رغم إعجاب الفنانة الكبيرة سميحة أيوب – التى غادرت عالمنا – بأدب نجيب محفوظ ورغبتها فى أداء أكثر من دور لبطلات قصصه ، إلا أن أمنيتها لم تتحقق إلا فى فيلم مجهول اسمه " هارب من الإعدام " ، الذى دشن مخرجه يوسف مرزوق تقليدا غير مسبوق التقي فيه أبطال الفيلم مع المؤلف ، حيث اجتمعوا فى مكتب نجيب محفوظ ، ودار بينهما حوار سجله عبد المنعم صبحي بقلمه ، وحبشي محمود بكاميرته ، على صفحات مجلة " الإذاعة والتليفزيون " عام 1969 ، ورغم أن سميحة أيوب لم تتحدث كثيرا فى هذا الحوار النادر ، إلا أنها بدت فى الصور مع نجيب محفوظ فى حالة انسجام .
القصة المكتوبة عنها الفيلم ، كتبها نجيب محفوظ فى عام 1963 – وهي قصة "هارب من الإعدام ".. وبعد أن تم إعداد كل شئ ، ذهب المخرج والسيناريست والممثلون إلى نجيب محفوظ ، ليناقشوا معه عملهم ، وكان هذا تقليدا جديدا لم يسبق له مثيل فى تاريخ الأعمال الفنية فى بلادنا .. واجتمعوا معا فى مكتب نجيب محفوظ .
بدأ الحديث يوسف مرزوق : هذا ثاني عمل سينمائي أخرجه لنجيب محفوظ ، وكان الأول " لونبارك " الذى قدمته لمهرجان التليفزيون .. وهذا ليس اختبارا اعتباطيا ، بل هو تلاق مع نجيب محفوظ ، الفنان الكبير التى تحوى كتاباته عوالم غنية ، تستطيع الكاميرا أن تحولها بسهولة إلى صورة .. ورغم أنني أخرجت فيلمين قصيرين من قصتين لنجيب محفوظ ، فمازال يستهويني كثير من قصصه لتحويلها إلى سينما.. وأرجو أن أوفق فى ذلك – وبصراحة – يا أستاذ نجيب هي ليست محاولة للارتباط بكتاباتك ، بقدر ما هي عجز من الفرار من هذه الكتابات ..
وهنا أثارت علوية زكي سؤالا – وعلوية زكي هي أول مخرجة صاعدة فى تاريخ السينما المصرية . والإخراج عامة مهنة تهرب منها المرأة ، لكن علوية اقتحمت ميدان السينما لتعمل مخرجة مساعدة فى فيلم " هارب من الإعدام " ، فى نفس الوقت الذى تعد فيه لكي تخرج فيلما بنفسها " بعنوان" ساعات فى الحب " ، وستكون بهذا أول مخرجة سينمائية فى بلادنا ، إذا ما أسقطنا بعض المحاولات لبعض الممثلات اللاتي أخرجن لمجرد أنهن منتجات .
قالت علوية زكي : أستاذ نجيب .. ربما كنت أكثر الكتاب المصريين حظا فى السينما ، فقد حولوا معظم أعمالك الروائية وبعض أعمالك القصصية إلى أفلام .. وأيضا إلى تمثيليات تليفزيون وإذاعة .. فهل تجد تناقضا بين ما كتبت وبين ما صنعوه ؟
قال نجيب محفوظ : لكي أريح نفسي ، فأنا أفترض أن للسينما أو التليفزيون أو الإذاعة ، أسلوبا آخر غير النص الأدبي المنشور – أنا أكتب بلغة ، وهم يصورون بلغة أخري ، ولذلك فأنا لا أحاول أن أفرض الصورة التى أراها عليهم ..
قالت علوية زكي : كلامك يحمل معنى ضمنيا ، أنك لا توافق على كثير من الأعمال التى شاهدتها !
ضحك نجيب محفوظ : بل رضيت عن كثير من هذه الأعمال .. مثلا فى التليفزيون قدموا " الطريق " ، و " صورة قديمة " بشكل طيب ... وكذلك " بداية ونهاية " و " القاهرة 30 " ، وبعض الأفلام كانت جيدة .
أحب أن أتوقف هنا قليلا " يقول المحرر" لكي أقول لكم .. إن ما كتبته حتى الآن لم يكن صورة حقيقية لما حدث فى مكتب نجيب محفوظ ، بل هو صورة منظمة جدا ، لحوار متشابك .. حتى الآن .. لم يرد اسم سميحة أيوب ، وتوفيق الدقن ، وعبد الله غيث ، لكنهم كانوا مع كل كلمة قيلت.
وكان الموضوع الذى بدأته علوية زكي هو موضوع الفرق بين النص الأدبي والإعداد هو الموضوع الذى التهب حوله الحديث ، والذى التقطه السيناريست محفوظ عبد الرحمن الذى أعد القصة قائلا : هناك نوعان من الإعداد لأي عمل أدبي .. الأول أن أترجم العمل بأمانة ، والثاني أن ألتزم بالفكرة التى يريدها الكاتب وحدها . أما الأمانة الشديدة ستجعل السيناريست مجرد مترجم ، وفى هذه الحالة لن يكون ما أراه سينما ، لكني أرى الإعداد الحقيقي هو الالتزام بفكر الكاتب وبالقضية التى يثيرها ، وبالجو الذى يعكسه دون الالتزام بالتفاصيل .
قال نجيب محفوظ : هذا ما أوافق عليه تماما .
أما قصة الفيلم الذى يستغرق عرضه 55 دقيقة تقريبا .. فيلعب بطولته سلامة ( عبد الله غيث ) .. شاب اضطر للقتل تحت ظروف الأسرة ، طلبا للثأر ، رغم أن غريمه كان على أبواب الموت ، كما قرر الطبيب ، لكن كيف يموت قبل أن تأخذ الأسرة ثأرها منه ؟! . ويحكم على سلامة بالإعدام ، لكنه وهو فى السجن – وأحداثنا تدور عام 1939 – يرسل إلى القصر العيني ، نظرا لمرضه الشديد ، وفى " القصر العيني " يهرب سلامة من حارسيه .. ويجد سلامة المأوى عند المعلم دحروج ( توفيق الدقن ) صاحب مخزن الحديد إلى جوار المقابر . ويعيش سلامة على حافة الموت ، لكن الحياة تطارده ، فى صورة آمنة زوجة دحروج ( سميحة أيوب ) التى تجد فيه عواطفها ومشاعرها ..
تقول سميحة أيوب : أعتقد أن شخصية آمنة تمثل الحياة .. فهي تلتقي بسلامة ، فى نفس الوقت الذى لا يجد فيه الأمن . وهي فى البداية ترفضه ، لكنها بعد ذلك تعاونه وتقبل عليه ، ولكن مهما أقبلت عليه الحياة فنهايته الموت ..!
يعلق عبد الله غيث : فى هذه القصة يجتمع الحياة والموت ، فى لحظة واحدة .. وهو موقف يدل على عبثية الموت ، أو عبثية الحياة . وأعتقد أن هذا موجود فى أكثر من قصة من قصص نجيب محفوظ .
قال يوسف مرزوق : هذه الفكرة بشكل ما ، موجودة فى " لونابارك " .
وقالت سميحة أيوب : وموجودة بشكل واضح فى الثلاثية ، وأيضا فى بعض القصص القصيرة مثل " بيت سيئ السمعة " ، و " خمارة القط الأسود " .
قال توفيق الدقن : دوري فى هذا الفيلم ليس دورا جامدا ، فشخصية دحروج هي شخصية درامية .. مقبل على الحياة ، مزيج من الطيبة الأصيلة والشر الذى لا إرادة له فيه ، فهو مندفع إلى التجارة بالحرب ، نظرا للضائقة المالية التى يعاني منها .
وانتهى الحديث ، ليس لأنه انتهى ، لكن لأنهم كانوا يجب أن يذهبوا إلى " الباص " لكى يصوروا .
وفى البساتين كان اللقاء الثاني – والبساتين اسم أطلق على هذا المكان من قبيل تسمية الأشياء بنقيضها .. بين مقابر الإمام الشافعي بحرقها هجير الشمس طوال النهار . ويمضى العمل بلا هوادة ، لا يكف لحظة واحدة من التاسعة صباحا حتى الثانية عشرة ليلا .
وبعض أجزاء الفيلم تصور فى نفس المكان ، لأنه عامة بصور المشاعر والتصرفات ، التى تتحرك بين هؤلاء الثلاثة : سميحة أيوب ، عبد الله غيث ، توفيق الدقن ، وكأنهم مساجين زنزانة واحدة ، أو كأنهم ثلاثي مسرحية سارتر الشهيرة " لا مفر " . ولذلك لا تجد اسما لا معا آخر إلى جوارهم ، وإن كانت الأدوار الصغيرة قد لعبها ممثلون قدامي مثل : نعيمة الصغير ، عبد المنعم بسيوني ، عبد العزيز غنيم .
ويعمل فى مساعدة الإخراج اثنان ، أحدهما من التليفزيون هو رفعت قلدس ، وهو مصور عمل فى التصوير ثمانية أعوام ، ثم تحول إلى الإخراج . والثاني من السينما هو سعيد عبد الله الذى يوزع وقته توزيعا عادلا بين الإخراج ودراسة الفلسفة ، وبعد شهور سيناقش رسالته عن " نظرية الدراما عند هيجل " ، وربما جاء الوقت الذى يكون فيه أول مخرج فى العالم يحمل دكتوراه فى الفلسفة . وكان اللقاء الثالث فى " القصر العيني " .. وعبد الله غيث يفر من الحارسين ، ويبدو أنه ينتقم لنفسه هذه المرة ، فيضرب أحد الحارسين لكي يصيبه فى رأسه . ويترك الممثل الكاميرا لينتقل إلى بهو الاستقبال فى القصر .
وعندما تصل إليك هذه الكلمات ، يكون الممثلون قد التقطوا أنفاسهم . فقد انتهى التصوير ، ويبدأ عمل آخر لا يقل أهمية .. المونتاج ، لكي يتم الانتهاء من الفيلم للمشاركة فى " مهرجان كان السينمائي " ، و" مهرجان مدريد " لأفلام التليفزيون .
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...