فى ذكرى مولد «طه حسين» الذى أثرى السينما والتليفـزيون برواياته

فى يوم 14 نوفمبر1889 استقبل الشيخ «حسين على سلامة» المقيم فى «عزبة الكيلو» بمركز «مغاغة» بالمنيا، ولده «طه» وهو الطفل الثالث عشر فى قائمة أطفاله من زوجتين،

لكن هذا الطفل فقد بصره فى سن الثالثة بسبب الوصفات البلدية التى عالجه بها «حلاق الصحة» فى القرية، ولكن الله عوّض الطفل عن بصره، بذاكرة حافظة وعقل ذكى ولسان فصيح وقدرة على التحمّل، وهذه الصفات هى التى جعلته المثال والنموذج، وارتقت به ـ بمقاييس الثروة والسلطة ـ من «مجاور» فى الأزهر، يتلقى «الجراية» ويأكل «العسل الأسود» وينام فى غرفة فقيرة فى «رَبع» متهدم، إلى وزير للمعارف يحمل «الباشوية» وهى الرتبة التى كان الحصول عليها يستلزم امتلاك مئات الأفدنة، والتقرب إلى الدوائر «الملكية»، لكن «دكتور طه حسين» جاءت إليه «الباشوية» ولم يسع إليها، لأن «مصطفى النحاس» زعيم الوفد، تولى رئاسة الحكومة فى العام 1950 بعد فوز حزب الوفد فى الانتخابات البرلمانية وأصر على أن يكون «دكتور طه حسين» وزيراً للمعارف العمومية «التربية والتعليم» ورفض الملك فاروق، ثم وافق على مضض، ومنحه «الباشوية» كالعادة المتبعة، فكان من يتم اختياره وزيرا فى الحكومة، ينعم عليه الملك بهذه الرتبة، وكان طه حسين، هوالرائد الذى فتح أمام الأدباء العرب طريق فن الرواية، وكانت «الوعد الحق» وهى رواية عن مجموعة من الشبان «صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم» اختاروا الدخول فى دين الإسلام وأصبحوا من المجاهدين فى سبيل نصرة الدين الذى حاربته القبائل العربية، خاصة قريش التى رأت فى الإسلام تهديداً لسطوتها وتجارتها فى جزيرة العرب، واختارت السينما هذه القصة لتجعل منها فيلم «ظهور الإسلام» ـ سيناريو وإخراج إبراهيم عز الدين ـ وظهر فى مقدمة الفيلم ما يشير إلى الأصل المأخوذ عنه الفيلم «الوعد الحق ـ تأليف طه حسين باشا» وفى العام 1959 تحولت رواية «دعاء الكروان» إلى فيلم من إخراج «هنرى بركات» وفى العام 1969 تحولت رواية «الحب الضائع» إلى مسلسل إذاعى أخرجه «محمد علوان» ـ لإذاعة الشرق الأوسط، وقام ببطولته الفنان عمر الشريف والفنانة صباح والفنانة سعاد حسنى، وفى العام التالى تحولت الرواية نفسها إلى فيلم سينمائى، قام ببطولته محمود المليجى وزبيدة ثروت وسعاد حسنى ورشدى أباظة، وفى نهاية السبعينيات قدم المخرج «يحيى العلمى» سيرة «الأيام» التى هى قصة حياة عميد الأدب العربى، فى حلقات تليفزيونية حققت نجاحاً كبيراً وصنعت مجداً كبيرا للفنان «أحمد زكى» وكل من ساهم فيها ولو بدور صغير المساحة، وفى بداية الثمانينيات قدم «يحيى العلمى» رواية «أديب» فى حلقات تليفزيونية ـ رمضانية ـ وقام بالبطولة فيها الفنان «نور الشريف» وفريق من كبار الفنانين ومازالت الأعمال المأخوذة عن روايات «العميد» تشكل علامات بارزة تثرى تراث الشاشة الصغيرة والشاشة الكبيرة.

دعاء الكروان.. الخال «جابر» أضاع ابنتى أخته انتقاماً من والدهما المنحرف

كان التحدى الكبير الذى وجدت «فاتن حمامة» نفسها فى مواجهته، عبارة قالها لها «دكتور طه حسين» رأت فيها انتقاصاً من قدراتها الفنية، وقد سألها العميد «تقدرى تعملى شخصية آمنة وتفهميها كويس؟» وقيل إن «فاتن» اعتبرت العبارة نوعاً من الامتحان، واحتشدت للشخصية واستطاعت أن تقنع المشاهدين بأنها «آمنة» الفتاة البدوية المنتمية إلى قبيلة «بنى وركان» فى الصعيد الأوسط، ولم تكن «فاتن حمامة» بدوية ولا عاشت مع البدو، لكن «الورق» المكتوب بقلم «يوسف جوهر» ـ عن رواية دعاء الكروان ـ استطاعت أن تجسده على الشاشة، وأصبح هذا الفيلم مشهورا لدى الناس بجملة على لسان «فاتن» وهى تعاتب الخال «جابر» وتقول له «وين هنادى ياخال؟» والعبارة كانت قاسية على ـ جابرـ وكان رده القاسى «قلت هنادى راحت فى الوبا» ومعنى قوله هو موت «هنادى» بالكوليرا، وهذا ما يجب أن يعرفه المجتمع البدوى، وفى العبارة تحذير للأخت الحزينة على أختها المغدورة، وهذه الرواية تحتل مكانة كبيرة فى مسيرة عميد الأدب العربى، لأنها تناولت تفاصيل العلاقة بين «البادية» و»الحضر» فى إقليم مصر الوسطى الذى يحتوى مديريات «بنى سويف والمنيا وأسيوط والفيوم» وهذه «المديريات» أو «المحافظات» تتكون من عرب وفلاحين، وللعرب فيها «البدو» حضور كبير، ولكن المنجز الذى قام به «طه حسين»  هو الاقتراب من مجتمع «البدو» وتصوير العلاقات التى تحكمه، وتقديم تفاصيل التحول الذى لحق بالفتاة «آمنة» وشقيقتها «هنادى» وكان القاضى والجلاد الذى دمر حياتيهما هو الخال «جابر» الذى أراد التخلص من «العار» الناتج عن انحراف سلوك والدهما ـ وهذا الوالد مات مقتولاً لأنه عبث بعرض فتاة فى قبيلة أخرى ـ والقصد هنا أن المجتمع البدوى، يعاقب «المرأة» بذنوب وجرائم «الرجل» واستحق فيلم «دعاء الكروان» أن يكون فى ترتيب متقدم فى قائمة الأفلام الأكثر أهمية فى تاريخ السينما المصرية بفضل قوة الرواية التى كتبها العميد وقوة التشخيص الذى قدمته سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة.

أديب.. الشاعر النرجسى حطم قلب «حميدة» التى أحبته بصدق

عاشت مصر فى بدايات القرن العشرين حالة علمية، يمكن أن نسميها «حالة النهضة» وكان من سمات تلك المرحلة، دخول الطبقات الشعبية مجال التعليم الثانوى والجامعى، وكان «طه حسين» من الذين ظهروا وتفوقوا، وكان معه آخرون، منهم بطل رواية «أديب» التى حكى فيها قصة طالب جامعى، كتب الشعر وتفوق فى دراسة الآداب، وكانت حياته فى القرية تلزمه بطاعة الوالدين، وكانت الطاعة تعنى «الزواج المبكر» لأن هذا الزواج ينتج عنه حفدة يحبهم الجدان، ويرون فيهم ثمرة ترضى قلبيهما الصابرين اللذين تحملا الكثيرفى سبيل تربية «الابن» والد هؤلاء الحفدة، والعبقرى الشاعر الذى رصد العميد قصة حياته، كان مشوه الوجه، وهذا التشوه جعل الفتيات تنفر منه، وجعل ابنة عمه تقبل على الانتحار، لما أجبرها أبوها على الاقتران به، ولكن فتاة أخرى، طيبة القلب، جميلة، تسمى «حميدة» وافقت على الزواج منه، وعاشت سنوات وهى تهيئ له المناخ الذى ساعده على التفوق العلمى والفوز بالسفر إلى باريس فى بعثة لنيل الدكتوراه، وكان من شروط البعثة، أن لا يكون الطالب متزوجاً، وعلى الفور قام العبقرى النرجسى «إبراهيم عبدالله» بتطليق «حميدة» ليلحق بالبعثة، وفى فرنسا يعيش حياة قاسية يملأها تأنيب الضمير، فهو قضى على «حميدة» وحطم قلبها، وهى الوحيدة التى أحبته بصدق، وفى فرنسا ضاع كالذين ضاعوا، فهو ارتبط بفتاة، ولم يكتمل الحب الذى تمناه، وأصبح حائراً، مريضاً، وهذا النموذج الذى كتب «العميد» قصته موجود بيننا، لأن هؤلاء الذين تمنحهم العائلات التدليل الزائد، يكتسبون خصائص الشخصية النرجسية الأنانية التى لا ترى سوى مصالحها وتنظر للعالم نظرة المكسب والخسارة ولا تعرف العطاء أو الحب، والجميل فى رواية «أديب» أنها قدمت خبايا «مجتمع البعثة» أو مجتمع النخبة المثقفة فى بدايات القرن العشرين، وهذه الرواية من الروايات السابقة فى هذا الميدان، وكان تجسيد «نور الشريف» لشخصية البطل «إبراهيم عبدالله» من أسباب نجاح المسلسل الذى قدمه التليفزيون المصرى فى بدايات الثمانينيات ولقى قبولاً واسعاً وأثار الجدل الواسع حول العلاقة بين المثقف والطبقة التى ينتمى إليها والمطلوب منه والشكل الصحى الذى يجب أن يربط بينه وبين أهله ومحيطه الاجتماعى.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص