لولا وجود اسم سيد درويش مؤلفا وملحنا فى إحدى أغانى مسلسلات رمضان هذا العام لظننت أن ما نسمعه يوميا منذ بداية الشهر الكريم موسيقى وأغنيات من زمن آخر، وبلاد أخرى غير مصر التى تتحدث عنها هذه المسلسلات.. عفوا تلك "الهيصة" التى نسميها تجاوزا بالمسلسلات.
كما هو متوقع.. راهن صناع تلك الأعمال على "أبطال" يحسبونهم على الشعب.. وبيوت الشعب وحواريه.. وفى مفارقة صارخة ذهبت أغانى "الكومباوند" لتخطاب سكان "الكومباوند" عبر الإعلانات، فلم يستقر أحدها ولو لمدة أسبوع واحد فقط، فيما هجم "الشعبيون" حيث يخلط صناع هذه المسلسلات بين "غناء الكباريه" وبين "غناء الشعب".
الجميع دفعة واحدة جاءوا إلى مسلسلات هذا العام، باستثناء "سعد الصغير" لأسباب ليست بيده، حيث كان محبوسا خلف قضبان السجن بتهمة "جلب وتعاطٍ".
كل نجوم "الغناء الشعبى" وبعضهم يجيد الغناء فعلا ويملك معرفة طيبة بأصوله، مثل أحمد سعد ورضا البحراوى.. جميعهم بلا استثناء سقطوا فى "مستنقع" الدراما المصنوعة والمزيفة عن الشعب..
خمسة مسلسلات دفعة واحدة.. قررت استنساخ دراما محمد رمضان الذى غاب هذا العام وراح يفتش عن "بطولة مختلفة" فى برنامج يظن أنه "يساعد الغلابة"، ليتحول كما أراد إلى "بابا نويل" الغلابة، الذى يحقق الأحلام.. وقد وقع هو الآخر فى فخ "فهم الشعب وأحلامه" بعد أن حصرها فى "الفلوس".
خمسة مسلسلات قررت البحث عن بطل شعبى.. فى صورة لا علاقة له بالشعب.. خمسة مسلسلات تدور أحداثها المزعومة فى حارات مصرية.. وبما أن صناعها يحاولون صناعة بطل شعبى، فمن الطبيعى أنهم يبحثون فى أغنيات هذه المسلسلات عن ذلك البطل.. باستخدام موسيقى يظنون أيضا أنها "شعبية"، و"مطربين" ينوبون عن تلك الحارات فى رسم صورة البطل الذى فى خيالهم.
تشابهت مفردات تلك الأغنيات جميعها مثلما تشابهت ألحانها.. ودروب توزيعها.. ولا فرق بين مطرب وأخر سوى فى استعراض قدراته الصوتية.. بدون وعى أو هدف.
سيد الناس.. فهد البطل.. العتاولة.. حكيم باشا.. إش إش.. هذه هى المسلسلات الخمسة.. وإلى جوارها مسلسل وحيد يتحدث عن "الحرافيش" فى مطلع ثلاثينات القرن الماضى اسمه "النص" لأحمد أمين.. وهو المسلسل الوحيد من بين هذه الأعمال الذى يمكننا التعامل معه بقواعد الفن.
الأيام الذهبية لأحمد سعد
خلال السنوات الثلاث الماضية وصل أحمد سعد إلى ذروة النجاح التى كان يحلم بها.. وإحدى وسائل صعوده كانت دراما التليفزيون.. وأغرى نجاح "بحبك يا صاحبى"، ومن بعدها "أنا قادر"، سعد بتكرار التجربة حيث أصبح الرقم الأهم والأصعب فى أغنيات وإعلانات رمضان هذا العام، حيث يتواجد فى خمسة إعلانات دفعة واحدة.. إلى جانب أغنيات ومسلسل"سيد الناس".
سعد يمتلك مهارات مغنٍ لا حدود لمساحة صوته.. كما أنه يعرف جيدا كيف يتعامل مع هذه القدرات غير المحدودة ويعبر عنها.. يعرف كيف يتحكم فى عضلات "حنجرته".. لكنه وللأسف الشديد لا يعرف كيف يختار ما يغنيه.. هذا هو الوقت الذى يجب أن يتوقف فيه سعد عند محطة ماذا أغنى ولمن.. بعد أن استنفد مرحلة كيف أغنى.. لكنه لا يعرف.. مثلما لا يعرف أهمية وحدود التقاليع التى يصعد بها المسرح والتى سببت له أزمات متعددة غفر فيها الجمهور سقطاته لأنه يعرف قدر صوت وموهبة "الرجل" الذى لا يعرف الفرق بين جمهور القاهرة وشيكاغو.
أزمة بطل الدراما هى نفسها أزمة البطل الشعبى.. والمغنى الشعبى.. والحارة الشعبية.. وهى أزمة عمرو سعد فى مسلسلاته الأخيرة.. هؤلاء الناس.. هذه النماذج ليست شعب مصر.. الخارجون من السجن والذاهبون إليه فى أعمال بلطجة ومخدرات ودعارة ليسوا سكان مصر.. وإذا كان هناك البعض منهم فإنهم قطعا ليسوا المائة مليون الذين يعيشون بيننا.
هذه السقطة فى فهم من يكتبون هذه المسلسلات.. استدعت اختيارات ساقطة فى مضمون ما يغنيه أحمد سعد ظنا منه أنه غناء شعبى يعبر عن "شرائح" من شعب مصر.. وحالة البحث على جوجل التى "توهت" البعض فظن أنه "التريند" لا تعنى إطلاقا أننا نريد ذلك العبث أو أنه يمثلنا على كل حال.. يغنى سعد هذه المرة فى السياق ذاته كلاما مكررا عن صناعة البطل.. فى ظل غياب كامل لدور "التتر" الذى يمهد للبطل.. وخلط بين دور "صوت البطل" أو صوت شقيقه كما كان فى "بحبك يا صاحبى".. ودور الصوت غير محدد الهوية فى أغنية "سيد الناس".. فهو يتحدث عن "جدع" هو عمرو سعد، أو "سيد الناس" الذى يعطى ولا يأخذ.. يفعل الخير ويقابله من الآخرين شر مطلق.. فما هى علاقة صوت المغنى أحمد سعد به؟
هذه أزمة الشاعر الذى يكتب دون معرفة بأبسط قواعد اللغة، وهى علاقة "ضمائر المتكلم والغائب" بمن يتحدث نيابة عنه أو له.. وهو نفس الأمر فى أغانى باقى المسلسلات، حيث يحتاج كتاب هذه الأغانى إلى دروس مكثفة فى "النحو" وبالتحديد فصل "الضمائر والظرف"..
"المعتمد
نبع الأصول عم البلد
سيد الناس وقت اللزوم
دايما أسد.. محبوب
وروحه حنينة وأصله طيب
سند للناس وقلبه مفتوح للجميع
فى الشدة قبل ما تقصده تلاقيه قريب
جدع وعلى مبدأك
مهما الحياة مالت
ما بتغلبكش المحن
زى الجبل ثابت.. إلخ"..
وبالطبغ لن تسال عن علاقة "الأصل الطيب" برجل ترك له والده كل مصائب الدنيا من أعمال خسيسة.. منين جابوا الأصل الطيب دى؟.. "ماحدش هيرد".. لأن محاولة أن تكون جادا فى وقت العبث هى العبث بعينه.
رحمة محسن.. اكتشاف فهد البطل
رحمه محسن مطربة أفراح معروفة.. صعدت خلال الفترة الأخيرة بعد نجاحها فى استقطاب جمهور السوشيال ميديا.. وكان من الطبيعى أن يسعى إليها صناع فهد البطل لاستخدامها والاستفادة من اسمها.. دون أى داع درامى.. فالبطل رجل.. فلماذا جاءوا بأنثى لتعبر عنه رغم وجود أحمد شيبة فى تتر المقدمة؟.. هذا سؤال عبثى آخر لن تجد له إجابة منطقية أيضا.. صوت رحمة محسن صوت شعبى حراق يناسب أفراح الدلتا، ويزاحم بوسى وأمينة التى توارت مؤخرا، لكن لا علاقة له بالدراما.. ولا بالبطل..
"ولا شفت حد
ولا إيد تشد
لا أخوة ولا زمالة
يا خلق خفوا حبة
كله كره ما فيش محبة
كل ما ابنى فرحة
تجيبولها قرار إزالة"..
لا أعرف كيف يكون صديق البطل "عصام السقا" سندا فى الدراما.. فيما تتحدث الأغنية عن غياب الزمالة.. ولا أعرف كيف يتم بناء الفرح حتى نأتى له بقرار إزالة.. هذا عبث كامل يسمونه غناء.
رحمة محسن.. صوت جيد.. تم استغلاله بشكل سيئ.. وربما يحقق تواجدا يضيف لها جمهورا جديدا.. لكنها وإن استمرت فى غناء ما ليس له معنى.. فستكون مجرد رقم يضاف لمطربات شعبيات كثيرات ذهبن دون أن نشعر بهن.. ولن نسأل عنهن مجددا.
هجوم رباعى.. لمؤازرة فهد
لم يكتف صناع مسلسل فهد البطل بشيبة ورحمة محسن، إذ إنهم شعروا بعدم الكفاية للتعبير عن تشابكات "الدراما" إلا باستدعاء مطربى المهرجانات أيضا.. فكان هناك ميدو جاد.. وإسلام شندى.. وبالقطع أنتم لستم فى حاجة إلى تحليل ما يعينه كلاهما.. المهم الشعبى بالزوفة.. فى تلك الأحداث التى تزعم أنها تعبر عن عالم "شق التعبان".
بالمناسبة.. ذلك المكان الذى تدور فيه أحداث فهد البطل هو أحد أهم مراكز الصناعة فى مصر.. ويعمل به أكثر من خمسمائة مستثمر مصرى وعربى وأجنبى
حكيم باشا.. صعيدى من تايلاند
أحب محمد الشواف.. وأراهن على موهبته الكبيرة.. سعدنا به فى "بركة" و"المعلم".. لكنه هذه المرة يلعب فى مناطق خطرة.. فقد استغل "أجواء الصعيد" وعالم "الآثار" ليقدم لنا عملا لا علاقة له بالصعيد وحياته وناسه وحكاياته التى تصلح لصنع ألف مسلسل حقيقى..
خيط رفيع ما بين صناع أسطورة مزيفة.. وبطل شعبى من رحم الشعب.. ولنا فى ملاحم ياسين وبهية ومارد الجبل وغيرهما أسوة حسنة.. لكن ما يصنعه الشواف وآخرون لمصطفى شعبان ليس صعيدا.. ولهذا جاء غناء المسلسل خليطا بين "الشعبى" و"الصعيدى"، فخرج مشوها لا هو شعبى ولا هو صعيدى.. وتاه الملحن فى كلمات ركيكة لا تعرف شيئا عن "فقه لغة الصعيد" بعيدا عن مفرداته.. وأعتقد أن الشواف وهو على علاقة طيبة بلهجة الصعيد قد استمع إلى أغنيات مسلسله.. ولا أعتقد أن المخرج له علاقة بالصعيد أو موسيقاه.
الكلمات كتبها عماد عبيد، ولحنها خالد سلطان الذى يغنى تتر النهاية بنفسه دون أى داع، فيما يغنى طارق الشيخ تتر البداية.. وطارق صوت جيد..
"لا عمرى هبت الخوف
ولا اشتكيت منه
وعايش عشان غيرى
مهما اتأذيت منه
غريب وواقف وتد
ولا جانى يوم المدد
همى معايا اتولد
شارب كتير منه"..
كتب الشاعر هذا الجزء.. ثم استطرد بمفردات جميعها تؤدى معانى مختلفة.. تم حشرها فى سياق واحد.. من قال له.. إن "المتاهة".. هى "الدوامة".. هى النداهة؟ّ!.. سؤال عبثى آخر.. ما علاقة الأحرار بتجارة الآثار؟.. ما هى علاقة الأحرار بظلم الناس؟.. ما هى علاقة الأحرار بغطرسة النساء فى البيوت؟!.. اسئلة عبثية
أخرى لن تجد لها إجابات.
ما علينا.. يتحدث تتر المقدمة عن معاناة البطل.. وحيرته وتوهته.. أى توهة تلك التى يعانيها رجل يعيش فى قصر، ويأمر الجميع بسيف المال، ويتزوج كيفما شاء وقتما شاء، من نساء لا حصر لهن؟!.. هذه أغنية تتحدث عن مسلسل آخر.. وبطل آخر.. ربما فى مسلسل آخر.
البطل الرجل.. فى العتاولة لا يختلف عنه فى فهد.. أو حكيم.. أو سيد الناس.. نحن أمام "حارات دونية" سواء كانت فى القاهرة أو الإسكندرية.. ورحم الله أسامة أنور عكاشة الذى قدم واحدا من أجمل مسلسلاته عن ذلك العالم "عفاريت السيالة" أو عن "زيزينيا" وحارات نضالها.. أو إبراهيم عبدالمجيد فى "طيور العنبر" و"لا أحد ينام فى الإسكندرية".. هذه اسوأ إسكندرية ممكن أن يراها العالم.. لكنها إرادة البعض الذى زاوج بين "الحارات العشوائية" وبين شعب مصر.
وهذه العشوائية هى التى يمثلها ساسو وشوقى فى إحدى أغنيات العتاولة.. واسمها "سواد ع الكل".. ولا داعى للتعامل مع ما كتباه أو لحناه أو غنياه.. فلا كتابة ولا تلحين ولا غناء.. لكن ما يحزننى هو وجود مطرب شعبى حقيقى مثل رضا البحراوى تم استخدامه فى أغنية "أتقل ناس فى البلد" كلمات وألحان محمود هلال.. وتوزيع حريقة..
"احنا الكبار على كله
واللى غلط مش هنحله
مهما عملتوا سوء
ظهوركو ما فيش منه إحنا أتقل ناس فى البلد".. إلخ..
هكذا هم أبطال الحارة المصرية فى الدراما العشوائية من الرجال.. فماذا عن النساء.. لا فرق.. فـ"إش إش" الرقاصة بطلة شعبية أيضا بإرادة محمد سامى.. والأغنية الرسمية بطلها عمر كمال "فوقنا خلاص" ومعه تغنى بوسى أيضا.. وحسن شاكوش.. ومحمود الليثى.. كل هؤلاء يصنعون حالة عشوائية موازية تليق بعشوائية أفكار أصحابها ورؤيتهم للحارة المصرية فى أيامنا هذه.
بقى أن أشير إلى مسلسل جيد مأخوذ عن كتاب "مذكرات نشال" لأيمن عثمان.. يقوم ببطولته أحمد أمين.. الذى يغنى من كلمات سيد درويش وألحانه أغنية "الحاوى" وهى الأكثر صدقا وتعبيرا عن المسلسل.. لكنهم وقعوا فى خلط كبير من خلال الشاعر الذى كتب أغنية المسلسل، والذى لم يستطع التفرقة بين الحرافيش والصعاليك والحرامية ووضعهم فى سلة واحدة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...