في مجموعة «الشيطان يعظ» يقدم نجيب محفوظ نموذجاً لألعاب التمثيل والتنكر مع الاحتفاظ بفلسفة العبث. ففى القصة الأولى «الرجل الثاني»،
التي تحولت بعد ذلك إلى فیلم سینمائی استعار صانعوه عنوان المسرحية التي حملت اسم المجموعة ليكون عنوان الفيلم «الشيطان يعظ»، وكان العنوان مناسباً ودالاً لهذه الحكاية، حيث يهرب شطا الحجري إلى حارة أخرى، إلى فضاء مسرحى آخر، ليؤدي دوراً سوف يعصف به، بعد أن كلّفه الديناري الفتوة بأن يؤدي دوراً صعباً في مسرح الحياة. طلب منه التمثيل. تمثيل دور العاشق لخطيبة الديناري يغازلها فينقلب اللعب إلى واقع. حيث يهرب معها وتتوالى الكوارث في مجموعة من المشاهد، ويعود شطا في النهاية يجر أذيال الخيبة بعد فشله في الأداء التمثيلي الذي تحوّل إلى واقع. فلم يطرده الديناري أو يعيده للعصابة، بل تركه معلقاً في أعماق الحيرة، فلم يحاسبه على خروجه عن النص. وتحاول الزوجة خطيبة الديناري سابقاً وموضوع الامتحان، إقناعه بأن الديناري يلهو ويعبث، ولكن كيف يقتنع أن لهو وعيث رجل يدمر حياته؟ ولكن هذه هي الحقيقة الديناري كان يعبث ويلهو، فضاعت حياة شطا الحجري فثمة قوة كبرى تلهو بالإنسان.
وفي قصة أمشير» يهرب جندي الأعور بمجوهرات وزوجة صديقه الذهل، ثم يؤدى في هذا الهروب دور الرجل المحسن الطيب، شخصية أخرى مختلفة تماما عن شخصيته الأصلية اللص المجرم، لكنه يفشل في إتقان الدور، وحين يكتشف ابنه حقيقته يقتله.
وفي قصة الحب والقناع يدل العنوان بقوة على التمثيل يعيش لبيب مع فتحية في مسرح مغلق مسرح الحجرة في بيتهما. يتقمص لبيب دور شخصية أخرى، بل يؤدى دورا صعبا ومركبا. ويصرح محفوظ في هذه القصة بالتمثيل وفلسفة الأداء، ليس فقط من خلال العنوان الحب والقناع فالقناع من أساسيات المسرح منذ نشأته حيث تتردد في القصة كلمات عن التمثيل والإخراج والمسرح والكواليس وتدور الأحداث بين ملحد يحب ويتزوج من متدينة إلى حد التطرف، لدرجة أنها تعتبر الدولة كافرة، والرجل الملحد يؤدي في بيته دور المتدين يصوم ويصلى ويخفى حقيقته، فهو يعيش بمظهر نقيض جوهره وتدور بينهما حوارات عديدة يؤدي فيها الزوج دور المتدين، ويزعجه أنها تحب الممثل لا الرجل الحقيقي الممثل رجل نبيل مثقف لا عيب فيه إلا أنه مؤمن سلبي كغالبية المؤمنين هذه الأيام، لكنه ممثل شخص آخر، ولو عرفت الحقيقة لولت تقززا»، لدرجة أنه يشعر بأنه يغتصبها، أي الممثل.
ويصرح المؤلف في هذه القصة بفلسفة التمثيل، معلقاً على هذا الرجل: الممثل يتهادى اليوم على المسرحوحده، وأن الممثل سوف يتضخم ضاغطا بثقله المتصاعد فوق الشخص الحقيقي، لدرجة أن هذا الزوج يفكر في أن يتوارى كشخصية حقيقية ويترك الممثل الغريب يعاشر زوجته أمام عينيه. بل يتحدث عن تكامل أبعاد شخصية الممثل، وحين يناقش أصدقاءه في الأمر يقول له أحدهم: «من من الناس حولنا يحظى بشخصية واحدة؟ نحن في مسرح كبير الجميع ممثلون، يقولون كلاماً جذاباً فوق الخشبة ويتهامسون بكلام آخر وراء الكواليس». وفجأة ينتفض الممثل ويخلع ملابس الدور ويخبر لبيب زوجته فتحية بالسر فيتقوض المسرح ويتلاشى التمثيل، ويسترد شخصيته الحقيقية التي تتمتع بالصدق والتكامل النفسي وترغب في حياة بلا انفصام أو انقسام جسدها نجيب محفوظ من خلال حبكة جوهرها فن التمثيل.
وفي قصة «السلطان»، وبعد مؤامرة الزوجة مع القائد على السلطان، يتخلى عن السلطنة والتاج، ويتخلى عن شروط الملك، ويعيش في المقابر شخصا آخر زاهدا. وتتعدد أساليب التمثيل في هذه المجموعة ففي قصة «الربيع المقبل» تمارس العائلة كلها التمثيل، حيث تتخلى الأم عن دورها وتعيش دوراً آخر، وتمارس الخادمة عنايات الجنس سرا مع الأولاد في المساء، ودور الخادمة في العلن صباحاً، والجميع يؤدون دور الشرفاء في الظاهرا وتنتهى الحكاية بهروب أحد الأبناء «محمود» مع الخادمة، يتزوجها ويتخلى عن دوره في حياة العائلة والطبقة الوسطى ويواجه الحياة بقناع آخر.
أما «قراءة في ضوء البرق فيتناول فيها التمثيل من زاوية مختلفة فثمة دور لكل شخص لا يمكن أن يتجاوزه، حيث تدور الأحداث حول اغتيال السياسي الفاسد السفاح عصمت البطراوى من خلال حبكة ملتبسة، حيث تقرر الحكومة اتهام أحد الأبرياء على فؤاد في حين أنها تطلق سراح القاتل. وحين يصمم الضابط المحقق، الذي يقوم بدور الراوي على كشف الحقيقة ومواجهة القاتل الذي يعترف يتم تحويل القاتل إلى مصحة للأمراض العقلية، ويعلم الضابط بحتمية هلاكه فيستقيل ويهرب، لأنه كشف الحقيقة وتجاوز الدور المخصص له من قبل السلطة الفاسدة.
وفي قصة «أيوب» التي تحولت إلى فيلم سينمائي من بطولة عمر الشريف وفؤاد المهندس ومديحة يسرى، يبدأ الحدث بالضربة ألعابثة التي أصابت أيوب فرقد في الفراش تاركا ملايينه يديرها ابنه وبعد أن كان محوراً للكون أصبح مجرد مريض حبيس البيت، وفجأة يظهر في حياته صديقه القديم الطبيب أبو السعود الذي يزوره بانتظام، وهنا يبدأ التمثيل.
يتم رفع الستار كل مساء عن الماضي حال وصول الصديق الطبيب بحضور العائلة الجمهور، وإن كانوا سيقاطعون الفرجة بعد أيام لعدم فهم ما يحدث على خشبة مسرح الماضي بين المليونير العاجز والطبيب السياسي، في محاورة عميقة حول الحرية والإرادة أشبه بمحاورات الفلاسفة الإغريق بين نقيضين أيوب الذي سقط في هوة الفساد الذي جاء مع الانفتاحالاقتصادي، وصديقه الطبيب الذي ظل صامداً. هذا الحوار اليومى كان بمثابة التطهير لأيوب الذي حكى كل تاريخه الفاسد لیری حلما عنيفا ويشفى تماما التطهر وفقا لأرسطو بمعنى الانفعال الذي يحرر المشاعر من المشاعر الضارة. فحين تحاور مع صديقه القديم، مع الماضى، وبدأ في كتابة مذكراته واعترافاته، شاهد أفعاله المأساوية لدرجة أنه تعاطف معها كما يتعاطف المشاهدون مع المأساة.
وهكذا، في هذه المجموعة تلهو الشخصيات وتعبت على مسرح القصة، حيث استفاد مؤلفها من كل عناصر المسرح، وخاصة التمثيل، وتبادر إلى ذهني وأنا أقرأ هذه القصص السؤال الذي هاجمني وأنا أقرأ «الحواريات» ولكن معكوسا: مغزاه لماذا لم يسم نجیب محفوظ هذه القصص (ق.م)؟ وخاصة أنها في
بنائها العميق تعتمد على مفردات المسرح، وخاصة الأداء التمثيلى والحوار الدرامي، وإن كان يغلب عليها طابع السرد في بنائها السطحي بل إن تحويلها إلى الشكل المسرحى في صيغة حوار لن يحتاج جهداً كبيرا.
والسؤال معكوساً حول الحواريات، وظني أن نجيب محفوظ كان يجزب كعادته، وكان محور هذه التجربة المسرح، الذي استفاد من كل مفرداته في أعماله بشكل عام، وخاصة في هذه المجموعات الثلاث الجريمة خمارة القط الأسود الشيطان يعظ، التي لا تشى برغبته في كتابة المسرح بشكله التقليدي، ولكن بالاستفادة من عناصر الدراما المسرحية في نصوصه السردية فكانت الحواريات التي جاءت في شكل مسرحی مباشر أضعف حلقات المسرح عند نجيب محفوظ حيث كانت من أجل الجدل والمناقشة والصراع الفكرى، فلم تنجح مسرحيا لأنها بلا مرجعية في الواقع، ولن يتفاعل معها المشاهد. أما الدراما وعناصر المسرح فقد وضعها محفوظ في الروايات والقصص القصيرة، سواء في هذه المجموعات، وكما ذكرت قصة «أهلا» في مجموعة «الجريمة» نموذجا فهي ليست مسرحية قصيرة رغم أنها ديالوج بين السياسي وماسح الأحذية فقط في فضاء المقهى حيث يدور الحوار الممتع، وفيه مقومات الحوار الدرامي أقوى من الحواريات، فهذه القصة مشهد مسرحي متكامل حافل بالمفردات البصرية.
الرواية المسرحية
بعد عامين من المجموعات الثلاث توج محفوظ حواره مع المسرح برواية مسرحية هي «أفراح القبة» (1981)، وهي رواية أصوات أبطالها فرقة مسرحقطاع خاص يملكها سرحان بك الهلالي والرواية بعيداً عن التكنيك درس في المسرح، ورؤية نقدية عميقة لما يجب أن يكون عليه هذا الفن. يحكى الأحداث الأب والابن والأم وممثل من الدرجة الثانية الأب ملقن وقؤاد، والأم قاطعة تذاكر وعاهرة، والابن مشروع مؤلف بعد أول نجاح حققه في المسرح. فهو شاب مثالي رغم نشأته في بيئة فاسدة. كتب العديد من النصوص سخر منها مدير الفرقة، ولكن حين كتب حياة الفرقة وفضائح العائلة طار مدير الفرقة فرحاً ونجح العرض حين حشد الواقع على خشبة المسرحدون زيف أو تجميل، وحين قام بتعرية الجميع حتى الأم والأب بل وقام أعضاء الفرقة بتمثيل أدوارهم في الحياة على خشبة المسرح في تجربة نادرة بين المرح والرواية.
ليس فقط لأن الحبكة قوامها النص المسرحي الذي كتبه عباس كرم يونس ابن الملقن وقاطعة التذاكر بل لأن الحوار الدرامي هو الأساس للبنية الحقيقة لهذه الرواية التي تبدأ بصوت أو رؤية الممثل المغمور طارق رمضان للأحداث، وهو عدو مؤلف النص المرحى من خلال استهلال حركي يصف المكان فضاء الحدث، حيث تدور المناقشة حول النص الذي كتبه عباس مع أعضاء الفرقة، هذه المسرحية التي فضحت الجميع حين كتب المؤلف المسكوت عنه في حياة أعضاء الفرقة، وانطلق من البيت بيت كرم يونس وزوجته حليمة الكبش الذي ولد ونشأ فيه المؤلف وكان مسرحاً لكل الأحداث السرية في حياة الفرقة، والذي حوله صاحبه إلى ماخور المدير الفرقة وصاحبها ارتكبت فيه كل الموبقات، حتى زوجته منحها لمن يدفع وجين كيست الشرطة البيت برأت الجميع وحبست کرم وزوجته ليكتب عباس هذه الحقيقة العارية التي عاشها وشاهدها وعانى منها.
الحقيقة التي أثارت جدلاً عنيفا بين أعضاء الفرقة، بل و عصفت بحياتهم بمن فيهم الأب والأم بعد خروجهما من السجن حيث كان كل شيء حقيقيا أكثر من الحقيقة ليتداخل الواقع والمسرح في أفراحالقبة، في بناء الرواية، حيث السرد ممثلاً في حكى الشخصيات مع الحوار المسرحي لنص عباس عن تاريخ البيت الذي يصفه المؤلف وكيف قرر أن يكتبه
تسللت إلى الدور الأعلى في الظلام قد تحلقوا المائدة ودار الورق، إنه القمار كما رأيته في المسرح. ماسى الصرح تنتقل إلى بيتنا بأبطالها أو ضحاياها. هؤلاء الناس يتصارعون فوق الخشبة، أما هنا فيقفون. صفا واحدا في جانب الشر إنهم ممثلون حتى الناقد ممثل أيضا لا شيء حقيقي إلا الكذب إذا جاء الطوفان فلن يستحق السفينة إلا أمي وأنا إن يكن للنية قيمة إذن لا عمل لنا حتى أمي تعد الطعام والشراب.
رای عباس كل هذا فأضمر حرباً لا هوادة فيها على كل ألوان العبودية التي يتعرض لها الناس، وكان يسأل نفسه هل يكفى المسرح ميداناً لهذه الحرب؟ ويجيب عباس في منولوج داخلی کتبه نجيب محفوظ ببراعة فائقة كيف انبثقت الفكرة بعد موت تحية زوجة عباس وطفلهما أيضاً ليكن الناس هم الناس، ولكن الجوهر سيكون الحلم لا الواقع أيهما الأقوى ؟.. وكان عباس على قناعة بأن الحلم هو الأقوى، فإذا كان الواقع أن الشرطة كبست البيت والمرض قتل تحية وابنها، لكن لمة قاتلا آخر هو الحلم فهذه رؤية مؤلف النصر البطل الحقيقي للمسرحية هو الحلم الحلم الذي توفرت فيه الشروط الدرامية. وكان عباس يقصد أنه لا يكتب الواقع السطحي بل الحلم الجوهري وكان ينشد من الكتابة الخلاص كل شيء يهون في سبيل الفن في سبيل التطهير»، الخلاص بالمسرح.
وللحديث بقية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شهد بدء تصوير مسلسل "حق ضايع" أجواء احتفالية مميزة، مع عودة قطاع الإنتاج بالتليفزيون المصري إلى ساحة الدراما بعد غياب...
عاصر نجيب محفوظ منذ طفولته فى العقد الثانى من القرن العشرين أزهى عصور المسرح المصرى التى امتدت حتى الستينات،
فى فيلم قاع المدينة كانت « نيللى» تحب القاضى عبد الله، لكن القاضى كان يحب ذاته أكثر من الفتاة الجميلة...
ثورة 1936 كما لم تُروَ من قبل