فى هذه العروض.. ماذا تبقى من المسرح على خشبة المسرح؟

فى هذه الدورة من مهرجان «دى كاف» مجموعة من العروض المسرحية التى تخلت بشكل ملحوظ عن الشكل التقليدى للعرض،

 ولا أقصد الدراما الأرسطية ولكن التخلى عن ملابس المسرح التى يعرفها الجمهور حتى فى العروض التجريبية أو عروض المسرح الراقص، حيث لعبت مفردات التكنولوجيا دور البطولة، وشكّلت البنية العميقة لهذه العروض، والتى قبل أن تشاهدها ستلاحظ بقوة أنها تخلت عن المسرح، وخلعت ملابسها الرسمية، تخلت عن الدراما.! ودون شك لا بد أن نتوقف أمام ما جاء فى بطاقة العرض الخاصة بكل مسرحية، البطاقة التى خلت من المؤلف والمخرج فى أحيان كثيرة، وركزت بشكل لافت للنظر على التقنيات الفنية، مثل تصميم الصوت، مهندس الصوت، فكرة وأداء وفيديو، إشراف فنى بدلاً من الإخراج، تصميم المشاهد، تكنولوجيا وتصوير، صور وفيديو، وهكذا، هذا ما توقفت أمامه كثيراً فى مهرجان «دى كاف» فى دورته الثانية عشرة، مجموعة من العروض التى تنحاز إلى الصورة بكل مفرداتها، عروض تبدو صادمة للمتلقى وخاصة من الجيل الذى شاهد المسرح الدرامى فى صوره المتعددة وعايشه سنوات طويلة، وفى هذه القراءة سوف أتناول مجموعة من العرض التى تجسد هذا الاتجاه.

  تذوقنى

العنوان مثير وصادم.. عرض مسرحى يحمل اسم «تذوقنى» وحين تدخل إلى فضاء الحكاية فى مسرح روابط، إلى اليمين وقبل أن تدخل العرض توجد مائدة وعليها خبز وزيت وتوابل، وثمة فتاة تقف إلى جوار الباب وتشير إلى الطعام، أتذوق قطعة خبز مع الزيت والتوابل، وأجلس فى مواجهة طاولة كبيرة إلى يسار المسرح هى مطبخ واقعى بكل مفرداته، وسوف يقوم اثنان من الراقصين بدور الطهاة، بعد أن تنفتح خزانة الذكريات، يمزجان بين الرقص والطهى والذكريات، من خلال التفاعل مع الصالة، يقدمان بشكل مباشر دعوة لتذوق الطعام والمشاعر معاً، يرددان أمام الجمهور أنواع الطعام.. الحلو والمالح والحامض والمر، ويدعوان الجمهور للرقص وتذوق الطعام وعرض شريط الذكريات، الراقصان يبدآن بالرقص والطهى، ويبدآن بتذكر الطعام الساحلى فى بورسعيد، الإسكندرية، دمياط، يغنيان السمسمية ويرقصان، يطهو كل منهما السمك، يدعوان الجمهور للمشاركة وسعيد الحظ من يجد سمكة مرسومة على مقعده، فسوف يتناول وجبة السمك التى تم طهيها الآن فى فضاء الحكاية، وسيذهب إلى فضاء الحكاية/ المطعم، ويحصل على طبق سمك.

بالطبع سيشارك الجمهور فى التذوق والذكريات والحركة، وسوف تتوالى اللوحات التى تمزج بين الرقص والطبخ ومحاولة التذكر. محاولة لتحفيز الجمهور لاستعادة الذكريات من خلال الرقص والتذوق وهو الدور الأساسى للمسرح التفاعلى حيث يمتلئ المسرح برائحة السمك الذى تم طهيه فى فضاء الحكاية، فثمة خروج من المسرح بوظيفته التقليدية إلى أغراض سياسية، واجتماعية، لا يطرح أسئلة أو قضايا كبرى، بل يتورط المتفرج فى اللعبة ويكسر القواعد حين يتلاشى الحد الفاصل بين حيز اللعب وحيز الجمهور، يتجول الراقصان بين المقاعد لدعوة الجمهور لتذوق الطعام الذى تم طبخه فى حضورهم، ويذهب الجمهور إلى حيز اللعب للتذوق والمشاركة، ، والسؤال: ماذا يحدث للجمهور، وأى جماليات يطرحها هذا النوع من العروض المسرحية التى هى أقرب إلى وقت ممتع لشريحة من المجتمع لقضاء وقت بين التذكر والتذوق والتعبير الحركى؟ هل هى دعوة لتذكر حياتنا من خلال الطعام...؟ ربما.. خرجت من العرض وأنا أفكر ليس فقط فيما شاهدت لكن فى مستقبل المسرح، وبمعنى أدق كيف سيلبى المسرح احتياجات هذا الجمهور فى اللحظة الراهنة؟

 حاجة مفيش زيها

وإلى عنوان آخر مثير وفكرة غريبة مغزاها أن تذهب إلى المقهى لتجد من ينتظرك سوف يسألك، يحكى معك، يدعوك لتناول مشروب، تجلسان فى مساحة حميمية على طاولة وكرسيين.. من المفترض أن تحجز موعد حضورك أو قُل مشاركتك فى هذا العرض لمدة ساعة، فعلت هذا وطلبت الحضور، فالتجربة مثيرة، وذهبت إلى ممر سينما راديو حيث جلست فى مقهى مكتبة ديوان، ظننت فى البداية أن العرض سيكون داخل المكتبة أو ربما له علاقة بالكتب بجمهور القراء، ظننت أن هناك ممثلاً أو ممثلة سوف يؤدى دوراً غير تقليدى! ولكن فوجئت أننى أنا الممثل أو المؤدى مع فتاة تحمل مجموعة من الأسئلة تحت مسمى «المنيو» تبدأ بالمقبلات، والطبق الرئيسى ثم الحلو، وبالطبع ليست أنواع طعام هى أسئلة، فى البداية وأنا ما زلت فى دهشتى سألت الفتاة عن الفكرة، وأخبرتنى أن سيدة بريطانية هى من تديرها وترعاها، والفكرة ولدت فى أزمة كورونا وبدأت تجمع بين الناس فى لقاءات حميمية، لقاء مفتوح لأول مرة ربما لا يتكرر مرة ثانية...!

سألت الفتاة ما علاقة هذه الفعالية بمهرجان مسرحى؟

الإجابة صعبة، غير واضحة، اللقاء بين البشر، الحوار بين شخصين.

ربما يكون فى سياق الظاهرة الاجتماعية، شخصان يلتقيان، يتعارفان، يدور بينهما حوار حول المواقف الصعبة، حول القرارات المؤثرة والمهمة، هل كلامك مسموع أم لم يستمع إليك أحد؟ هنا يدور فى ذهنى شريط سينمائى، هل أنا مؤثر؟ دون شك الكاتب أو من يعمل بالكتابة وخاصة الصحافة فى أحيان كثيرة، كلامه مؤثر، ولكن السؤال يقصد الشخص العادى فى محيط أسرته ومعارفه، هل كلامه مؤثر، سألتها بدورى: هل كلامك مسموع، هنا أشرق وجهها وقالت نعم أنا لى تأثير فى أسرتى!

ساعة من الكلام مع القهوة على طاولة مع شخص لا تعرفه تلتقيه لأول مرة، تحكى معه فى تفاصيل حياتية ليس شرطاً أن تكون خاصة، ربما تكتشف شيئاً فى شخصيتك، ربما تكتشف شيئاً فى شخصية من يحاورك والذى تلتقيه لأول مرة، وربما لآخر مرة، الأسئلة تقريباً عامة ولكن ترى من خلالها محاورك.. نعم تكلم حتى أراك، كلانا يتكلم، فى مشهد فى الشارع، ونحن نشاهد المارة، ربما يظن البعض أننا صديقان أو أبعد من الصداقة، تنتهى الساعة وتستقبل الفتاة شخصية أخرى. وأغادر أنا بعد أن ينتهى اللقاء الحميمى، المثير، وبعد أن تتلاشى الدهشة فى زحام الشارع، يظهر الناقد ويحتل ملابسى ويسألنى، ماذا فعلت.. هل هذا مشهد مسرحى فى الشارع، هل هو المسرح الحميمى، أم مسرح القهوة، أم ماذا؟ أحاول أن أتخلص من الناقد الذى بداخلى، أهرب منه فى زحام الشارع وأنا أقول، كان لقاء طيباً، ثرثرة طرحت أسئلة شخصية، جعلتنى أفكر على الأقل هل أنا مؤثر أم لا؟ ليس مهماً أن يكون اللقاء مسرحياً، كان إنسانياً.

 بندور على الحب

وهذا عرض يعتمد على الشعر والموسيقى، وهذه مفردات كلاسيكية إذا قورنت بما سبق، فعلى مدى ساعة تقريباً تؤدى ناندا محمد مجموعة من النصوص الشعرية عن الحب يصاحبها عزف محمد سامى على آلة الكمان، فى بطاقة العرض يذكر صانعوه شيئاً عن تلاشى وهج الحب لاثنين يجدان نفسيهما فى مفترق الطريق فيقرران اكتشاف الحب، والإبحار فى رحلة حسية لاكتشاف معانيه عبر الصوت البشرى والموسيقى وتؤكد بطاقة العرض على أن الثنائى يستمد قوته فى البحث عن الحب من المسرح والموسيقى والأصوات، يبدأ العرض فى إضاءة خافتة وناندا تتقدم ببطء تتلو الأشعار بينما يعزف محمد سامى موسيقاه، ليتداخل الشعر مع الموسيقى تحاول ناندا أن تعبر من خلال التعبير الحركى عن حالة الحب أو قُل استرجاعه من خلال الكلمات والأداء بينما تقوم الموسيقى بدورها التقليدى فى المسرح الموسيقى حين يتورط المتفرج ضمن حالة موسيقية معينة تستثير أحاسيسه من خلال تحقيق التداخل بين النص والصورة والموسيقى، وفى هذه الحالة تكون الموسيقى نقطة انطلاق العرض فهى تحمل بعداً درامياً، وما حدث فى عرض «بندور على الحب» أن الموسيقى لعبت دوراً أساسياً فى رواية الحدث، بالإضافة إلى أنها شكّلت الديكور السمعى الذى منح المشاهد إيقاع الحدث وأكد على درامية الزمن، حالة فقدان الحب ومحاولة البحث عنه عبرت عنها الموسيقى، النصوص الشعرية كانت بعيدة عن المشاهد لم تتحول إلى حالة مسرحية، الأداء وحده لم يكن كافياً، وبدت الموسيقى وحدها بعيدة عن الشعر، ثمة شىء مفقود بينهما، الشعراء والأداء فى ناحية والموسيقى التى تنساب من آلة الكمان فى ناحية أخرى، اعتقدت ناندا أن الشعر وحده ككلمات دون دراما يكفى من خلال مصاحبة الموسيقى وتلك هى المشكلة... وهى حالة أخرى لتجريد المسرح من ملابسه، من الدراما! الشعر والموسيقى من المفترض ووفقاً لبطاقة العرض يقدم شخصيتين، وهناك حدث رئيسى وهو محاولة استعادة الحب. الشخصيات بدت باهتة، بلا ملامح، والحدث لم يتحقق، لأننا شاهدنا مجرد سرد، رغم متعة الموسيقى.. «وللحديث بقية».

 

 

 

 

 

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

فى مهرجان وسط البلد.. أنا المسرح والجمهور!

المزيد من فن

لماذا كلفت إدارة التجريبى الجريتلى بإخراج عرض الافتتاح ثم تراجعت؟

الفرق المستقلة بين الماضى والحاضر (2)

فؤاد المهندس.. فنان مسرحى من عائلة وهبَت نفسها للثقافة العربية

الفنان فؤاد المهندس من مواليد 6 سبتمبر 1924 فى حي العباسية، فى بيت عائلة العالم اللغوى والتربوى زكى محمد المهندس..

الأسد الذهبى ل «كلونى » و «بورستين».. وفلسطين فى مقدمة الأفلام العربية

تواصل الدورة الـ 83 من مهرجان فينيسيا السينمائى الدولي فرض حضورها باعتبارها واحدة من أهم محطات موسم الجوائز السينمائى فى...

«سيد درويش».. أسطورة عابرة للزمن

جاء من وسط الطبقات الكادحة، وسخر الموسيقى للتعبير عن معاناتها؛ حتى صار صوتها في كل شيء من متاعب الحياة إلى...


مقالات

قصة القزم الراقص
  • الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026 01:00 م
أوروبا تستعد لعالم الصدمات
  • الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026 10:00 ص
من القاهرة إلى القاهرة
  • الإثنين، 21 سبتمبر 2026 05:19 م
آداب طالب العلم
  • الإثنين، 21 سبتمبر 2026 12:00 م