صرخة إنسانية تدعو للتعاطف وتبحث عن القواسم المشتركة بين أبناء الوطن الواحد.
الفيلم لا يؤرخ للثورة كحدث زمنى، بل يغوص في "تأثيرها على التركيبة النفسية والاجتماعية للشعب المصرى، ويكشف بجرأة عما آلت إليه الأمور بعد سنوات من الحراك السياسي.
(المشخصاتي )
ثاني الأفلام التي ألقت الضوء على ثورة ٣٠ يونيو، وما حدث بها من تداعيات هو "المشخصاتي" ، بطولة تامر عبد المنعم، يوسف شعبان سمير صبری
إيمى سمير غانم، وأحمد عبد الوارث، وتاليف تامر عبد المنعم، واخراج محمد أبوسيف، وينتمى إلى نوعية الأفلام الكوميدية الساخرة. ويلقى الفيلم الضوء تحديدا على أحداث ما بعد يناير ۲۰۱۱، وتصاعد نفوذ جماعة الإخوان المسلمين حيث تطلب جهات أمنية سيادية من "سليمان"، الذي يقدم شخصيته تامر عبد المنعم التدخل لإنقاذ الوطن، واستخدام موهبته للتنكر وانتحال صفة المعزول محمد مرسي) وعدد من قيادات الجماعة البارزة (مثل خيرت الشاطر ومحمد بديع وحازم صلاح أبو إسماعيل)، بهدف كشف مخططاتهم، واختراق التنظيم من الداخل، في إطار کومیدی ساخر
المشخصاتی ٢ من الأعمال السينمائية القليلة التي حاولت توثيق الفترة السياسية الممتدة من ٢٥ يناير ۲۰۱۱ وحتى ثورة ۳۰ يونيو ۲۰۱۳ بشكل مباشر وساخر وتتجلى علاقة الفيلم بالثورة في رصد البيئة الممهدة للثورة، فقد ركز على إبراز حالة الاحتقان الشعبي والأزمات المعيشية والسياسية التي عاشها الشارع المصرى خلال فترة حكم الإخوان، والتي كانت الوقود الأساسي لاندلاع ثورة ٣٠ يونيو وكذلك السخرية السياسية كأداة للمقاومة حيث اعتمد على محاكاة وتقليد الخطابات الشهيرة للمعزول محمد مرسي وتسليط الضوء على التناقضات في تصريحات قيادات الجماعة، وهو ما كان يعكس المزاج الشعبي العام الساخر الممهد للثورة ينتهى الفيلم فعلياً بزخم ثورة ٣٠ يونيو كطوق نجاة تخلصت من خلاله مصر من حكم الجماعة، حيث يبرز العمل الثورة باعتبارها حراكاً شعبياً حتمياً، لتصحيح المسار واستعادة الهوية المصرية.
جواب اعتقال
على الجانب الآخر، ومع استقرار الأوضاع السياسية انتقلت السينما من مرحلة السخرية وتوثيق أسباب الثورة، إلى مرحلة مواجهة نتائجها الأمنية والفكرية وهو ما جسده فیلم جواب اعتقال"، الذي تم عرضه ۲۰۱۷، تأليف وإخراج محمد سامي، وبطولة محمد رمضان وإياد نصار لم يتناول الفيلم أحداث الثورة أو كواليسها السياسية بشكل مباشر بل ركز بالكامل على تداعياتها المتمثلة في موجة العنف والإرهاب الأسود، التي قادتها التنظيمات المتطرفة كرد فعل انتقامي على التغيير السياسي بعد عزل الجماعة. ودارت الأحداث في إطار من الأكشن والتشويق، حول شخصية خالد الدجوى القيادي في الجناح العسكري للتنظيم الإرهابي، ليسلط الفيلم الضوء على قضية غسيل الأدمغة، وتزييف المفاهيم الدينية، بهدف تحقيق مكاسب سياسية ومادية بالتوازي مع إبراز جهود وتضحيات رجال الأمن الوطني في تفكيك هذه الخلايا واستعادة استقرار الوطن.
الخلية
فيلم "الخلية"، بطولة أحمد عز ومحمد ممدوحوإخراج طارق العريان ويرتبط بالثورة من زاوية مواجهة تداعياتها الأمنية حيث يسلط الضوء على الحرب الشرسة التي خاضتها الأجهزة الأمنية ضد الخلايا الإرهابية العنقودية التي نشطت عقب الإطاحة بحكم الجماعة. يقدم الفيلم المعارك الميدانية التي خاضتها قوات العمليات الخاصة لتأمين استقرار البلاد بعد الثورة.
الثورة إنقاذ مصر
إلى جانب السينما الروائية، هناك أفلام وثائقية مهمة أرخت للثورة بشكل مباشر بالصوت والصورة الحية والمقابلات الحصرية، ومنها فيلم ٣٠ يونيو.. ثورة إنقاذ مصر" الذي يشكل وثيقة مرئية نابضة بالحياة ركزت بشكل أساسي على رصد الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية التي مهدت للانفجار الشعبي واعتمد الفيلم على لقطات حية وثقت المعاناة اليومية للمواطن المصري في تلك الفترة، إلى جانب استعراض المخاوف الحقيقية التي طالت الهوية المصرية، ومحاولات أخونة مؤسسات الدولة ولم يغفل الفيلم التأريخ للحراك الشبابي، من خلال تتبع ولادة حركة "تمرد". وكيفية تحولها إلى مظلة جمعت ملايين التوقيعات لسحب الثقة من النظام، لتبلغ الذروة الدرامية للفيلم في عرض لقطات جوية بانورامية حاشدة للميادين المصرية في القاهرة والمحافظات، مبرزة الحجم الاستثنائي للحشود التي نزلت لإنقاذ الدولة من شبحالحرب الأهلية والانهيار.
القرار
وعلى الجانب الآخر من المشهد، قدم فيلم "القرار" قراءة مغايرة، متجاوزا حدود الميادين، ليتغلغل في تفاصيل الساعات الحرجة التي سبقت إعلان بيان الثالث من يوليو، واستمد قوته التوثيقية من اعتماده على شهادات حصرية ومباشرة، أدلى بها كبار رجال السياسة، والمفكرين، وممثلى الأزهر الشريف والكنيسة القبطية، الذين عاصروا تلك اللحظات الفاصلة. وكشف الفيلم بوضوح عن كواليس المهل الزمنية، والفرص المتتالية التي منحتها القوات المسلحة المؤسسة الرئاسة آنذاك للوصول إلى توافق وطني يجنب البلاد الصدام المسلح. كما سلط الضوء على حجم الضغوط والتهديدات الخارجية الشرسة التي تعرضت لها الدولة المصرية العرقلة هذا التغيير وكيف أدارت المؤسسات السيادية هذا الملف الشائك لحماية الأمن القومي وصولا إلى توثيق اللحظات التاريخية الختامية التي شهدت صياغة بنود خارطة المستقبل، وإلقاء البيان الذي استجاب للإرادة الشعبية.
الميدان
"الميدان" فيلم وثائقى من قلب ميدان التحرير وثق احداث الثورة منذ يناير ۲۰۱۱، مرورا بالإطاحة بمرسي، وحتى بيان ٣ يوليو . ويعتبر وثيقة حقيقية للاحداث. ويتناول العلاقة بين كل الأطراف الجيش الإخوان، والثوار المدنيين ويقدم شهادات حية من نشطاء ومشاركين بتوثيقه البصري العقوى لحظات مصيرية، متضمنا مواجهة العنف، وخلافات التيارات والطموحات.. وأظهر الثورة كحدث حي، شارك فيه
الجمهور معتمدا على شخصيات حقيقية
قالت الناقدة الفنية ماجدة موريس: هناك أفلام تحدثت عن ثورة ٣٠ يونيو، لا يمكن أن تغفل ذلك. ولكن الدراما تطرقت للحدث بكل تفاصيله في الأجزاء الثلاثة لمسلسل الاختيار». ولكن سينمائيا، كنا وما زلنا نحتاج للمزيد من الأفلام عن الثورة بكل تفاصيلها بشكل موسع لأننا أمام حدث كبير وعظيم في تاريخ البلد، ويجب توثيقه سينمائياً لتشاهد الأجيال المقبلة ما حدث وما فعله آباؤهم وأجدادهم، وأنها ثورة نزلت فيها كل فئات الشعب المصرى فى كل شوارع وميادين مصر، في كل المحافظات مثلاً، لا أنسى أنني نزلت من مدينة نصر وحتى مصر الجديدة، وكان حولى كل فئات الشعب الأطفال والكبار والشباب، فرأيت أجداداً وأبناء وأحفادا في الشوارع، فتلك ثورة شارك فيها جموع الشعب المصري واجتمعوا على شيء واحد، وهو استعادة هوية الوطن ورفض حكم الإخوان المسلمين.
وتضيف: نحتاج على الأقل فيلما أو اثنين يؤرخان لذلك الحدث، وأن يكون الفيلم بإنتاج ضخم، حتى يستعرض كل تفاصيل الحدث الذي كان في كل مكان في مصر ولذلك، على الدولة إنتاج عمل سينمائي عن ثورة يونيو أو توجه يعمل فيلم عنه، وتشارك في الإنتاج، لأن ذلك الفيلم لا يمكن إنتاجه بدون مشاركة الدولة، حتى يكون عملاً سينمائيا ضخما عن ثورة ٣٠ يونيو، فعدم وجود فيلم سينمائي كبير عن الحدث يرجع إلى أنه لا يمكن أن تنتجه سوى الدولة، خاصة لأنه سيحتاج لتصاريحكبيرة للتصوير في الميادين والشوارع، ووجود أعداد ضخمة من الناس، لأن هذا ما حدث بالفعل، فكل مصر كانت في الشارع، ولابد أن نجد فيلما يؤرخ ما فعله الشعب المصرى حتى تستعيد البلاد من حكم الإخوان. فنحن أمام حدث هام في تاريخ البلاد، ومن الضروري إنتاج عمل سينمائي ضخم عنه.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ماجدة موريس: نحتاج فيلماً أو اثنين للتأريخ للثورة بشكل موسع سمير الجمل: كانت صحوة وطن.. وعلى الدولة إنتاج فيلم ضخم...
صفاء الليثى: يجب إضافة جزء تسجيلى للعمل الدرامى للتوثيق
لم تكن ثورة 30 يونيو مجرد حراك سياسى لاستعادة الهوية المصرية وإنقاذ الوطن من نفق مظلم، بل كانت بمثابة هزة...
صورة المجنون على الشاشة، صورة حية تتجاوز فكرة الوصف والنقد والتحليل إلى تقديم كائن من لحم ودم، صورة حية للجنون...