فى ذكرى رحيل فاروق عبدالقادر (2) مقعد وحيد فى مسرح الناقد المتمرد

سألته قبل رحيله بعام فى 2009: ماذا يعنى المسرح بالنسبة لك الآن وماذا تتذكر منه؟.. وكنا وحيدين فى المقهى، قبل أن يأتى رواد اللقاء. كان كلانا ينظر إلى الميدان،

 وأذكر أننى شعرت فى تلك اللحظة بأنه يجلس فى مقعده متفرجاً يشاهد الميدان مسرحاً كبيراً.. أسلم عينيه للمارة وسرح ببصره بعيداً وقال لى: «ما أتذكره الآن المثل القائل بأن الدودة فى أصل الشجرة، والخيانة من المسرحيين أنفسهم، فلو أخلص المسرحيون لمهنتهم لما حدث ذلك، وهنا أتذكر وأعنى كرم مطاوع وسعد أردش، حين انحازا للمناصب والسلطة، وأصبحت مغازلة السلطة أهم من المسرح، والأولوية للمنصب، وكانت أمام هؤلاء وغيرهم الفرصة لردم الهوة بين الجماهير والمسرح،لكنهم ساعدوا على اتساعها، حيث كانت هناك أجنة تجارب مسرحية بدءاً من «مغناطيس» نعمان عاشور، ووصولاً لأعمال محمود دياب، لكن خيانة المسرحيين أصحاب المناصب أجهدت هذا المشروع.

لم يعمّر المسرح الجاد طويلاً.. فعلى مدى عقدين من منتصف الخمسينيات حتى منتصف السبعينيات، كانت هناك مشاريع قابلة للتطور لكنها أجهضت، فسرعان ما سقط المسرح تحت ضغوط عوامل متعددة منها هزيمة 67 وتحولات الواقع وتربص الرقابة وخيانة المسرحيين، وسرعان ما رجحت كفة المسرح التجارى من ناحية، والمسرح الذى يمالئ السلطة القائمة من الناحية الأخرى، وفقد المسرح قدراته على نقد الواقع وتطلعه نحو المستقبل واهتمامه بجماهير الناس، والعمل على رفع قضاياهم إلى خشبة المسرح، وأصبح نشاطه خاضعاً لقاعدتين.. فى المسرح التجارى شباك التذاكر لا يخطئ فهذا هو المعيار، وفى مسرح الدولة ضرب ما تبقى من الحرية باسم الجدية.. وصمت قليلاً وهبط ببصره من الميدان إلى الطاولة وقال لي: «وهنا وجدت خطاى تتباعد عن المسرح قدر تباعده عن تلك القضايا الجادة التى جذبتنا نحوه من أول الشباب».

 1

ربما توقفت خطاه عن الذهاب إلى المسرح لكنه لم يتوقف عن مسرحة كل تفاصيل حياته، لم يتوقف عن رسم صورة درامية للشخصيات الأدبية التى يتناول أعمالها، ففى عام 1992 صدرت الطبعة الأولى من كتاب «أوراق الرفض والقبول» الذى ضم ثلاثة أجزاء، «وجوه وأعمال، قاصون وروائيون، مسرحيون ومسرحيات»  ورغم أن الكتاب يتعرض للمسرح فى جزء صغير ويحتل النقد الأدبى السواد الأعظم من الكتاب، فإننى اعتبرت الكتاب ينحاز إلى المسرح من الألف إلى الياء، وعندى أسبابى لذلك، فقد استعان كاتبه بكل خبراته المسرحية فى قراءة الأعمال الأدبية ليرسم «بورتريه» درامياً لكل شخصية تناولها فى هذا الكتاب، ليتذكر القارئ ما فعله الإيطالى لويجى برانديلو فى مسرحه حين أطلق عليه «الأقنعة العارية» وكانت الأقنعة على مدى قرون طويلة تمثل الجوهر الأساسى للمسرح الرومانى، حيث كان الممثل يؤدى الشخصية من خلال قناع، فهناك قناع اللص، الفارس، الخائن.. وأسقط برانديلو هذه الأقنعة وقدم شخصياته عارية، وهذا ما فعله فاروق عبدالقادر حين تناول مجموعة من الشخصيات ومنهم: المازني، طه حسين، رشاد رشدى، نجيب محفوظ، يوسف إدريس، ولنتأمل ما كتبه عن المازنى على سبيل المثال، حيث قدم قراءة شاملة فى أعماله الأدبية وقراءة تحليلية فى سيكولوجية هذه الشخصية، وبعد أن ينتهى القارئ من دراسة المازنى يشعر بأنه التقى به وعاصره فى كل مراحله وأدق تفاصيل حياته، ولم يكن فاروق عبدالقادر قاسياً بقدر ما كان صريحاً ليبدأ من علاقة المازنى الغريبة بالعقاد الذى كان يبدى الرأى الصريح الجارح فى عمل المازنى، فى حين كان المازنى يتناول أعماله بالإعجاب والتقدير ويعامله معاملة الأستاذ وكان يعتبره قرينه الجسور، بالإضافة إلى سرقات المازني، خاصة روايته «إبراهيم الكاتب»وأيضاً سرقاته الشعرية حين كان عبدالرحمن شكرى يأتى له بالأصول الإنجليزية لشعره، وأيضاً سرقاته المسرحية.. ويرى أن المازنى كان يتطلع إلى الخلود، ويتساءل فى نهاية الدراسة: ماذا تبقى منه؟ ويجيب فاروق عبدالقادر عن سؤاله قائلاً: «الإجابة واضحة، ما تبقى من المازنى طريقته أو أسلوبه»، حيث كانت سخريته مهرباً وملاذاً، لكنها لم تكن سلاحاً يشهره ضد واقع يريد له أن يتغير. كانت تنفيساً عن كاتبها وامتاعاً لقارئها». وفى موضوع آخر «لسنا نجد فى عالمه كله من نجا من سخريته سوى أمه، التى أبقاها داخل هالة مكتملة من التقديس، تكاد تعزلها عن العالم».. ولا يختلف الأمر كثيراً مع طه حسين، فيرى أنه كتب «الأيام» سيرته الذاتية بعد الحملة الظالمة التى تعرض لها بعد نشر كتاب الشعر الجاهلى «لقد هزته الحملة هزاً عنيفاً، وأحيت فى نفسه الحساسة كل آلام الماضى ومراراته، فراح يملى هذه الفصول، يشفى بها جراح نفسه، ويكيد لمن كادوا له، ويبدى رأيه - من خلف ستار شفيف - فى طبيعة تلك القوى التى ناوأته صبياً، وتكاد الآن - فى رجولته - أن تحرمه كل شيء».. وهكذا فى الشخصيات الأخرى يمارس دوره كرجل مسرح، حيث يضع الشخصيات الأدبية على خشبة المسرح من خلال بناء درامى محكم لا من خلال نظرية أدبية، فلا تخلو الدراسات لهذه الشخصيات من الصفات التى ترسم صورة محكمة لها، فها هو يعتبر لويس عوض «حليفاً للتقدم، صديقاً للحرية السياسية والمساواة الاجتماعية، داعية لإشاعة الإيمان بقيم العقل وإعلاء شأنها».

رحيل

 2

 أعود - فى وحدتى - أنثر الأيام وأعابث الذاكرة وأدير مونولوجات لا تنتهى، ويخيل إلىّ أحياناً أن أصحاب الكتب والأعمال التى تراكمت - دون قراءة - ينظرون نحوى بلوم وعتب، فأقول لهم ولنفسي: «لا يكلف اللـه نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت»، هكذا كان يصف حياته.. هذا هو فاروق عبدالقادر يقيم حواراً درامياً مع الكتب، مع أصحابها، ينظر إليها كعروض مسرحية ترقد فى مكتبه، ربما تعوضه غياب المسرح الذى هجره «بالنسبة لى قضاء ليلة فى هذا النوع من المسرح الحالى خسارة بعد أن سقط فى كل آفات المسرح التجارى.. أحاول أن أعوض المشاهدة بالقراءة للمسرح وعن المسرح، وأعرف أنك ستقول لى إنها لا تكفى ولا شيء يعوض المشاهدة، لكن هذا هو المتاح.. وأقول لك إنه لا فائدة، فالمسرح سيستمر فى تراجعه فحتى يتغير المسرح لا بد من تغيير الواقع بكل مفرداته، السياسى والتجارى والاقتصادى والثقافي، لا بد من تغيير كل الظروف».. ولأنه كان يعرف أن الظروف لم ولن تتغير ولأنه انتظر طويلاً قرر أن يمسرح حياته ولا يذهب إلى هذا المسرح الذى يراه مزيفاً. ولم يكتف بالمسرحة من خلال الكتابة والكتب لكن أيضاًً من خلال حياته وتفاصيله اليومية، كان يختفى عن أوساط المثقفين بعد أن اعتزل المسرح والمسرحيين، يختفى ليكتب ثم يهبط إلى وسط المدينة فيما يعرف بـ«نوّة» فاروق عبدالقادر، يطوف المقاهى والحانات ويملأ ليل القاهرة صخباً وثقافة، بهجة وصراخاً، وأحياناً يستمر هذا العرض المسرحى أياماً، ويستمر فاروق عبدالقادر فى هذا الفضاء المسرحى لا يعود إلى بيته، إلا بعد أن ينهى هذا الدور. توقفت كثيراً أمام هذه الحالة النادرة التى كان يعيشها، ربما هرباً من الواقع والبحث عن زمن آخر، زمنه المفقود، وفى تلك اللحظات التى كان يغيب فيها عن وعيه عمداً مع سبق الإصرار والترصد كنت أشعر بأنه فقد زمناً. أحب فاروق عبدالقادر المسرح فخذله المسرح والمسرحيون، منذ أن بدأ حياته وهو يتلقى الهزائم الواحدة تلو الأخرى، فحين تخرج عام 1958، وتقدم لنيل وظيفة فى المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، وعلى الرغم من اجتيازه للاختبارات، تم رفضه لعلاقته بالتنظيمات الشيوعية، وأخبروه فى قسم مكافحة الشيوعية: «ألا يكفيك أن تتمشى فى شوارع المدينة وتشم هواءها؟» فى إشارة لحبس الآخرين، وخرج إلى الشوارع مكتفياً باستنشاق هواء القاهرة، وفيما بعد حين عمل فى مؤسسة روزاليوسف وكان على وشك أن يتم تعيينه، تولى عبدالرحمن الشرقاوى رئاسة المؤسسة، وكان فاروق عبدالقادر قد كتب قبل مجيئه عن مسرحيته وطنى عكا  «وطنى عكا: جيش الدفاع الإسرائيلى فى خدمة القضية العربية»، مما أغضب الشرقاوي، وفقد صاحبنا الوظيفة، وتكرر الأمر مع خروج محمد حسنين هيكل من الأهرام، حيث جاء يوسف السباعى ليغلق ملحق الطليعة ويتعنت مع فاروق عبدالقادر وقرر أن يعامله كمحرر جديد، فخرج من الأهرام، ومن قبل كان قد خرج من هيئة الكتاب «وقد أسأل نفسى بعد كل هذه السنوات: هل أخطأت أم أصبت حين أدرت ظهرى لذلك المبنى مكيف الهواء؟.. وأجيب من غير تردد: إننى أصبت الصواب كله، فقد امتلكت حريتى كاملة غير منقوصة، لا رقيب لدىّ فى الداخل، ولا رقيب علىّ من الخارج، وهل ثمة أثمن من الحرية بالنسبة لكاتب؟.. كانت المرحلة التالية أشد هولاً، لكن هذا حديث آخر».. نعم كانت الأيام أشد هولاً، وفى تلك الفترة قرر أن يصدر كتابه الأول «ازدهار وسقوط المسرح المصرى»، ولهذا جاء قصيدة رثاء فى المسرح المصرى».

 3

مات فاروق عبدالقادر، وفى العزاء جلست أتأمل الحضور الضئيل وأنا غير مصدّق، ربما عشرة أشخاص من المثقفين، قاعة العزاء فارغة، كمسرح هجره الممثلون.. هل هذا عزاء الناقد الذى ملأ الدنيا صخباً؟! بعد العزاء عدت إلى المقهى وجلست على كرسيه أتأمل الميدان، كانت قطعة صغيرة من السماء تلوح فى الأفق على باب المقهى، وانتظرت أن يدخل المقهى ضاحكاً واثقاً سعيداً باستقلاله عن المؤسسة الثقافية الفاسدة كما كان يصفها دائماً، راضياً عن حياته، قبل أن يصيبه السأم فجأة.. مات فاروق عبدالقادر فى اليوم ذاته الذى أُعلن فيه عن منحه جائزة التفوق من وزارة الثقافة، وكان طبيعياً أن يموت أو قُل يحتج على من منحه جائزة من الدرجة الثالثة، فى حين يمنَح غيره جائزة مبارك التى أصبحت الآن جائزة النيل  والتقديرية، وهو دون شك أهم من كل هؤلاء، فما قدمه للحياة الثقافية أكبر من كل الجوائزز.. ورغم حزنى لفقد صديقى وأستاذي، فإننى كنت مرتاحاً لرحيله فى تلك اللحظة بالتحديد، وكأنه يأبى إلا أن يقول رأيه بحدة كما كان يفعل فى حياته، وحتى فى الغيبوبة التى كان يعيش فيها منذ شهور ظل كما هو فاروق عبدالقادر، ولكن هذا ليس غريباً بالنسبة له أو حتى بالنسبة لوزارة الثقافة لأنه لم يكن يوماً ضمن رجالها أو داخل حظيرتها، بل كان كاتباً حراً بكل ما تعنيه الكلمة، جلس فى هذا المقعد وراح يتأمل هذه القطعة من السماء والمارة يعبرون تحتها، ثم يقول رأيه كما يمليه عليه ضميره المستيقظ دائماً وفى كل يوم يخوض المعارك ويخسر الكثير لكنه يربح نفسه دائماً».

ربما لم يقرر أن يكون ناقداً مستقلاً، إلا أنه انحاز إلى هذه الفكرة حين تحالفت كل الظروف لتجعله خارج المؤسسة الثقافية، على الرغم من أن مشروعه النقدى قد تأسس متأثراً بمشروع يوليو 1952، بل والبعض رأى أنه خرج من رحم هذه الثورة، إلا أن تلك المرحلة لم تنحز له أو تنصفه.. صاغ مشروعه وفق هذا الزمن، فخذله، ومع هذا ظل يحن إلى أبطاله حتى رحيله.. لم يتخلَّ عن قناعته بدور الكاتب فى المجتمع ويقظة ضميره، فدائماً ما كان يبحث عن علاقة الفنان بالمجتمع فى كل الأعمال التى كتب عنها «بإيجاز شديد أقول إن المسرح كان يمثل اهتماماً ثقافياً جاداً ومهماً منذ منتصف الخمسينيات، مع صعود تلك الموجة الجديدة من المؤلفين والمخرجين، وبدا للكثيرين أن هذا الفن يمكن أن يقوم بدور فى ردم الهوة التى عمقتها مئات السنين بين الثقافة الجادة من ناحية، والجماهير من الناحية الأخرى».

Katen Doe

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه
فاروق

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص