بعيون الشعراء... مجانين المسرح والسينما بين عهدين

صورة المجنون على الشاشة، صورة حية تتجاوز فكرة الوصف والنقد والتحليل إلى تقديم كائن من لحم ودم، صورة حية للجنون أقرب إلى الواقع أو ما يُطلق عليه في المسرح محاكاة الواقع الاحتمالية أو مشابهة الحقيقة Verisimilitude، والنماذج التى تم تقديمها هي محاولة لمحاكاة الجنون من خلال مفردات المشهد السينمائي قدمت نماذج لواقع المجانين وحياتهم في محل إقامتهم في مستشفى المجانين.

 

إذ تناولت السينما المصرية الجنون في العديد من الأفلام التي حملت أسماء

منها المجانين في نعيم، وإسماعيل يس في مستشفى المجانين، بالإضافة إلى أفلام أخرى تناولت شخصية المجنون سواء في دور البطولة أو في أدوار ثانوية دون أن يكون الجنون ضمن العنوان، ومن بين هذه الأفلام المليونير ١٩٤٩، ومكالمة بعد منتصف الليل ١٩٧٦ من إخراج حلمى رفلة، وكلاهما تضمن اسكتش حول المجانين يجسد رؤية الشعراء لهذه الشخصيات قدمها المخرج من خلال عناصر المشهد السينمائي في رؤية وإن كان يغلب عليها طابع السخرية إلا أنها لا تخلو من رؤية فلسفية عميقة للجنون. الأول فيلم المليونير وهو من أهم أفلام رفلة، القصة كتبها مأمون الشناوي، وكتب أبو السعود الإبياري الحوار والأغاني ووضع السيناريو أنور وجدى منتج الفيلم الذي يجسد نضج حلمى رفلة في الكوميديا الموسيقية، إذ يجمع بين الرقص والغناء وكل تقنيات الاستعراض ويغلب الجانب المشهدي على الدراما، من خلال حبكة مشوقة يخضع فيها الحدث للانقطاع لتقديم الاستعراضات الغنائية التي تستفيد من تقنيات المسرح.

يبدأ الفيلم بجريمة قتل، ثم يذهب القاتل عاصم بك الاسترليني إلى الكازينو لكي يلهو وينسى ما حدث هناك يشاهد المونولوجيست جميز الذي يشبهه تماماً فيقرر تبادل المواقع معه يذهب الفنان الفقير إلى عالم الأغنياء، يرتدى حلة عاصم بك الاسترليني الفخمة، ويركب سيارته الفارهة داخلاً إلى عالم مجهول أقرب إلى حكايات ألف ليلة وليلة، حين يجد الشخص نفسه وقد هبطت عليه ثروة أو أصبح ملكا بعد أن كان صعلوكا فماذا سيحدث؟

يقدم الفيلم مجموعة من اللوحات الغنائية الاستعراضية أقرب إلى مشاهد مسرحية في بنيتها، عبارة عن اسكتشات كوميدية منها اسكتش المجانين، الذي يقدمه رفلة بكلمات أبي السعود الإبياري وألحان عزت الجاهلي، وهو محاكاة ساخرة للتاريخ من خلال التهكم على شخصيات تاريخية مثل نابليون ونيرون، وعنترة بن شداد في محاولة لتصوير واقع المجانين ومشابهته عبر المحاكاة والإيهام بما هو حقيقي، محاكاة يجسد من خلالها الإبياري رؤية المجانين لشخصيات تاريخية مؤثرة من خلال بنية مسرحية في مشهد جمعت مفرداته بين الواقعي والمتخيل على مستوى الكتابة ومفردات الصورة.

ا اسكتش المجانين

مجنون وسعوا من وش العظماء

مجانين: ماء.. ماء

مجنون ارکن فرمل یا سواق

مجانين واء، واء

مجنون خشی يا نحلة من البلكون

آخر اربط يا غراب البابيون

آخر لحسن أهه جه نابليون

مجانين يا بو العيون السود يا نابليون یا زین

ليلتك حظ وفرى جود، حانلاقي زيك فين

یا نابليون یا زین

جميز أنت يا حضرة نابليون

نابليون وی میسیه

جميز وأنا حضرتی نابليون نابليون نابليون

نابليون إنشانتيه.. اسمع عندى سر خطير

فيك من يكتم سر

جميز في بير

نابليون شفت الأرنب ويا القطة راكبين تاكسي بيقول أو

هو يقولها حطة يا بطة هي تقول له نو نو

جميز وعدى يا وعدى على الأسرار أسفاه على عقلى الذي طار.

ثم يدخل نيرون يغنى وحوى يا وحوى ويغنى معه المجانين، ويغنى هو

اخلصوا ناولوني الولاعة، عاوز أولع روما بحالها

أنا مستعجل عندى إذاعة خطبة عظيمة لازم أقولها.

كما يدخل عنترة بن شداد في ملابس وحركات ساخرة يستقبله المجانين بالغناء:

يا عنتر قوم اسكر هات لأمك قدحين سكر

واتدلع واتمختر واتفضل بيبه وعفر

فيغني بدوره فتح يابني فتح شوف مين بيكلمك دانا عنتر المفتح بصباعي أخر شمك. وبينما يرقص الجميع ويغنى في مشهد حرص المخرج أن يكون صاخباً وحافلا بالسعادة، يقف جميز إسماعيل يس» الذي جاء إلى هذا المكان لأنه قال الحقيقة وأخبر العائلة أنه جميل وليس عاصم بك ليقول بالذمة مش المجانين دول أسعد من العاقلين، عايشين كلهم ها يصين، أهى دى السعادة يا أخي. ويقرر أن يكذب حتى يعيش مع من يصفون

أنفسهم بالعقلاء خارج عنبر المجانين.

إذ جاء الإبياري بثلاث شخصيات تاريخية غرفت بسلوكها غير المألوف ووضعها في عنبر المجانين، وأخذ يحاكي أفعالها من وجهة نظر هؤلاء الأول أحرق روما وراح يشاهد المدينة وهي تحترق من نافذة قصره، والثاني بعد أن خاض العديد من المعارك وشغل العالم بفتوحاته وانتصاراته انتهى منفيا في جزيرة سانت هيلانة، أما الثالث فقد قاد ثورة للتحرر من العبودية في العصر الجاهلي، واختلفت الآراء حول هذه الثورة فهل هي من أجل محبوبته عبلة وحريته الشخصية أم من أجل الثورة على العبودية؟. ولم تكن محاكاة الإبياري لأفعال وحياة هذه الشخصيات وسيلة إضحاك بقدر أنها تتضمن بعداً نقدياً يقترب من الهجاء السياسي والاجتماعي، إضافة إلى التهكم كوسيلة لكسر الثوابت والقناعات في اللغة والحياة، بإظهار التناقض بين ما يقال في الكلمات، وواقع الحال أو ما هو معروف تاريخيا، فيتحول نابليون ونيرون وعنتر إلى مهرجين فقدوا عقولهم جراء أفعالهم حين خرجوا عن المألوف، في محاكاة مرحة للتاريخ وشخصياته فالمجانين يشاهدون جوهر هذه الشخصيات، أو قل التاريخ برؤية المجانين

الفيلم الثاني مكالمة بعد منتصف الليل سيناريو وحوار محمود أبوزيد أقرب إلى أفلام الجريمة؛ ففي ليلة زفاف عماد حسين فهمي وناهد ميرفت أمين) يحدث شيء مثير مكالمة للطبيب عماد بوجود حالة خطيرة، يتردد ولكن ناهد تقنعه بأداء الواجب، وهناك يجد قتيلا وعصابة تجبره على كتابة تصريح الدفن. يهبط في حالة ذهول ليس فقط من الموقف، ولكن من التوقيت؛ فقد حدث هذا ليلة الدخلة، فيتوجه مع زوجته إلى قسم الشرطة لكي يبلغ عن الجريمة وحين تداهم الشرطة الشقة، لا تجد جثة ولا غرفة نوم، بل سيدة تعيش مع طفلها.

وتتوالى الأحداث، حيث الجثة تظهر للعروسين في أماكن عديدة والعصابة تطارد عماد وناهد فتتحول حياتهم إلى جحيم، ما بين أقسام الشرطة ومغامرات العصابة، وحين يضيق الضابط بالعروسين يتم تحويلهما إلى مستشفى المجانين وفى النهاية تكشف الأحداث أن ابن العم العاجز جنسيا سمير غانم) هو من دبر كل هذه الأفعال المثيرة والملغزة حتى ينتقم من ناهد التي كان يرغب في الزواج بها!

بنية الفيلم التي لا تخلو من الإثارة تقوم على فكرة الدراما داخل الدراما، أو حبكة داخل الحبكة فهناك الحبكة الرئيسية التي تدور حول العروسين والعائلة وحياتهم والمأساة التي يعيشان فيها بسبب المكالمة التي عصفت بحياتهم الزوجية في بدايتها، والحبكة الأخرى التي وضعها ابن العم من خلال أفعال العصابة وقوامها الجثة المتحركة وهو فيلم مثير وحقق نجاحا جماهيريا وينتمى إلى أفلام حقبة السبعينيات ومن خلاله يضع رفلة اسكتش المستشفى الذي كتبه فتحى قورة ولحنه حلمى بكر وأداء سمير غانم مع المجانين؛ والذي جاء بمنزلة «تنبيط» على الأزمات التي يعاني منها المجتمع المصري في سبعينيات القرن العشرين، إذ يرصد الشاعر فتحى قورة تحولات المجتمع المصري في تلك الحقبة من خلال رؤية المجانين للمجتمع.

اسكتش المستشفى

سمیر آه یا جنان.... يا جنان.. يا جنان

جي زيادة مانيش عيان مخى بحاله... وزى ما هو بس أحب أشوف من جوه.

وعشان إيه خشوا مورستان آه یا جنان... يا جنان.. يا جنان

اجی زيادة مانيش عيان.

يوجه الكلام إلى أحد المرضى)

سمير أنت يا حضرة جيت هنا ليه؟

ويا هل ترى إيه جابك إيه متهيأ لى سببها .. مراتك ولا لسان الست حماتك.

عقلك طار ما قدرشي عليه.

المريض أبداً أبدا لا بالعكس - أنا راحأقولك على اللى هبلني كنت باشاور مرة لتاكسي.

قام راح واقف وموصلني حد يصدق تاکسی و فاضی

زى ما أقوله يمشى وراضي ومن ساعتها وأنا بقيت بالشكل ده ... الحمد لله إن جات على كده....

سمير أحمد ربك إن ما قابلك... أوتوبيس فاضی ماهوش مليان كنت بقيت العن بزمان.... آه یا جنان یا جنان یا جنان

يوجه الكلام إلى فتاة عروسة

سمير وأنتى يا حلوة يا لابسة التلي.

یاختی علیکی و یاختی علیه نفسی تقولي يا حد يقول لي.

ليه هنا جيتى وعلشان إيه.

العروسة: لأ مش كده وحياتك لأه - اللي حصل إنى لقيت شقة من غير أي خلو... تصور

من غير حتى ما ألف وأدور جت لي مفاجأة صعبة علي خلت عقلى يخف شوية.

سمير فين عنوان الشقة دى فين - والنبي قولى طريقها منين واديني إيدك أبوسها کمان... آه یا جنان یا جنان یا جنان.....

يوجه الكلام إلى أحد المرضى)

سمير وأنت يا أستاذ تراللي.

إيه اللي رماك هنا إيه مذهول على طول. وتملى إيدك على ودنك ليه ما تكونش سمعت مغني!

أو يا حفيظ بيغني يطلع من بقه عفار

أو صفارة إنذار أومال بس حقول إيه إيدك على ودنك ليه إيه اللى جرالك إيه.

المريض اللى جرالي وقلب حالي ما جراش لحد في هذا الكون

ولا حتى واحد في المليون في يوم بشيل السماعة.

لقيت حرارة في التليفون راح عقلي ساعتها سايبني وعلى المستشفى جايبني.

سمين: ألف سلامة وبعد الشر إن شاء الله وأنا أسمع فيه والله واحشنى بقاله زمان... آه یا جنان یا جنان یا جنان

الاسكنش يناقش مجموعة من الظواهر التي تفشت في المجتمع في ذلك الوقت مثل أزمة السكن، وانقطاع حرارة التليفون الدائمة، إضافة إلى أزمة المواصلات وبداية ظاهرة الأغاني الهابطة، من خلال أسلوب ساخر، اعتمد على المبالغة والتضخيم من خلال التنبيط والتنبيط هنا من اللبط والاستنباط، أي إظهار ما خفى بعد جهد، ولكن الكلمة تم استعمالها بين العامة من الناس بصورة أسهل، ولكنها احتفظت بمعناها ودورها في إظهار ما خفى وما بطن سواء على مستوى اللغة أو الحكاية.

والتنبيط بهذا المعنى دائما يستخدم في الأداء التمثيلي في الكباريه السياسي ومسرح الشارع، وهذه الأغاني التي تبدو في ظاهرها ساخرة مضحكة تبطن معانى عميقة، مغزاها الأزمة التي يعانيها المصريون في تفاصيل الحياة اليومية بصورة ساخرة أقرب إلى التنبيط الذي وضعه فتحى قورة على لسان المجانين. فإذا كان الاسكتش الأول قدم شخصيات تاريخية بعيون المجانين في رؤية رغم الطابع الساخر والرؤية الفلسفية للتاريخ إلا أنها تشى برؤية سياسية لا تخلو من دلالة وذلك حين يقدم المجانين هذه الشخصيات عارية بدون ماكياج سیاسی فقد قدم اسكتش فتحى قورة رؤية القضايا الواقع المعاش التي أدت إلى إصابة هؤلاء بالجنون.

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

مظهر
يس

المزيد من فن

بعيون الشعراء... مجانين المسرح والسينما بين عهدين

صورة المجنون على الشاشة، صورة حية تتجاوز فكرة الوصف والنقد والتحليل إلى تقديم كائن من لحم ودم، صورة حية للجنون...

عبدالعزيز مخيون.. فنان تربى فى مدرسة عُرْبان مصر

الفنان عبد العزيز مخيون الجميعي، هو من أبناء قبيلة الجميعات التي تسكن فى البحيرة ومطروح، وكانت تسكن في زمن مضى...

اختار النهاية فى مسقط رأسه صاحب المقام الرفيع فى الفن

أحد نجوم الصف الأول، رغم أنه ليس نجم شباك، فعلى مدى تاريخه الفنى الطويل بين السينما والتليفزيون والمسرح، لم يتنازل...

عبد العزيز مخيون.. حضور نادر وموهبة استثنائية

رحل فى هدوء بعد تجسيد مشهد وفاته فى آخر عملين له نجح فى خلق توازن بين أعماله الفنية ومبادئه الشخصية...


مقالات

مصر وأزمات المنطقة
  • الإثنين، 22 يونيه 2026 10:59 م
حكاية "الصدق والكذب"
  • الإثنين، 22 يونيه 2026 10:00 ص
السيسي في قمة الكبار
  • الإثنين، 22 يونيه 2026 09:00 ص