حكاية «وردة».. زيارة جريئة لمطربة تخطت «الحُسن المسموح»

أوراق الورد (1) النموذج الأشهى للصوت الأنثوى إذا غنى ولدت فى باريس وكانت آخر العنقود بين 5 أشقاء قصة الغلطة التاريخية فى اسم عائلتها بسبب موظف السجل المدنى تعلمت وردة الغناء من والدتها حيث كانت جميلة الصوت والأداء

في كل مرة يغني فيها مطربنا الكبير على الحجار أغنيته الاستثنائية - لحناً وكلمات واداء روحي فيكي، فإنه يحرص على أن يحكى لجمهوره كواليسها، حين قادته المصادفة وقت زيارته للأردن في منتصف الثمانينات لحضور حفل الفرقة «عائلة بندلي». وجذبته أغاني الفرقة اللبنانية المكونة يومها من شاب وشقيقاته الأربع، وليلتها استوقفه لحن عجيب من بين ما تقدمه الفرقة، وسيطر عليه حتى إنه ذهب إلى قائدها روجيه بندلي يسأله عن اللحن ويستأذنه في غنائه، ورحب بتدلي ببساطة وأخبره أن اللحن من الفلكلور المغربي.

وفور رجوعه للقاهرة أسرع الحجار باللحن إلى الشاعر عصام عبدالله يطلب منه وضع كلمات مناسبة على تيمته، وفي اليوم التالي كانت الكلمات جاهزة، وظل على الحجار يعني اللحن على أنه من الفلكلور المغربي إلى أن على الأغنية مرة في الجزائر وأخبروه هناك أن اللحن للملحن الجزائري العقيم في باريس إيدار»، فكان حريصاً بعدها على أن ينسب اللحن لصاحبه.

وفي كل مرة يحكي فيها على الحجار الحكاية بطريقته المحببة فإنني أتوقف عند تغير مذهل في بساطته وبلاغته صافه الشاعر عصام عبدالله ليغازل به حبيبته وأقصد به وعديني الحسن المسموح وفي كل مرة استمع فيها إلى مطربها وهو يعني هذا المقطع أجد صورة وردة الجزائرية أمامي، ربما كان اللحن الجزائري يستدعيها، لكن المؤكد أن الوصف يليق بها، وأنها - وردة تخطت حقا الحسن السموح شكلا وطرية

تقل وردة النموذج الأبهى للصوت الأنثوي إذا على والنموذج الأشهى للجمال الأنثوى إذا تبدي والنموذج الأعلى للحظ عندما يتجلى...

وبعبارة أخرى في حالة فريدة في تاريخ الغناء العربي تشابكت في صناعتها حلاوة الصوت مع سحر الأنثى مع لحظة قدرية قياضة وضعت في طريقها ملحنا بعبقرية بليغ حمدي، صنع منها ومعها واحدة من أجمل الثنائيات الغنائية، بل هو النموذج الزوجي الأشهر المطرية وملحن يتعانق فيه الصوت واللحن

وبعبارة ثالثة: هي صوت حاضر ومستقر. في الوجدان المصري صوت موتس بتغيير شاعرنا الكبير جمال بخيت ما زال صوتك يونسنا وتتونس حياتنا بيه

صوت صنع نجومية وشهرة يصعب أن تتحقق من جديد وصنع تجربة يستحيل تكرارها، لأنه يستحيل المطرية غيرها أن يجتمع حول صوتها ملحنون بطاعة بليغ وعبد الوهاب والسنباطي وسيد مكاوي والموجى وكمال الطويل وفريد الأطرش، وشعراء في قيمة حسين السيد والابنودي وعبد الرحيم منصور ومحمد حمزة.

وبعبارة رابعة هي بصمة مميزة واستثنائية، كصوت وتجربة وامرأة حضرت اسمها في وقت كانت الساحة الغنائية تفيض بالمواهب الكبيرة والمنافسة الشرسة، فأن تأتي مطربة جديدة وتحقق كل هذا النجاح في وجود أم كلثوم ونجاة وصباح وفايزة وشادية فهي شيء إلى المعجزة أقرب

ورغم كل ما كتب ونشر عن وردة، ورغم كل هذه الشهرة التي نالتها، ورغم كل هذا الحضور الذي يتحدى القباب الا أن حياتها ومشوارها ما زال في حاجة النظرة مختلفة ورؤية مغايرة وزيارة جديدة وكتابة جديدة

استأذنك أن تنسى ما قرأت وعرفت من سيرتها، لأن الكثير مما قرأت وعرفت على بخرافات وتخريفات وشائعات وحكايات ملتبسة ومتناقضة ومضللة ولا تمت للحقيقة بصلة، ولا يمكن الوثوق بها ولا الاعتماد على مصادرها. إن كان لها مصدر من الأساس

في هذه الحلقات متستعيد وردام أيامها و زمانها وسيرتها وتجربتها و مشوارها ستقترب من شخصيتها وحياتها، وسترصد بشكل موثق خطاها ورحلتها ومحطاتها، حكاياتها الإنسانية والفنية والعاطفية لحظات وهجها ولحظات انكسارها، ضحكاتها ودموعها. الحقيقة كاملة بلا تزويق ولا مبالغة ولا ادعاء، وكانك تشاهد شريط حياتها بلا مونتاج

وردة هي شخصية استثنائية بكل المقاييس، وأجمل ما فيها تلقاليتها، أن التلقائية الصادقة الخالصة هي كلمة السر في شخصية وردة، إنها تفعل ما تشعر به تنصرف ببساطة بلا تمثيل ولا ادعاء لا تعرف الإمساك بالعصا من المنتصف ولا الألوان الرمادية، إذا أحبت أعلنت، وإذا كرهت صرحت لا تكنم رأيها ولا تزيف مشاعرها، ما في قلبها على لسانها وفي رد فعلها.

يمكنى أن أحكى لك موقف يغرب ما أقصده ويوضحه

في يوم كانت مع بليغ في السيارة في طريقهما الزيارة صديق، وفي الطريق نزل بلیغ لیشتری طبق حلويات من محل في وسط البلد وترك وردة في السيارة، ولمحها بائع صحف فتقدم التحيتها والسلام عليها، فأرادت أن ترد له تحيته بشكل عملي، فلن يفيده كثيراً حسبما تصورت أن تجامله بابتسامة أو كلمة أو إشارة، وبتلقائية طلبت منه لحظتها أن العندليب ضيفها في بيتها كما نسبت سطوته ومكانته، وقررت أن لا تبلغ ما اعتبرته إهانة، وقالت له بتلقائيتها الصريحة يعنى مش هتكون أوحش من حلو القمر حلو على الأقل النميمة موضوع موجود ونهم الناس. إنما القمر خلاص راحت عليه

الحاول أن أتخيل رد فعل حليم وعلامات الدهشة على ملامحه التي تقترب من الذهول وهو يحاول استيعاب الموقف والرد)

بنفس تلك التلقائية - أو قريب منها . منحكي عن وردة.. مسير على خطاها من باريس حيث ولدت إلى الجزائر حيث دفنت، وبينهما مصر حيث لمعت وتألقت

والان استعد. متطفئ أنوار الصالة للبدأ العرض

(1)

في 22 يوليو 1939 ولدت وردة في البناية رقم 18 A بشارع Rue Le brita بالعاصمة الفرنسية في شقة بالطابق الأرضي تتوسط دكانا وغرفة صغيرة، في هذا المكان ولدت الطفلة الصغيرة التي كانت أخر العنقود بعد أن سبقها أشقاؤها مسعود حميدو كمال وأختها الوحيدة نادرة التي كانت تكبرها بنحو عشرين سنة، وفيه عاشت سنواتها الأولى التي لا تذكر منها سوى الدراجة الصغيرة التي كانت تركبها في الشارع في حراسة ورعاية ومعاونة مسعود أقرب الأشقاء إليها.

وبعد سنوات قليلة انتقلت الأسرة إلى البناية رقم 85 بشارع Saint Severtu وهو المكان الذي شهد ميلادها كمطرية في مطعم طمطم الذي كان يملكه والدها وتعلوه شقة الأسرة. وفي هذا المطعم الصغير بدأت خطواتها الأولى مع الفن حيث كان والدها يسمح لها أحيانا بالغناء لزبائن مطعمه، وكانوا في الغالب من العرب الباحثين عن هويتهم في قلب باريس، المضروبين بالحنين إلى أوطانهم الأم، حتى ولو في أصناف الأكلات العربية والطرب العربي

أما الوالد فترجع أصوله إلى بلدة سوق أهراس بالجزائر وفي صياد توفي والده وتولى عمه تربيته ورعايته، وأمام قسوة العم وطريقته الصحية في التربية لم يجد الصبي من طريقة للهروب سوى الالتحاق بالجيش الفرنسي وكانت فرنسا وقتها تغير الجزائر جزء منها وتابعة الامبراطوريتها، فسمحت للجزائريين بالالتحاق بصفوف جيشها. وهكذا وجد الصبي محمد فتوحی نفسه مواطنا فرنسياً يعيش في قلب باريس

ويشير زميلنا الناقد مصطفى ياسين إلى خطأ تاريخي مزمن في اسم عائلة وردة ذاع وضاع حتى أصبح هو السائد والمتداول، حيث يقول:

اسمها الحقيقي وردة محمد بن علمي بن على فتوحي، وليس فتوكي، كما يكتب في الصحف والمجلات، والسبب يعود إلى تدوين الأسماء في السجلات الذي بنا مع الاحتلال الفرنسي للجزائر فكانت الأسماء تكتب باللغة الفرنسية وليست العربية، ولهذا أخطأ موظف السجل المدني وحدت هذا التحول من فتوحي إلى فتوكي وهذا الأمر كان يزعجها جدا وكانت تحرص أن تنطق اسمها بالصورة الصحيحة لأي صحفي أو إعلامي يزيد إجراء مقابلة معهاء

لكن الغريب والمدهش أن بنت أخت وردة لم تهتم بتصحيح الخطأ الشائع. فعندما قررت أن تلتحق بصمتها في دنيا الفناء حطت اسم نقم فتوكي

ورغم التحاقه بالجيش الجزائري واقامته الطويلة في باريس وإجادته الفرنسية كأهلها، إلا أن محمد فتوحي كان يحمل تحت جلده هوية عربية إسلامية لا تتزعزع، فلم ينس أبدا أنه الصبي الجزائري ابن سوق اهراس ولم يرضخ أبدا لما حاول المستعمر الفرنسي أن يرسخه في ذهنه وعقيدته بأن الجزائر قطعة من فرنسا.

وصحت الجذور العربية وتعددت في وجدان محمد فتوحي بمجرد أن بدأت شرارة ثورة التحرير في الجزائر عام 1954، كان جسده في باريس ولكن قلبه هناك مع قادة الثورة محمد بوضياف ومصطفي بلعيد و ديدروش مراد ورابح بطاط وأحمد بن بلة وحسين ايت أحمد وجميلة بو خريد وزهرة ظريف ومع عشرات آلاف من الثوار الأحرار في الجبال والمدن الجزائرية المشتعلة بالثورة والأرض التي ارتوت بدماء مليون ونصف المليون شهيد.

ولم يكتف محمد فتوحي بأضعف الإيمان، بل قرر أن ينضم للثورة على الاستعمار الفرنسي من قلب فرنسا. وبخسارة قلب حول مطعم «الطمطم إلى مركز وغرفة عطيات سرية للمقاومة، بل ومخزن للسلاح الذي يشترونه قبل إرساله وتهريبه إلى الثوار في الجزائر

قرر محمد فتوحي أن يغامر بحياته ومصير أسرته من أجل وطنه، ولم يتردد في استخدام ابنته الصغيرة حورية في تلك العمليات الفدائية

وبحكم أنها تلميذة صغيرة لا يمكن أن يتسرب الشك إلى البوليس فيها. فإنه كان يضع المنشورات الثورية ضد السلطة الفرنسية في حقيبة مدرستها. فتحملها كل صباح بين كتبها وكراريسها وتمر بسهولة من كل الحواجز الأمنية وأمام المدرسة يكون في النظارها واحد من الخلايا السرية، فتسمح له - حسب وصية والدها أن يفتح حقيبتها في هدوء ويحصل على المنشورات، وفي كل مرة حين عودتها سالمة إلى البيت بعد نجاح مهمتها الفدائية الوطنية يكافتها الأب بقبلة حانية على جبينها.

وكان الأب يتفنن في إخفاء قطع السلاحداخل صناديق المأكولات والمشروبات بمخزن المطعم بل وفي اباليك» الإضاءة أعلى الاسقف والجدران إلى أن اشتبه البوليس الفرنسي في أحد الزبائن ووجدوا قطعة سلاح مخفية في ملابسه، فبدأوا يراقبون المطعم وصاحبه، إلى أن ضبطوه متلبساً بتحويل المطعم إلى مخزن سلاح ومركز الثوار ومكتب الجبهة التحرير

كان محمد فتوحي والد وردة حين القى البوليس الفرنسي القبض عليه قد تجاوز الستين من عمره، ورغم ذلك تحمل أصداقة بشعة من التعذيب حتى لا ينتزعوا منه معلومات عن بقية الخلية. وعاش في جحيم لأكثر من أسبوعين. وفي كل يوم كانوا يضعونه تحت الدش البارد في شماء فرنسا الفارس لكنه تحمل في كبرياء عجيب كل صنوف التعذيب، فلما بشوا منه قرروا إغلاق مطعمه ومصادرة أمواله وطرده من فرنسا

وحمل محمد فتوحى أولاده واختار أن يتوجه بهم إلى لبنان بلد زوجته أم أولاده التي تنتمى إلى عائلة يموت.

(2)

اسمها نقيمة محمد يموت شابة لبنانية جميلة من عائلة عريقة، وضعتها الأقدار في طريق شاب جزائري طموحفنطق به قلبها وتحدث أسرتها من أجله وتزوجته رغما عنهم وعاشت معه في باريس وأنجبت له ثلاثة أولاد وابنتين

وإذا كانت وردة قد ورثت عن أبيها الجزائري قوة شخصيته وصلابة موقفه وشجاعته في إعلان رأيه ودفاعه عن مبادله مهما كان الثمن وقبل كل ذلك إيمانه بالعروبة فكرة وعقيدة، فإنها ورثت عن أمها حلاوة صوتها وجيناتها الفنية

بشهادة وردة فإنها تعلمت الغناء الأول مرة من أمها، حيث كانت جميلة الصوت والأداء، واكتفت بأن تعبر عن تلك الموهبة الربانية بالغناء لنفسها في البيت وهي تجهز الطعام في المطبخ أو تمارس طقوسها اليومية في تنظيف الشقة.

دائماً تقنى بصوتها الشجي والطبعت في ذاكرة بنتها الصغيرة التي لا تفارقها تلك الأغنية المحببة إلى قلبها التي لا تذكر منها سوى مطلعها: يا بنية، وكانها كانت تقنيها لوردة

وكان الفناء كان سلواها عن بلواها.

فقد أصيبت الأم بمرض السكر وتتابعت مضاعفاته، فعانت من نوبات وأزمات صحية متتالية حتى خطفها الموت رحلت قبل أن تحقق أجمل حلمين في حياتها أن تعود لوطنها لبنان، وأن ترى ابنتها الصغرى وردة مطربة يردد الناس أغانيها مثلما كانت تردد هي أغاني ليلي مراد

نفيسة يموت الأم هي أول من اكتشف حلاوة صوت ابنتها وشجعها على الغناء وأمنت بموهبتها وساندتها وأقست الآب بأن يفتحها الفرصة لتغني في المطعم الذي يرتاده أحيانا زوار كبار في قيمة عبد الوهاب وفريد الأطرش، على أن يكتشفها أحدهم ويطلقها نجمة في سماء الفن

كان الحلم يكبر في قلب وردة الصغيرة. كل يوم أصبح الغناء هوايتها والموسيقى شغفها في طريقها للمدرسة كان يجذبها. صوت الموسيقى التي تصدح من الكنيسة التي تمر عليها بشارع Des Pretres والتراتيل الملائكية المتبعة من مسرحها، فتتسلل إليها أحياناً وتجلس مسحورة إلى الآلات الموسيقية

ورغم أنها تعيش في قلب مجتمع أوروبي إلا أن قلبها ووجداتها تعلق بالغناء العربي والموسيقى الشرقية أحبت أغاني ليلي مواد لأن أمها تعشقها، واحبت أغاني أم كلثوم لأنها مطربة والدها المفضلة إلى أن القادتها الصدقة إلى دار السينما القريبة من مدرستها لمشاهدة فيلم مصري التتغير بعده حياتها

 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

من هم الذين قصدهم بليغ عندما قال بأسى بعد طلاقه من وردة: الله يجازي ال
وردة
وردة
وردة على شاشة السينما: نجاحات وإخفاقات ونصف «بوسة»
ننتن
فايزة
عمر فتحى.. الأب الشرعى للأغنية الحديثة
معركة وردة وجلال الشرقاوى تنتهـــى بالصلح فى شارع الهرم

المزيد من فن

عمرو سعد يصوّر «إفراج» فى القلعة

يواصل الفنان عمرو سعد تصوير مشاهد مسلسله «إفراج »، وصوّر بعض مشاهد المطاردات فى شوارع القلعة الأسبوع الماضى.

طارق لطفى و «فرصة أخيرة» فى شوارع شبرا

عاد الفنان طارق لطفى لتصوير مشاهد مسلسله «فرصة أخيرة »، الذى ينافس به فى الموسم الرمضانى.

وحدة تصوير ثانية ل «صحاب الأرض»

يواصل صناع مسلسل «صحاب الأرض » تصوير مشاهده فى مدينة الإنتاج الإعلامى.

معتصم النهار يعود لـ«نصيب» بعد رمضان

يعود الفنان اللبنانى معتصم النهار إلى القاهرة بعد عيد الفطر المبارك مباشرة، لاستكمال تصوير مشاهده فى فيلم «نصيب »، الذى...


مقالات