عودة عصر الألبومات.. وضربة البدايــة لسعـد وعاشـور

أولى ظواهر الغناء فى العام الجديد

مضى سريعا شهر كامل من عمر العام الجديد.. وأهل الموسيقى يسمونه "تابع رأس السنة"، الموسم الأشهر فى عالم "صناعة الغناء"..

مضى شهر كامل دون جديد يذكر، سوى فى عودة "عصر الألبومات"، بعدما ساد فى السنوات الأخيرة منطق الأغنية "السنجل".. لتبدأ منافسة جديدة بين الألبومات و"السناجل"، باعتبارها الوسيط الأقرب لصناعة اعتمدت على الكاسيت لمدة نصف قرن، قبل أن تحدث تلك الطفرة المهولة فى عالم "التكنولوجيا" والاتصال، لينتقل الجمهور من "كنبة الصالة" ومدرج القاعة إلى شاشات الموبايل.. ويصبح كل شىء مربوطا بعدد المشاهدات على مواقع التواصل.

النجاح فى الوصول إلى أكبر عدد من المستهلكين هو الغاية عند أى صانع "موسيقى".. وبدلا من "كرتونة الشرايط".. و"الطرحة" الأولى، و"الفرشة" الثانية.. أصبح المقياس هو عدد مرات المشاهدة فى تطبيقات يقصدها فى الغالب ذوو الأعمار المتوسطة.. وإن كان تحديد صفة المستخدمين والمستهلكين صعبا لعدم وجود جهات قياس محايدة.

بدأ العام سريعا.. وقاد أحمد سعد وتامر عاشور فريق المغامرين الذين قرروا خوض تجربة العودة إلى نظام الألبوم الكامل.. كلاهما استند إلى نجاحات سابقة فى العام الماضى.. أدت إلى وجودهما على قمة المشاهدات من ناحية، وإلى اقتناص الحفلات الكبرى وجمهورها من ناحية أخرى.. وفى الطريق يستعد محمد منير للعودة بألبوم كامل أيضا.. ومثله يفعل محمد الشرنوبى الغائب منذ سنوات بسبب دخوله فى منازعات قضائية مع منتجته وخطيبته السابقة سارة الطباخ.

وفى الاستوديوهات أيضا، تسابق أسرة الملحن الراحل محمد رحيم الزمن لتحظى بوقت مناسب لطرح ألبومين أحدهما كان رحيم قد انتهى منه تقريبا ليصدر بصوته.. والثانى بصوت ابنته "ماس" التى جرى تقديمها بمشاركة النجم تامر حسنى فى حفل كبير بدار الأوبرا المصرية أقيم تكريما لرحيم الراحل.

 جنون أحمد سعد وتقليعاته

اسمه أحمد على سعد قناوى، مولود فى حى شعبى بالقاهرة.. بدايته مثل كثيرين كانت فى الأفراح.. ثم عرف الطريق إلى الاستوديوهات كمطرب كورال يشارك فى تسجيل بعض الأغنيات لعدد من المطربين، وأحدهم كان الملحن عصام كاريكا الذى قرر الغناء.. وكانت أغنية عبدالرحيم القناوى من كلمات حسنى رياض.. وجاء سعد ليغنى فى الكورال دون ترتيب مسبق إلا أن كاريكا شعر بأنه من الأفضل أن يشاركه سعد الغناء.. وهو ما حدث.. لتنجح الأغنية وقتها نجاحا كبيرا أشار إلى الإمكانات الهائلة التى يتمتع بها صوت "سعد" الذى منحته الظروف وقتها فرصة أسبق من رفيقيه فى الرحلة لؤى ومحمد حماقى ليقدم ألبومه الأول "أشكى لمين"، وقد لحن أغنيته الرئيسية التى صورها بطريقة الفيديو كليب.. لكن الألبوم لم يحقق النجاح المرجو الذى يكشف عن "تلك الموهبة الجبارة" .. لكنه استطاع أن يحصل على فرصة أخرى بالتعاقد على ثلاثة ألبومات دفعة واحدة مع منتج خليجى.

لم يستغل سعد الفرصة وراح يتخبط.. ليختفى قليلا فيما يصعد زملاؤه.. نجاح مبهر لـ"لؤى" فى البداية، ثم صعود سريع لمحمد حماقى الذى حل بديلا لعمرو دياب فى شركة صوت الدلتا. لكن سعد وبعد مرحلة من الشتات عاد عبر بوابة الدراما.. من خلال المسلسلات والسينما وبالتحديد بألحانه، وأغنيات أفلام شقيقه الأكبر عمرو سعد وأفلام المخرج خالد يوسف.

صوت سعد وإمكاناته الهائلة سمحت له بألوان متعددة من الغناء أعطته مميزات نسبية أكبر عن رفقاء الرحلة.. ومنحته فرصة التعارف مع أجيال مختلفة من الملحنين وفى مقدمتهم عمار الشريعى الذى منحه فرصة تقديم "المسحراتى".. ومحمد رحيم الذى قدمه مغنيا لأول مسلسل صعيدى من كلمات الأبنودى "مملكة الجبل".. لينطلق بعدها من ألحانه وكلمات عمر طاهر فى "يونس ولد فضة" و"شارع عبدالعزيز" من كلمات جمال بخيت.

قبلها وفى عام 2011 غنى أحمد سعد ألحان الشيخ إمام بعد إعادة توزيعها وتقديمها مجددا عقب أحداث الخامس والعشرين من يناير.. ليرتدى الكوفية الفلسطينية ويقدم نفسه صوتا بديلا للحجار ومنير.. لكنه سرعان ما عاد يتخبط فى تجارب حياتية أبعدته فترة كبيرة حتى بداية عام 2021.. والذى قدم من خلاله تنويعات مختلفة من أشكال الغناء بعد أن نجحت أغنيته الشعبية "بحبك يا صاحبى" فى أن تحجز له مساحة مع مطربى ذلك العام الذى يعرفه سعد جيدا.. لكنه كان ذكيا فى تحولاته فى عام 2021 عندما قرر تقديم شكل رومانسى بأغنيته "عليكى عيون".. ثم عاد للشعبى بـ"وسع وسع".. ثم فى "جعفر العمدة" بأغنية درامية.. وما بين السينما والأغنيات السنجل التى تجاوزت الثلاثين أغنية راح يجرب أشكالا كثيرة جعلته فى المقدمة.

ذلك النجاح جعل سعد يجازف ويقرر أن يعود ليقدم الفن الذى كان يحلم به فى بداياته.. حاول أن يفعل ذلك بعد أن تقبله الجمهور فى مساحات مختلفة وأنواع غير متجانسة من أشكال الموسيقى.

ذلك القرار عبر عنه سعد بتريلر إعلانى قبل طرح ألبومه الجديد "جينا" بيوم واحد، حكى فيه ما تعرض له من تحولات، وكشف عن عجز عن تقديم ما يراه فنا خالصا فى وقت سابق.. وعن حيرة بسبب تعدد أذواق الجمهور واختلافاتها.

وقد كان.. وقدم سعد أشكالا مبهرة موسيقيا بالفعل فى ألبومه الجديد.. لكنه للأسف وقع فى فخ الكلمات المزيفة المفتعلة.. هو صاحب تجربة حقيقية.. لكن صناع تجربته ليسوا كذلك.

أغلبهم يعمل بمنطق "رص الكلمات".. وافتكاس مفردات يظنون أنها مختلفة بعيدا عن أى جماليات لها علاقة بالشعر.. تستثنى من ذلك أغنية وحيدة كتبها نادر عبدالله اسمها "بسيط".

أغنية "بسيط" التى قدمها سعد من ألحان أحمد إبراهيم تتحدث عن شاب مصرى يعيش هذه الأيام بلغة جديدة راقية وظفها بذكاء شديد نادر عبدالله، وكان من المناسب أن يختار لها أحمد إبراهيم مقاما غربيا هادئا ومنطقة رائعة فى صوت سعد ما بين القرار والجواب.. حسب نقلات إبراهيم المناسبة تماما لكلمات نادر وقصته..

"مش مليونير ولا عندى نية

دفتر شيكات

ولا بيت كبير مليان تحف

على أنتيكات

ولا تابلوهات.. متعلقين فوق

الحيطان"..

نادر.. استطاع أن يمرر جمل شاعرة تدل عليه مثل..

"أنا حد من شيل الهموم

بيبان عجوز

ولا ليه معارف أو فى يوم

كان ليه نفوذ

فانا لو خسرتك عادى

ما انا باخسر كتير

وإن فزت بيكى هتبقى

أول مرة أفوز"..

معالجة عصرية رائعة.. لعجز جيل جديد عن تكوين بيت والفوز بـ"حبيبة" فى مناخ اقتصادى محبط وقاتل.. عبر عنه نادر ببساطة وشاعرية فى آن واحد.. لكن.. لن يصدق أحدنا أن هذه الكلمات "تليق" على أحمد سعد حاليا.. كإنسان صدر للمشاهدين صورا مزعجة عن مطرب يحبونه لكنهم يكرهون تقاليعه.. كيف يصدق شاب مأزوم لا يستطيع شراء دبلتين مطربا ظهر وهو يرتدى حلقا بـ400 ألف دولار؟.. كيف يعتبره "صورته من الأساس" وهو يرتدى بالطو نسائيا فروا؟.. تلك التقليعات أفسدت جهد سعد.. وإذا كان قد استطاع أن يعيد عقله إلى مساره الصحيح فى انتقاء أغنياته وألحانها وموسيقاها فهو لا يزال بعيدا عن توظيف صورته كمطرب مصرى يعبر عن جيل جديد من الشباب فى مصر.

 تامر عاشور..  سفير الأحزان

بذكاء شديد استطاع تامر عاشور أن يحتل مساحة كان يحتلها ثلاثة من المطربين.. عمرو دياب وتامر حسنى ومحمد محيى.. كل واحد من هؤلاء له شكل.. لكن عاشور استطاع أن يجمع ما يقدمه الثلاثى.. أغنيات حزينة موجعة مثل تلك التى يقدمها محمد محيى – الغائب - لكن بألحان أقرب للشرقية.. واهتمام بالجديد فى عالم "التوزيع الموسيقى" والموضات التكنولوجية.

تامر ملحن موهوب بلا شك.. وتجاربه مع مطربات ومطربين آخرين آخرهم أنغام تؤكد ذلك.. لكنه ليس مطربا فذا.. وذكاؤه فى أنه يعرف مساحات صوته جيدا وما يليق عليها.. لكن اهتمامه الشديد بأحدث تقاليع الموسيقى فى السوشيال أبعده عن تقديم أى روح مصرية فى موسيقاه.. نادرا ما يقدم تامر جملة "شرقية" أو يتورط فى غناء مقامات شرقية.. موسيقى تامر أقرب إلى جيل جديد يسعى إلى كل ما هو غربى.. "متفرنج" للدلالة على تميز طبقى، من أول موقع السكن، مرورا بنوع التعليم وغلو أسعار مصاريف المدارس الدولية، إلى الأزياء.. وبالطبع ما يسمع أو يدعى أنه يسمع من موسيقى.

تامر عاشور هو ممثل الطبقة الجديدة فى عالم الغناء.. ويحتاج ألبومه الجديد لدراسة وافية تحليلية.. لكننى فقط أشير إلى لحن قدمه إسلام رفقى حاول فيه استخدام إيقاع "المربع ناقص ضلع" باعتباره شكلا نادرا ما يتم استخدامه وإن كان سبقه بليغ حمدى فى ذلك.. الألبوم به تجارب موسيقية مبهرة.. لكنه أيضا وقع فى فخ "الكلمات المزيفة".

 رحيم وابنته وميلاد جديد

منذ سنوات طويلة كان الملحن الراحل محمد رحيم يسعى لتقديم نفسه كمطرب فى ألبوم كامل كان قد غنى بالفعل بعض أغنياته فى مقدمات الأعمال الدرامية وبعض أفلام السينما.. وقبل وفاته أطلق عددا من أغنيات الألبوم سنجل.

بعد وفاته، قررت أسرته استكمال مشروع ألبومه لتقديمه فى أقرب وقت ممكن خاصة أن رحيم كان قد انتهى من تسجيله بالفعل..

فى الوقت نفسه، كان قد انتهى من تسجيل ست أغنيات بصوت ابنته ماس التى غنت إحداها فى حفل تكريمه بعد وفاته بصحبة تامر حسنى الذى شاركها الغناء فى كلمات محمود صلاح "يروح البحر".. وهى أغنية مدهشة "من مجاميعه".. وزادها صوت ماس جمالا ليشير إلى مطربة قادمة بقوة شرط أن تحسب خطواتها جيدا وتختار ما يناسبها دون تدخلات تبعدها عن الشكل الذى اختاره لها الملحن الذى فقدناه.

فى السياق ذاته.. أوشك محمد منير تقريبا على الانتهاء من أغنيات ألبومه الجديد "أنا الذى"، ويحمل توقيع عصام كاريكا ورحيم وعزيز الشافعى، وكلمات منة القيعى وخالد أمين وكوثر مصطفى ومصطفى حدوتة.. حالة منير الصحية وحدها تقرر موعد إطلاق الألبوم الجديد.. والذى نتوقع أن يصدر فى عبد الحب.. وهو الموعد نفسه الذى اختاره محمد الشرنوبى للعودة بألبوم كامل يجهز له منذ فترة ليست قصيرة.

Katen Doe

محمد العسيري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

روبي
«هيصة» أغانى الشعب فى مسلسلات رمضان

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص