مفاجٱت السادات في حرب العاشر من رمضان

من أكثر الكنوز التي أعتز بها في مكتبتي" صحف شهر أكتوبر ١٩٧٣ " التي وثقت يوميات النصر العظيم ، وهو الانتصار الوحيد في تاريخ مصر الحديث والمعاصر منذ انتصارات محمد علي في القرن التاسع عشر .

الكاتب الصحفي إبراهيم عبد العزيز
مدير تحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون السابق

 

فمنذ البلاغ الأول لم أفارق الراديو حتي صباح اليوم التالي حينما سارعت لمتابعة الصحف التي رقصت مانشيتاتها بالفرح "عبرنا القناة ورفعنا علم مصر ".

وحرصت من يومها علي الاحتفاظ بكل ما يتعلق بنصر أكتوبر خاصة خطب وأحاديث الرئيس السادات التي كشفت عن مفاجٱت حينما نقرؤها اليوم سنجدها أيضا لم تفقد مفاجأتها بالنسبة لنا رغم مرور عشرات السنوات . وقد اخترت حديثا تليفزيونيا للسادات حاورته فيه همت مصطفي ، وأذيع يوم ٦ أكتوبر ١٩٧٧ ، ونشرته صحف اليوم التالي ، وعندما أعدت قراءته لم أفقد دهشتي من حجم المفاجٱت في هذا الحديث ، وهي كالتالي بنص تعبير السادات نفسه ، سلام عليه مع شهدائنا الأبرار .

* الحاجة الغريبة إن من ١٩٧١ بعد ما توليت الرئاسة بأربع شهور وأنا أقول الحرب كبديل إلا إذا كانوا وافقوا علي السلام كبديل وينسحبوا ، بل لو قبل اليهود مبادرتي في ٧١ كانوا حايضربونا أكبر خاذوق وهو إن روح الهزيمة كانت لسه حاتفضل في النفوس ، لما دخلنا المعركة استعدنا ثقتنا في أنفسنا " .

* تعليق : يقصد السادات بمبادرته فتح قناة السويس للملاحة الدولية مقابل انسحاب إسرائيلي جزئي كمبادرة للسلام الشامل الذي تنسحب بموجبه إسرائيل من كل الأراضي المحتلة ، ولكن إسرائيل اشترطت مشاركة مصر بنصف عائدات قناة السويس ، وهو ما رفضته مصر ، لأن كان ذلك يعني إعادة استعمار القناة ، كما كانت قبل تأميمها .

  • يقول السادات : مواسير إسرائيل النابلم علي القناة .. أنا نزلت الولاد ليلة قبل الهجوم علي المواسير فسدوها كلها .. لما رحنا الضفة الشرقية لقينا الخزانات فارغة ، سدينا المواسير علي مفيش حاجة .. الخزانات كانت فارغة لثقة اليهود إن مصر لن تتحرك ..
  • قناة إيه ولا مصر إيه " .
    * تعليق : كانت إسرائيل قد أقامت مواسير لضخ النابلم المشتعل بمجرد عبور أي قوات مصرية ، بما يحول سطح القناة لكتلة نار تحرق كل عابر بل تشوي السمك نفسه في أعماق القناة ، ولكن لغفلة الإسرائيليين لم يقوموا بتفعيل مواسير النابلم ثقة منهم في أن المصريين لن يفعلوها .

* يقول السادات : أول يناير 73 هيكل الخطة ( خطة الحرب ) وضع ـ في الوقت اللي زي ما أنا باقول للبؤر بتقول إن مصر خلصت ، والصحافة الأجنبية ، وبعض المثقفين جوه ، والعملاء بتوع روسيا ، والكل بيقول وأنا ولا سائل فيهم ، لأن القاعدة الأساسية (الشعب ) معايا . وعارفيني وأنا عارفهم .

* نصف فبراير تختة الرمل داخل قاعة في القوات المسلحة وعليها سيناء بكل جبل وكل همسة فيها ، وقناة السويس ، وقوات العدو . تختة الرمل ( لمناقشة خطة الحرب ) أخذت 6 ساعات .

* المرحلة الثالثة في مارس 73 تمت في كنج مريوط ، بيت صغير كده .. كشك ، أنا والمشير أحمد إسماعيل ( وزير الحربية ) بس : يا إسماعيل .. نعم . اعرض علي الخطة النهائية . حاضر يا فندم .

* في أبريل جالي حافظ الأسد ( رئيس سوريا ) في برج العرب في زيارة رسمية لم يعلم بها أحد ، نزل في مطار جناكليس ، والمشير إسماعيل جابه لي من الطيارة علي طول ـ يا حافظ .. أنا داخل المعركة السنة دي .. إيه رأيك ؟ ، قال لي : أنا وياك ـ أخذنا في هذه القعدة ٣أيام .

* تاني يوم أحمد جابلي نوتة كاتبها الجمسي ( رئيس هيئة العمليات ) .. بخط يده .. أنا طالبها علي أنسب الأوقات للهجوم ، بالعلم كل شئ تقدروا تعرفوا في هذا اليوم فيه مد ، فيه جذر ، قمر فيه ، تغيرات كذا ، ما بتخلفشي إلا شئ بسيط جدا ، ولكن الأساسي .. ومن كام ؟ من سبع علوم ، كتبها الجمسي بخط يده .. ليه ؟ لأن دي يجب ألا يعلم بيها أحد ، ده الجمسي باعتباره عالم عسكري مش بس ضابط ، قار ئ دا كله ، وشاف الشرق والغرب وأخذ فرقة في الشرق وفرقة في الغرب ، مش تايه عنه حاجة من ٧ علوم ، و راح أعطي في النهاية الأفضلية بتاعة ٦ أكتوبر .. العامل المرجح هو حالة الجو في هذا اليوم ، علشان أعبر بقواتي بسلام ، وأخش بعد ذلك ، لأن ال٢٤ ساعة (الأولي )هي الحاسمة .

* قبل الموعد بقيت أسخن في في الجرائد والصحف بٱيات قرٱنية والجهاد ، ومناورة علي الجبهة . اللي رفض رئيس تحرير الأهرام ( محمد حسنين هيكل ) ، لأنه عايزني أشرح له الحكاية ، وأنا مش فاضي أشرح الحكاية لحد ، وخصوصا إذا كان مدعي عسكريا أو مدعي سياسيا ، فلم ينشر في الأهرام ، لكن بقية الصحف نشرت ، إسرائيل واخده بالها ، تعبت .. لما يلاقوا التسخين في مايو صرفوا ١٠ مليون دولار تعبئة عامة ، في أغسطس صرفوا ١٠ مليون تعبئة عامة ، لما جينا في أكتوبر وأحسوا إنه ربما يكون فيه هجوم .. ديان ( وزير الدفاع الإسرائيلي ) قالهم : لا .. احنا في كل مرة حانصرف ١٠مليون دولار .

* كان إيه الخط اللي قدامي ؟ بارليف .. ودخلت أنا ليه الحرب بهذه الثقة كلها .. إيه السبب يعني ؟
* السبب بسيط قوي .. قوي ..
* في يوم وقع في يدي كتاب عن " معركة نورمندي " اللي هي هجوم الحلفاء علي أوروبا وقت ما كان هتلر محتل أوروبا كلها ، قرأت الكتاب كله فأعجبني جدا ، لأنه عبارة عن وثائق .. ماكنش رواية ، الحرب مأخوذة من يومية الحرب . الكتاب لقيت فيه دروس استفادة لنا ، كثير جدا نقدر نعمله ، نظرت علي خط بارليف لقيته نسخة طبق الأصل مما أسماه هتلر بحائط الأطلنطي علشان يواجه أي غزو ، خط بارليف نسخة طبق الأصل من حائط الأطلنطي .. لماذا ؟ إعجابهم بالتكتيكات الألمانية .

* قلت للجمسي : خذ هذا الكتاب .. خط بارليف عندك هنا بالكامل ، بس علي صورة أهيف ، والتكتيكات كلها اللي عملتها ألمانيا في مقاومة غزو الحلفاء لنورمانديا عندك هنا ، حيعملوها ضدك .

* لما تراجع تلقي خط الأطلنطي كان له ٣ مناطق دفاع علي حرف محيط الأطلنطي مباشرة ، دي حائطة مسلحة ، ، دي اللي كان يعبر عنها خط بارليف علي القناة .

* في تقدير الموقف عندهم قالوا ليس أمام السادات إلا احتمال من ٣ ، الاحتمال الأول أن يستولي علي رقبة الوزة .. المنطقة من القنطرة شرق حتي بورسعيد عندنا ، لأنها طويلة حوالي ٤٠ كيلو ، وتبقي الحكاية محصورة ، وبقية الجبهة حتي السويس عندهم .

* والحل البديل الثاني أمام السادات أن يعبر بفرقة .. وتمنوا هذا ، ولو إنهم قالوا إن برضك دي كبيرة علي مصر .. علي الجيش المصري .. فرقة إيه ؟ حالتهم مدهولة .. ويا ريت يعملوا دي .. ويروح عازل الفرقة ومحوطها من جميع الجهات والجوانب ويتسلي عليها علي مهله في كام يوم يشطبها .. اللي عايز ياخده أسير واللي عايز ياخده ميت يموت .
* قالوا البديل الثالث إنه ينزل بأكثر من فرقة وأكثر من رأس كوبري .. ولكن هذا مستبعد لأن دي معناها لازم يكون عند الجيش المصري ما يسمي بمعركة الأسلحة المتعاونة يبقي فيها الجيش والبحرية والطيران والدفاع الجوي .. التنسيق بين دول كلهم لا يقدر عليه علي هذا المستوي إلا الدول العظمي .. وراحوا استبعدوا الحل الثالث نهائيا .

* الحلفاء نزلوا بخمس جيوش .. نزلنا بخمس فرق رؤس كباري . أسلحة متعاونة بين البحر والجو والأرض والصواريخ .. عندئذ ذهل اليهود ، وأسقط في أيديهم ، لأن كل شئ تصوروه إلا هذا .. أنا نزلت علي ١٨٠ كيلو طول الجبهة بخمس فرق ، وفي الحال كل فرقة أخذت مكانها وموقعها وانتشرت فقفلت المواجهة ، وبدأت معركة الأسلحة .. معركة دبابات ، معركة المدفعية ، دخلنا في معارك لم يتصوروها .

* وروعة حسني مبارك في معركة الطيران ، ٢٢٠ طائرة من كل مطارات الجمهورية بالتوقيت المضبوط بالثانية عبروا القناة في موجة واحدة ، أولادنا لم ينتظروا أمر العبور ، بعبور الموجة الجوية عبروا ولادنا علي طول .

* حاجات كثيرة جدا في المعركة بتوري بطولة وروعة العسكري والجندي والضابط المصري .

* الاتحاد السوفييتي صور المعركة من أولها بالقمر الصناعي، وقعدت أطلب نسخة مرضيش يبعتها لي .

* كل سنة وشعبنا طيب بانتصارات وبناء يقوم أول ما يقوم علي الحب ونبذ الحقد ، يقوم علي أن ننظر إلي الأمام ولا ننظر أبدا إلي الخلف ، كفي ما فات ـ بناء يقوم علي أمن المواطن : رخاؤه ، مصر ومكانها في العالم ، الإنسان المصري وتعويض ما فاته ، أدعو الله سبحانه وتعالي إنه يوفقنا لكي نحقق ما نصبو إليه جميعا .. وشكرا .

 	إبراهيم عبد العزيز

إبراهيم عبد العزيز

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

محمود علام
نهال الشافعي

المزيد من مقالات

الدكتور أسامة الأزهري: رمضان شهر تعظيم الشعائر وتكبير الله

رمضان شهر التكبير، وشهر تعظيم شعائر الله؛ والسؤال: من أين جاء هذا المعنى؟ هذا المعنى مستفاد من الآية الجامعة التي...

كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟

أن نظام الصيام المتقطع، وهو أشبه ما يكون لصيام شهر رمضان والذى يمتنع فيه الصائم عن تناول الغذاء لمدة حوالى...

الصيام وتأثيره العميق على الدماغ

تشير العديد من الأبحاث الحديثة إلى أن الصيام ليس فقط مفيداً للجسم، بل يمكن أن يكون له تأثيرات إيجابية على...

النقرزان من وسائل الإعلان عن الإفطار والسحور بشهر رمضان

"بين عبق التاريخ وأسرار الحضارة، يصحبكم الأستاذ الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، في رحلة...