لم تكن ثورة 30 يونيو مجرد حراك سياسى لاستعادة الهوية المصرية وإنقاذ الوطن من نفق مظلم، بل كانت بمثابة هزة كبرى ارتدت في كل شرايين بري الحياة الثقافية والفنية. وإذا كان التاريخ يكتب بأقلام المؤرخين، فإن عقل الشعوب يكتب بنغمات مبدعيها. وقبل هذا التاريخ الفارق، كان المشهد الموسيقى المصرى مريضاً يصرخ ثم جاءت ثورة 30 يونيو لتقدم للمجتمع المصرى، وللشباب على وجه الخصوص طاقة هائلة من التحرر والرغبة في التعبير عن الذات دون وصاية هذا المناخ الجديد فتح الباب لثورة مضادة داخل صناعة الموسيقى، فالثورة حطمت جدران الاحتكار التقليدي، وفتحت الطريق للمنصات الرقمية، ومنحت الفرصة لآلاف المواهب المهمشة لتعبر عن طموحات وآلام جيل جديد.
تحطيم الاحتكار وصعود الغناء المستقل
في بداية الألفية الجديدة، كان المشهد الموسيقى المصرى محكوماً بمعادلة بدائلها ليست كثيرة، فإما أن ترضخ لشروط شركات الإنتاج الكبرى التي تفرض عليك الكلمات والألحان والتوزيع، بل وتتحكم في مظهرك وطريقة تقديمك للجمهور، أو أن تظل موهبتك داخل غرفتك المظلمة ولا يسمعك أحد.
لكن المناخ العام الذي أفرزته ثورة ٣٠ يونيو، أحدث تغييرا كبيرا في طريقة تفكير المبدعين الشباب. تولدت لديهم رغبة كبيرة فى كسر القالب القديم، وتزامن ذلك مع تطور أدوات الإنتاج المنزلى (Home Studios). فلم يعد الفنان بحاجة لمليون جنيه كي يسجل أغنية في استوديو ضخم، بل أصبح يكفيه لاب توب وبرنامج توزيع موسيقى، وشغفه الخاص للموسيقى.
ويعلق المنتج والملحن الموسيقى «ساری هانی» علی هذه المرحلة قائلاً: قبل ٣٠ يونيو، كان المنتج الكبير يتعامل مع الفنان كأنه موظف في شركته. كان هناك شكل غنائي واحد مسيطر، وهو الأغنية الرومانسية أو الدرامية التقليدية، التي كانت مدتها ٤ دقائق بعد الثورة شعرنا كجيل جديد من الموسيقيين والمنتجين، أن الشارع أصبح يمتلئ بالأفكار، وأن القوالب الموسيقية القديمة لم تعد تعبر عن حيوية هذا الشعب، وبدأنا ننتج موسيقانا بأنفسنا في بيوتنا، ورفضنا تماما طرق أبواب المكاتب الفاخرة الشركات المحتكرة ثورة ٣٠ يونيو أعطت المواهب الشجاعة النفسية لتقول نحن البديل، ونحن صوت الشارع الحقيقي.
هذه الحرية لم تغير فقط طريقة الإنتاج، بل غيرت كل شيء في بناء الأغنية المصرية نفسها. فتراجعت القوالب القديمة التي احتكرها المنتج الكلاسيكي، وظهرت أنماط موسيقية هجينة مثل المهرجانات»، التي ولدت من رحم المناطق الشعبية، وموسيقى الـ (Trap) التي عبرت عن تمرد وطموح الشباب كل هذه الألوان لم تكن لتجد مكانا لها لولا مناخ الحرية الإبداعية الذي تلا الثورة، والذي سمح للجمهور بأن يكون هو الحكم الوحيد دون وسيط أو رقيب تجاري.
ديمقراطية موسيقية بلا قيود
التحول الآخر والأبرز الذي شهدته مصر بعد ثورة ٣٠ يونيو، هو الانفتاح التكنولوجي الهائل، والدخول الرسمى العمالقة البث الموسيقى الرقمى إلى السوق المصرية كلاعبين أساسيين، ولم تعد مجرد تطبيقات يستمع عبرها الجمهور للموسيقى بل تحولت إلى كيانات استثمارية ضخمة تعقد شراكات مباشرة مع الفنانين المستقلين والشباب.
قبل هذا الانفتاح، كان الاحتكار الفضائي يحرم أي فنان لا يمتلك فيديو كليب مصوراً بملايين الجنيهات من العرض على الشاشات أما اليوم، فالمنصات الرقمية وفرت ما يمكن تسميته بالديمقراطية الموسيقية المطلقة. فالخوارزميات لا تتحيز لنجم كبير على حساب شاب مبتدئ، والأغنية الجيدة تفرض نفسها، وتصل إلى قوائم الاستماع الأكثر رواجاً بناء على تفاعل الجمهور الحقيقي.
يشاركنا المنتج الموسيقى والموزع الأردني طارق الناصر، رؤيته حول هذا الانفتاح قائلا: كنا ننظر إلى
السوق المصرية دائما قبل عام ۲۰۱۳ على أنها سوق مغلقة ومحصورة في دائرة إنتاجية ضيقة جدا، ومن الصعب أن تستوعب مواهب جديدة، لكن بعد ٣٠ يونيو والاستقرار الذي تبعها، مع التوسع الرقمي الرهيب، تحولت مصر إلى القبلة الأولى للاستثمار الموسيقى الرقمي في الشرق الأوسط. دخول منصات بشكل رسمي، وتأسيس مكاتب إقليمية لها في القاهرة، وشراكات «أنغامي» الضخمة فتح أبوابا كثيرة لم نكن نحلم بها كمنتجين عرب اليوم أستطيع كمنتج أردني أن أتعاون مع فنان مصري شاب من الإسكندرية، ونطرح الأغنية رقمياً وتحقق ملايين الاستماعات في أيام دون أن نمر عبر مقص الرقيب التجاري للمنتج التقليدي مصر فتحت الأبواب للجميع يفضل هذا الانفتاح الرقمى غير المقيد، ولم يقتصر الأمر على مجرد بث الموسيقى، بل امتد إلى تقديم إحصائيات دقيقة وبيانات فورية للمنتجين والشباب، حول أماكن استماع جمهورهم وفئاتهم العمرية، مما ساعدهم على تطوير مشاريعهم الموسيقية بشكل علمى ومستقل تماما عن رؤية المنتجين القدامى التي كانت تعتمد على العلاقات الاحتكارية.
انفجار التنوع الفني
شهدت فترة ما بعد ثورة ٣٠ يونيو أكبر عملية ضخ الدماء جديدة في عروق الفن المصرى عبر التاريخ الحديث مواهب لا حصر لها كانت تعيش في الظل، ولا تجد فرصة للتعبير عن نفسها، أصبحت اليوم تتصدر المشهد الغنائي وتملأ حفلاتها الاستادات ومسارح المهرجانات الكبرى.
لقد فتح المناخ العام مساحات كبيرة للتنوع، فلم يعد النجم هو الشخص الوسيم الذي يغني بطبقة صوت معينة بل أصبح صاحب الفكرة المبتكرة والأسلوب المختلف فرق ومطربون مثل كايروکی» و «مسار إجباري» و «ويجز» ومروان بابلو» و «عفروتو»، و«أمير عيد» و «توليت» يمثلون هذه الطفرة الحقيقية. هؤلاء الشباب لم يخرجوا من المدارس التقليدية الشركات الإنتاج القديمة، بل من الواقع الجديد الذي أسسته الثورة.
وفي هذا السياق، يتحدث الموسيقى التونسي، أمين بوحافة الذي قدم العديد من الموسيقى التصويرية للأعمال الدرامية المصرية الإبداعية في السنوات الأخيرة، قائلاً: مصر بعد ثورة ٣٠ يونيو أصبحت ورشة عمل إبداعية لا تنام ما حدث في الساحة الموسيقية معجزة بكل المقاييس. لقد أعطت هذه الحقبة فرصة المواهب كانت مهمشة تماماً. ونالت الموسيقى التصويرية والأغاني المستقلة تقديراً لم يكن موجوداً من قبل. الشباب المصرى أثبت للعالم العربي كله أنه قادر على قيادة ثورة التجديد الموسيقى. نرى اليوم دمجاً عبقريا بين التراث المصرى الأصيل وبين الإيقاعات الإلكترونية الحديثة. الثورة حررت العقول قبل أن تحرر عقود الإنتاج، وهذا سر تدفق المواهب التي نراها اليوم تحتل الصدارة.
إتاحة المساحة لهذه المواهب لم تكن مقتصرة على الإنترنت فقط، بل تبنت الدولة المصرية، عبر ذراعها الثقافي والفني ومن خلال مهرجانات کبری تنظیم فعاليات ومسارح تستوعب هذه الطاقات الشابة مهرجان الموسيقى العربية طور أدواته، وظهرت مهرجانات حديثة وعصرية كمهرجان العلمين، ومهرجان القلعة الدولي للموسيقى والغناء بأسعار تذاكر تناسب الجميع ومساحات عرض مخصصة لفرق الأندر جراونده والشباب كل هذا خلق حلقة وصل حية ومباشرة بين الموهبة الشابة والجمهور العريض في مناخ آمن ومستقر
الاستثمار الموسيقى ولغة الأرقام المتصاعدة
حين. غابت الفوضى، وعاد الاستقرار والأمان بعد ثورة ٣٠ يونيو، بدأ رأس المال يدرك أن الموسيقى في مصر ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل صناعة استراتيجية تدر أرباحاً طائلة، وتساهم بقوة في الدخل القومي والثقافي تلاشت مخاوف المستثمرين، وبدأت الشركات الدولية والإقليمية تضخ مبالغ ضخمة للاستثمار في البنية التحتية للموسيقى المصرية، وارتفعت القيمة السوقية لصناعة الموسيقى في مصر بشكل كبير في الفترة الأخيرة. وتشير البيانات غير الرسمية الصادرة عن الهيئات المهتمة بقطاع الترفيه إلى أن معدلات النمو السنوى القطاع البث الموسيقى الرقمي وحقوق الملكية الفكرية في مصر تجاوزت حاجز ۳۰ : سنوياً، منذ عام ٢٠١٨ وحتى يومنا هذا، مما يجعل السوق المصرية واحدة من أسرع الأسواق الموسيقية نموا على مستوى العالم. هذا النمو تم ترجمته إلى تدفقات نقدية ضخمة، واستثمارات مباشرة تمثلت في رعاية الحفلات وتأسيس استوديوهات تسجيل ومونتاج مجهزة بأحدث التقنيات العالمية في المدن الجديدة، مثل العاصمة الإدارية ومدينة العلمين.
المنتجون العرب و«مصر الجديدة»
صوت الحرية الموسيقية الذي انطلق من القاهرة لم يتوقف عند حدود مصر بل أحدث نتيجة إيجابية في المشهد الموسيقى العربي بأكمله، فالقاهرة التي طالما كانت هوليوود الشرق أثبتت مجدداً أنها القادرة على ضبط إيقاع الوجدان العربي وتحديثه.
ومن المغرب العربي، شاركنا المنتج والموزع الموسيقى المغربي، أمين بودشار رؤيته حول التأثير المصرى قائلا: نحن في المغرب العربي تتابع بشغف كبير ما يحدث في مصر قبل سنوات طويلة، كانت الموسيقى المصرية تبدو لنا كلاسيكية جداً، وبعيدة نوعاً ما عن اهتمامات جيل الشباب الذي ينفتح على الموسيقى العالمية. لكن بعد سنوات الاستقرار والتحرر اللاحقة، فوجئنا بانفجار فني مذهل في مصر الموسيقى الشبابية المصرية، مثل التراب والمهرجانات والروك المستقل، أصبحت تسمع في شوارع الدار البيضاء وتونس ومراكش الشباب المصري تحرر من تسلط المنتجين الكبار وإصرارهم على تقديم صورة نمطية مكررة عن الفن المصرى هذا التحرر جعلنا كمنتجين مغاربة تتحمس لعقد شراكات فنية مع فنانين مصريين شباب مصر اليوم أصبحت ملهمة لنا في كيفية إعطاء المساحة للشباب ليقودوا المشهد بأنفسهم دون قيود.
ومن لبنان مهد الموسيقى والأفكار المبتكرة، يقول المنتج الموسيقى اللبناني جيلبير يمين: لبنان دائماً كان يمثل الرئة الحرة للموسيقى المستقلة، ولكن بعد ۲۰۱۳ والتحولات العميقة التي شهدتها مصر عقب ثورتها، سحبت القاهرة البساط برفق ودون استئذان، لتصبح هي العاصمة الحقيقية للموسيقى المستقلة والبديلة، الحرية الإبداعية التي نراها في مصر الآن لا مثيل لها. فنانو الشارع والمستقلون يمتلكون الآن منصاتهم الخاصة. ويحققون أرقام استماع فلكية تتفوق على نجوم الصف الأول التقليديين كمنتج لبناني، أرى أن هذا المناخ لم يأت من فراغ، بل نتاج لحالة الاستقرار، والدعم المباشر الثقافة الاختلاف والتنوع. لقد تخلصت مصر من النظرة الأحادية للفن، وأصبح هناك إيمان راسخ بأن قوة مصر الناعمة تكمن فى تنوع أصواتها، من أقصى الصعيد إلى الدلتا. ومن قاع المدينة إلى قمم أبراجها الجديدة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ماجدة موريس: نحتاج فيلماً أو اثنين للتأريخ للثورة بشكل موسع سمير الجمل: كانت صحوة وطن.. وعلى الدولة إنتاج فيلم ضخم...
صفاء الليثى: يجب إضافة جزء تسجيلى للعمل الدرامى للتوثيق
لم تكن ثورة 30 يونيو مجرد حراك سياسى لاستعادة الهوية المصرية وإنقاذ الوطن من نفق مظلم، بل كانت بمثابة هزة...
صورة المجنون على الشاشة، صورة حية تتجاوز فكرة الوصف والنقد والتحليل إلى تقديم كائن من لحم ودم، صورة حية للجنون...