أعرف أنه ليس وقت الغناء.. فلا وقت للموسيقى الآن.. جحيم الحرب يطارد اليتامى فى قبور أمهاتهم .. يسرق الدموع من جثث الراحلين.. والأحياء..
العالم كله الآن يتسلى بنوع جديد من الموسيقى.. موسيقى حزينة لم يسبق ذكرها فى مقام "الصبا".. موسيقى العبث الذى يحتل السماوات الآن رغم أننا كنا نتوقعه منذ سنوات.. منذ مرت على أسماعنا جملة "الفوضى الخلاقة".. انتظرناها حتى باتت فى فراشنا.. هى موسيقى نشاز بالقطع ولذا فنحن لا نجيد سماعها.. نقاوم احتلالها لآذاننا ونذهب لنبحث عن موسيقى تعودناها ونتعلل بأننا فى شهر البهجة.. شهر رمضان.
لكن من يديرون هذه الحرب يبدو أنهم لا يعرفون مواعيد الصيام.. لم يتسن لهم من قبل الذهاب إلى سرادق الحسين أو مقام السيدة.. ولأنهم لم يضعوا ذلك فى حسبانهم فإن المصريين ظلوا على عاداتهم.. ذهبوا إلى موائد الرحمن.. وأقاموا الصلوات.. واحتفلوا مع السفراء بمنتصف الشهر مع أبناء المطرية.. وتابعوا المسلسلات بكل أشكالها.. وشاركوا بقصد فى خناقة من هو "نمبر وان".. والأكثر مشاهدة.. ربما عنداً فى هؤلاء الذين أشعلوا الحرب لكنهم لا يعرفون كيف ينهونها.. على طريقة "ما بيعرفش يوقفها".. فى ذلك الفيلم الكوميدى الشهير.
انتصف الشهر.. وفى عز ضربات الصواريخ بأسمائها المختلفة.. بدأت حلقات عدد من مسلسلات النصف الثانى.. ويبدو أنها كانت فرصة لعدد من المبدعين لمداواة أمراض أغنيات وموسيقى الجزء الأول من الشهر.
أول هذه المسلسلات يحمل توقيع ريهام عبدالغفور.. ريهام ليست فى حاجة إلى شهادتى.. لقد استطاعت فى السنوات القليلة الماضية أن تضمن لأى عمل تشارك فيه جواز مرور إلى المشاهدين من أول لحظة.. أصبحت من الآخر.. علامة ثقة.
وما توقعه الجميع حدث.. منذ اللحظة الأولى خطفت "حكاية نرجس" الأضواء من الجميع.. واستطاعت سرقتنا من كل ما حولنا.. لا حرب ولا غيرها.. ولأن السيناريو مأخوذ عن حادثة حقيقية فأصبحت المقارنة ما بين الواقع وخيال السيناريو مباراة يومية كسبتها ريهام وحمزة العيلى ورفاقهم بلا شك.. ولأنهم فعلوا ذلك فقد أتاحوا لأغنية البداية ومطربتها التى تشارك فى غناء تترات رمضان لأول مرة قادمة من عالم برامج المسابقات العراقية رحمة رياض.. أتاحوا للأغنية ولصاحبتها فرصة رائعة للسماع.
أغنية التتر كتبها بمزاج عال شاعر يعرف ماذا يفعل اسمه نادر عبدالله.. وهو أحد مكاسب الدراما الرمضانية هذا العام.. نادر ذهب خلف الحكاية وتقمص ببراعة لسان حال امرأة مجرمة فعلت ما لا يمكن تصوره.. مجرمة تخصصت فى خطف الأطفال الرضع من ذويهم والادعاء بنسبهم انتقاما من أسرة زوجها الأول التى عايرتها بأنها عاقر لا تنجب.
نادر تجاوز سطح الحكاية وذهب إلى حقيقة نرجس.. فى كونها "ضحية" بالأساس.. ضحية مجمتع يحاكم المرأة التى لم يكتب لها الله أن تكون أماً.
هى زاوية بالقطع قد لا تعجب الكثيرين، ويعتبرون ذلك مبررا غير كاف لأن نتعاطف مع إجرام هذه المرأة.. وهذا هو الرهان الذى ذهب إليه نادر عبدالله.. اللعب ضد العواطف المضمونة.. وأعتقد أن صوت رحمة رياض "الهامس" أيضا رهان أصعب لأن يتبنى ما كتبه نادر عبدالله.
على كل حال.. كانت أغنية "نرجس" واحدة من مجموعة أغنيات هربت من جحيم الحرب وتسللت إلينا.. فحجزت مساحة طيبة فى قلوبنا..
"أنا مش بريئة
وعارفة ان أنا مذنبة
بس انتو كما مش أسويا
موتوا فيا زمان الحتة الطيبة
ومن البحاجة كمان بتعلموا أبريا
تستنوا إيه من حد
عشتوا طول حياتكو بتوجهوه
من حد كل ما يلقى نفسه
تضيعوه
وبتجبروه يغلط وبعدين
تلعنوه؟!"..
حمزة يغرد بعيداً
هذه الأغنية لو لم تكن تتر مسلسل رمضانى.. فهى بامتياز واحدة من أفضل أغنيات هذا العام.
الكلمات التى كتبها الشاعر محمود فاروق ولحنها أحمد زعيم لمسلسل "النص التانى" هى الأكثر اكتمالا من وجهة نظرى.. شاعر لديه فهم واضح لمعنى "الدراما".. لغته لا تشبه أى شاعر آخر.. هو لا يقلد أحدا ولا يخاطب شريحة محددة.. إنه يخاطب اللغة ذاتها.. وعلى من يريد التواصل أن يذهب إليه.. هو شاعر يعيدنا إلى نخبة حجاب ونجيب والأبنودى.. والأساتذة الكبار.. وقد وجد فاروق ملحنا واعيا جملته الموسيقية سهلة ممتنعة.. هادئة بلا افتعال ولا فذلكة.. لكنها ترشق فى القلب بسهولة.. ملحن فاهم لطبيعة صوت حمزة نمرة الذى أعده أحد الأذكياء القلائل فى عالم الغناء..
الدنيا براك زحمة
لكن جوه فيك هس هس
نص أبيض.. نص داكن
وانت تشبه أى نص
جوه منك نور وضلمة
شبر فاضى وشبر زحمة
قسوة بتعاند فى رحمة
بص جواك حتى بص
حب نفسك للنهاية
حبها فى كل الحالات
كلنا قصاد المراية
أسئلة ناقصة إجابات؟!
أجاد حمزة توظيف استخدام صوت الكورال فى بعض مناطق الغناء للإشارة إلى تشابه حالاتنا.. وقدم تفسيرا لحيرة هذا العالم وفوضاه.. التفسير ذاته فى حاجة إلى تفسير.. وهذه هى قيمة الفن الذى لا يطرح إجابات بقدر ما يقدم من أسئلة.. إنها الموسيقى التى تدوم قطعا سواء كانت هناك حرب.. أو لا.
البليغ لا يغيب كثيراً
فى كل الأحوال نحن فى حاجة إلى موسيقى بليغ حمدى.. ولأن بعض صناع الدراما يشعرون مثلنا بأن أحدا لم يستطع تعويض غياب الحاضر دوما.. فقد جاءوا بأغنيتين من أغنياته المدهشة الباقية على مر السنوات لتكونا أهم أحداث مسلسلات هذا العام.
صناع مسلسل "الحب اللى كان" أو "كان ياما كان" لماجد الكدوانى.. لم يجدوا خيرا من لحن بليغ لميادة الحناوى ليستعيدوا حالة الحنين إلى أجمل لحظاته وكان اختيار خالد الكمار موزعا ومدحت صالح مطربا لعمل فنى يعيش بيننا حالة مدهشة.. صنع الجميع عملا جديدا لا شك.. فأداء مدحت يختلف تماما عن أداء ميادة.. رسالة بليغ التى كتبها منذ أربعين سنة لطليقته وردة عادت لتصبح رسالة إلى كل ما انتقدناه منذ سنوات فى زحمة هذا العالم الملىء بالفوضى.
أعجبتنى اختيارات خالد الكمار وكورداته.. وأعجبنى حفاظه على "جسد" وروح لحن بليغ بلا شك.. وربما هذا ما أتاح للمشاهدين فرصة استعادة مشاعرهم الحقيقية وسط كل هذا الضجيج.
بليغ كان حاضرا أيضا فى النصف الثانى من خلال مسلسل "بيبو" أول بطولة للشاب أحمد بحر.. ورغم أن أغنية بليغ التى كتبها محمد حمزة لشادية عام 1969 "طبطب عليّا الهوى" لم تكن فى تتر المسلسل.. فإنها تخللته وسيطرت على معظم مشاهد العمل.. سواء حينما غنتها "زينة عاشور" وهى مطربة أفراح.. أو حينما استعادتها بصوت شادية.. أو عبر تنويعات حياتية مختلفة فى مشاهد إنسانية عذبة داخل سياق الحلقات.
على كل حال.. "طبطب علينا" بليغ حمدى بوجوده فى الأغنيتين وكأنه يعلم ما بنا وما يحدث حولنا.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شهدت الدورة الثامنة والتسعون من جوائز الأوسكار ليلة سينمائية حافلة بالإنجازات واللحظات اللافتة فى مسرح دولبي فى هوليوود،
10 سنوات قضاها «زكى» فى كتابة السيناريو.. وكان يفترض تنفيذ الفيلم بـ«منحة فرنسية» «شاهين»: رشحتك مدير مواقع التصوير بـ«المهاجر».. ومستنى...
لا يحتاج الشيخ محمد صديق المنشاوى تقديماً، هو من أصحاب المدارس فى التلاوة، رغم انتساب مدرسة المنشاوية لوالده الشيخ صديق،...
بعد سنوات من الغياب، عاد الفنان الكبير محمد صبحى ليطل على جمهوره في موسم رمضان 2026 من خلال المسلسل الإذاعى...