فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق بقسم الدراسات الاجتماعية والنفسية فى كلية الآداب بجامعة عين شمس،
وتخرج عام 1958، ليعمل سكرتيراً لتحرير مجلة «المسرح» التى كان يرأس تحريرها الشاعر صلاح عبدالصبور حتى عام 1970، ثم عمل محرراً مسئولاً عن ملحق الأدب والفن بمجلة «الطليعة»، وتنقل بعد ذلك بين عدة صحف ومجلات، واستقر به الحال أن يكون كاتباً مستقلاً. أحدثت أعماله النقدية جدلاً كبيراً لجرأتها، وتمر هذه الأيام ذكرى مولده، وفى هذه السطور أتذكر لقاءه الأخير قبل المرض والرحيل.
1
جاء متأخراً فى تلك الليلة على غير عادته، دخل المقهى صامتاً، لم تلمع عيناه ويبتسم فى ثقة كما كان يفعل دائماً، تقدم ببطء وحاول أن يكون هذه المرة ممثلاً، ففشل فى أن يوهمنا بأنه على ما يرام، حين تساقطت الكلمات من فمه غير مرتبة، ناقصة الحروف. كان واضحاً أنه أُصيب بجلطة كادت أعراضها تصرخ فى وجوهنا: احملوا صاحبكم إلى أقرب طبيب.
أذكر يومها أنه نهرنا جميعاً بكلمات سقطت أغلب حروفها من فمه، غير مكتملة، مؤكداً أنه سليم ولا يحتاج إلى طبيب. غادر المقهى، ولا أذكر من حمله إلى بيته فى تلك الليلة، وكانت المرة الأخيرة التى يجلس فى لقائه الأسبوعى مساء كل أحد، ونلتف حوله فى مقهى سوق الحميدية فى ميدان باب اللوق.
فى الصباح هاتفته فأمطرنى بوابل من العتاب والشكوى من أصدقاء الأمس الذين حاولوا إقناعه بالذهاب إلى الطبيب، وكانت كلماته مرتبكة، تتعثر فى فمه، وتخرج بعد أن تفقد بعض الحروف. حاولت تهدئته، ونجحنا بعد ذلك فى إقناعه بزيارة الطبيب، الذى أكد له أنها جلطة. يومها أفزعنى تصميم فاروق عبدالقادر على إهمال المرض والسخرية منه.
2
وتدهورت حالته بسرعة شديدة، وبدأ رحلة استمرت عاماً تقريباً يعانى من المرض، وهو غائب عن الوعى، خارج الزمن الذى نعيشه، حتى رحل فى 23 يوليو 2010. حُمل خلالها إلى مستشفيات مجانية وخاصة، ودار مسنين، إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة فى مستشفى القوات المسلحة بالمعادى.
وعرفت بعد وفاته أنه لم يلتزم بالعلاج، بل كان مصمماً على السخرية من المرض إلى أن سقط جسده، وغاب عقله عن الوعى. ولأننى أعرفه جيداً منذ تسعينيات القرن الماضى، وأعرف من هو، كنت على يقين أنه قرر أن يغادر عالمنا، ويقينى أنه أصابه ما أصابه بقرارٍ منه، فهو يرفض أن يعيش فى هذا الزمن الذى شعر أنه غريب عنه، فاختار أن يعيش زمناً آخر، زمنه هو الذى كان وأصبح مجرد ذكرى.
فاروق عبدالقادر أحد أهم نقاد جيل الستينات، خاصة فى المسرح، إذ جاء كتابه الأول عام 1979 «ازدهار وسقوط المسرح المصرى» حدثاً مدوياً يشرح أسباب الازدهار ويؤكد أسباب السقوط. وللتاريخ دلالة قوية، حيث أصبحت ملامح المسرح المصرى واضحة بعد أن سقطت الأقنعة، وولّت سنوات الازدهار المزعومة، إذ بدأ قطار المسرح يضل طريقه بقوة فى منتصف السبعينات، وكأن سنوات الازدهار الماضية لم تكن سوى حلم.
وكان فاروق عبدالقادر أحد شهود العيان على تلك الفترة والمخلصين لها، والتى ظن البعض أنها نهضة مسرحية، ولكن سرعان ما اكتشف الجميع أن نهضة الستينات لم تكن سوى طاقة بقيت من وهج جيل الرواد، وما إن نفدت هذه الطاقة حتى بدأ الانطفاء والذبول فى حقبة السبعينات، بعد أن أدى تدخل المؤسسة وإحكام قبضتها على المسرح إلى ضعف سلطان التقاليد المسرحية، وسادت روح البيروقراطية، وأصبحت الأولوية لسلطة الأجهزة الإدارية على حساب العملية الإبداعية، فضلاً عن مصادرة عدد كبير من العروض المسرحية قبل الافتتاح لأنها لا تتوافق ومصالح المؤسسة السياسية فى تلك الفترة، ولا تخدم أهدافها، بل تقف موقفاً مناهضاً لها.
واستيقظ الجميع على الحقيقة القاسية، إذ جاءت نتائج الممارسات السابقة نهضةً مزيفةً جعلت من المسرح التجارى، بكل أساليبه الرخيصة، صاحب الكلمة العليا. وهنا أطلق صرخة احتجاج مدوية من خلال هذا الكتاب، جوهرها الألم الذى يعتصر قلبه حزناً على الحلم المزعوم.
جلس يعيد قراءة أوراقه ويراجع السنوات الماضية، وكتب هذا الكتاب دفعة واحدة كما حكى لى فيما بعد. وأذكر أننى حين قرأته للمرة الأولى شعرت بأنه دفقة شعورية أنتجت قصيدة مأساوية كتبها ضمير حى مستيقظ دائماً؛ ليبدأ بالماضى والآباء فى الفصل الأول، ثم المولد والازدهار، ويختتم هذه الصرخة بالتعثر والسقوط. ثلاثة فصول هى قراءة بانورامية وتحليلية فى آنٍ، ليطلق جملته الشهيرة فى نهاية الكتاب: «كما تكونون يكون مسرحكم/إبداعكم».
3
كنت فى البداية أسأل نفسى: لماذا اعتزل فاروق عبدالقادر المسرح؟ لماذا لا يشارك ويقول رأيه؟ فنحن فى حاجة إليه. ودائماً كان يقول لى: إنها مهزلة ولن أشارك فيها، فبالنسبة لى قضاء ليلة فى هذا النوع من المسرح الحالى خسارة بعد أن سقط فى كل آفات المسرح التجارى.
وكلما حاولت أن أقنعه بالذهاب إلى المسرح، كان يؤكد لى أنه لا فائدة، فالمسرح سيستمر فى تراجعه، وحتى يتغير المسرح لا بد من تغيير الواقع بكل مفرداته: السياسى والتجارى والاقتصادى والثقافى، لا بد أن تتغير كل الظروف.
وحين أصدر بعد عشرين عاماً كتابه «رؤى الواقع وهموم الثورة المحاصرة»، لم يكن سعيداً وهو يرى نبوءاته تتحقق، ولا أظنه كان يتمنى أن يكون «تيريزياس» العراف الإغريقى الذى قاسى كل شىء قبل أن يحدث، حين وقف عند جدران طيبة يتحسس الجثث ويشاهد الخراب ويجنى ثمرة نبوءاته ليتألم من أجلها. ويقينى أنه كان يتمنى أن تخطئ نبوءاته وتضل طريقها، ولكن ما حدث أنها تأكدت فى صورة مؤلمة حين تناول ما حدث فى كواليس المسرح المصرى فى السبعينيات والثمانينيات، وعرض صورة دقيقة لكتاب المسرح الذين دخلوا حلبة المنافسة بعد جيل الستينيات الأكثر شهرة، ووضع لها عنواناً يحمل دلالة مؤلمة: «الفرسان الصاعدون إلى خشبة المسرح المنهارة».
وقد عانى هذا الكتاب كثيراً لجرأة صاحبه فى تناول واقع المسرح المصرى بصدق وموضوعية بعيداً عن الحسابات والمصالح، ليغسل يديه أمام الجميع فى إعلان صريح لتبرئة نفسه مما يحدث من جرائم فى حق المغفور له المسرح المصرى.
وما بين «ازدهار وسقوط المسرح المصرى» و«رؤى الواقع»، هناك عدة كتب هى: «مساحة للضوء مساحة للظلال»، بالإضافة إلى كتاب «أوراق بين الرماد والجمر». والتناقض هو القاسم المشترك فى هذه العناوين، وله دلالة واضحة تعبر عن موقف الكاتب وتؤكده؛ فالازدهار يعقبه السقوط، ومساحة للضوء تجاورها مساحات أخرى للظلال، والجمر لا يخلو من الرماد.
فالكاتب حذر، والعناوين تحمل فى كلماتها القليلة المضمون والرؤية. وكان كتابه الأخير فى المسرح «المسرح المصرى تجريب وتخريب»، ثم توقف عن كتابة النقد المسرحى بشكل نهائى، وظل المسرح بالنسبة له مجرد ذكريات، وراحت خطاه تتباعد عنه بقدر تباعد المسرح عن تلك القضايا الجادة التى جذبته هو وغيره فى فترة الازدهار.
اعتزل المسرح، وعلى الرغم من أنه مارس الكتابة عبر النقد الأدبى فى تسعينيات القرن الماضى والعقد الأول من الألفية الثالثة، فإن المسرح كان غُصّة مريرة يحملها أينما ذهب، فاعتزل وعاش بين الكتب يقرأها ويكتب عنها.
4
اختار مقهى فى ميدان باب اللوق، وطاولة يرى منها الميدان. مساء الأحد يأتى فى موعده الساعة السادسة. أحياناً أصل قبله بدقائق، وكنت أترك مقعده فارغاً، لا أجلس عليه أنا أو غيرى إذا تأخر. سنوات وهو يداوم على هذا اللقاء، ودائماً ما كان اللقاء عاصفاً، نبدأه بما كتب فاروق عبدالقادر هذا الأسبوع ومعاركه التى لا تنتهى، ولا يخلو اللقاء من حديث عن حقبة الستينيات.
كنت أشعر أن صلاح عبدالصبور، محمود دياب، ألفريد فرج، نجيب سرور، نعمان عاشور من الحضور الدائمين، وأحياناً يمر سعد وهبة، وعبدالرحمن الشرقاوى، وسعدى يوسف، وإميل حبيبى، وعبدالرحمن منيف، والطيب صالح، وسعدالله ونوس. فإن لم يحكِ فاروق عبدالقادر عن هؤلاء، أسأل عنهم: أين ذهبوا؟
نجحت مع المخرج محمود أبودومة ذات مرة فى إقناعه بالذهاب إلى الإسكندرية لمشاهدة عرض مسرحى، واشترط أن نسافر فى قطار الثامنة صباحاً، وهناك قال لى: سنعيش اليوم فى الستينيات. وقادنى إلى «البن البرازيلى»، وقال: هنا كان يأتى صلاح عبدالصبور ويحتسى قهوته، وأيضاً لويس عوض. أمشى إلى جواره فيشير ويتوقف قائلاً: الأستاذ نجيب كتب هنا «ميرامار»، وينطلق فى حديث طويل عن نجيب محفوظ.
وبالفعل قادنى إلى كل الأماكن التى كان يرتادها أدباء الستينيات، وعدت إلى الوراء خمسين عاماً، وكان هو سعيداً يحكى عن المقاهى والأماكن وأصدقائه. وفى القاهرة كان يشير إلى المقاهى والشوارع بمن كان يرتادها من مثقفى الستينيات.
5
ثم جاء كتابه الثانى «مساحة للضوء مساحات للظلال - مقالات متنوعة عن المسرح المصرى فى القاهرة والأقاليم 1967 - 1977»، ونُشر عام 1986، وتلاه كتاب «أوراق من الرماد والجمر»، منحه عنواناً فرعياً «متابعات مصرية وعربية»، وصدر عام 1988.
وكان فاروق عبدالقادر قد بدأ يفقد إيمانه بالمسرح، الذى شغل فقط ثلث الكتاب، ليأتى بعد ذلك كتابه «رؤى الواقع وهموم الثورة المحاصرة»، الكتاب الذى تحققت فيه نبوءاته التى وضعها فى كتاب «ازدهار وسقوط المسرح المصرى»، حيث يتناول فى هذا الكتاب كواليس المسرح المصرى فى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضى، ويعرض صورة بانورامية دقيقة لكتاب المسرح الذين دخلوا حلبة المنافسة بعد جيل الستينيات الأكثر شهرة، فى دراسة طويلة هى محور الكتاب، وتحمل عنواناً فرعياً لا يخلو من دلالة مؤلمة: «الفرسان الصاعدون إلى خشبة المسرح المنهارة»، مع ثلاث دراسات لثلاثة من فرسان الكلمة فى الستينيات هم: نعمان عاشور، ميخائيل رومان، نجيب سرور، ومع دراستين عن الشاعر والمسرحى الفلسطينى معين بسيسو، وأخرى يتناول فيها أعمال السورى سعدالله ونوس.
ويأتى هذا الكتاب الأكثر جرأة فى تناول مسرح السبعينيات، والذى هرب منه أغلب النقاد، وماطلوا وزيفوا آراءهم، وباعوا أقلامهم خوفاً وإرضاءً لأصحاب هذا المسرح. وهذا ما تؤكده الدراسة الرئيسية فى هذا الكتاب «الفرسان الصاعدون إلى خشبة المسرح المنهارة»، ليمارس عادته فى السخرية المريرة مما يحدث؛ فها هم الفرسان يصعدون إلى خشبة منهارة، فكيف يكونون فرساناً أصلاً؟ وكيف يرتضى الفارس لنفسه أن يصعد على الأنقاض إلا إذا كان فارساً مزيفاً؟
والعنوان لا يحتاج إلى تعليق، حيث يقسم الكتاب هؤلاء الفرسان فى حقبة السبعينيات والثمانينيات إلى قسمين، وكلاهما من كتاب المسرح؛ يضع فى القسم الأول: يسرى الجندى، أبوالعلا السلامونى، رأفت الدويرى، وفى القسم الثانى ما سماه «مسرح الدكاترة»، وهم: فوزى فهمى، سمير سرحان، محمد عنانى، عبدالعزيز حمودة.
قرأ أعمالهم فى إطار رؤى الواقع وما طرحته من أسئلة اللحظة الراهنة، وخاف على الفارسين اللذين بدأت بهما الدراسة، وهما يسرى الجندى والسلامونى، من أن يستدرجهما ما أطلق عليه «المسرح الآمن» ودوامات الثقافة المتردية. وفى ألم يقول: «صدقت النبوءات وتحققت التخوفات، فكلا الكاتبين من أشهر كتاب المسلسلات التليفزيونية، وإن لم يتوقفا عن الكتابة للمسرح، كلٌّ بقدر».
وسوف تتقلص مساحة المسرح فى أعمال فاروق عبدالقادر، وفيما عدا كتاب «المسرح المصرى تجريب وتخريب» ستخلو كتبه من المسرح أو ستتضمن مجموعة من المقالات المتفرقة، لأن خطواته بدأت تتراجع عن الذهاب إلى المسرح بقدر تراجع المسرح عن طرح أسئلة الواقع. هكذا كان يقول دائمًا.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...