أغرب سبب اختاره العندليب من أجله لدور شقيقه
برحيل الفنان الكبير حسن يوسف (14 أبريل 1934/ 29 أكتوبر 2024) نكون قد فقدنا آخر الذين عرفوا سيد المقرئين الشيخ محمد رفعت ورأوه رأى العين ونالوا بركة السلام عليه، وهى معلومة قد تكون مفاجأة لكثيرين لا يعرفون أن حسن يوسف كان جارا للشيخ رفعت فى حى السيدة زينب، وكان الطفل حسن يوسف يسكن فى الشارع "اللى ورا" بيت الشيخ رفعت، وفى ساحة مجاورة للبيت كان يمارس رياضته المفضلة فى لعب كرة القدم مع أطفال الشارع، وفى عز المباراة وبمجرد أن يلمحوا الشيخ خارجا من البيت يتوقف اللعب ويحل السكون التام، ويقفون جميعا للفرجة على الشيخ المهيب، وأحيانا يتقدمون للسلام عليه، فيبتهج معهم ويبارك رؤوسهم ويقبل أياديهم ويمنحهم نفحات من الحلوى..
ظل حسن يوسف يتذكر منظر الشيخ رفعت بزيه الأزهرى المميز، بالجلباب والكاكولا واللاسة والعمة، وظل مسكونا بحب الشيخ وأراد بعدما لمع نجمه ممثلا أن يترجم هذا الحب فى شكل مسلسل تليفزيونى يؤدى فيه شخصية قيثارة السماء، وكاد حلمه يتحقق بعد أن قطع شوطا فى كتابته.. فما الذى حدث؟! ولماذا لم يكتمل حلم حسن يوسف الأخير والكبير؟
(1)
الإجابة الوافية ستجدها لدى الحاجة هناء رفعت حفيدة سيد المقرئين التى كانت طرفا فى هذا المشروع الحلم حكت لى: "بالفعل كان حسن يوسف رحمه الله مغرما بشخصية جدى ولديه حماس شديد فى أن يجسدها فى عمل تليفزيونى، بحكم أنه شاهده بعينه ورأى ملامحه وتفاصيله، وحكى لى أنه مع صبيان الحارة كانوا يتوقفون فورا عن لعب الكورة عندما يلمحون خروج جدى، فيقفون للفرجة عليه، وكان الحاج حسن يصف لى بدقة ملابس جدى وأناقته ووسامته والكاريزما التى يتمتع بها، وحدث مرة أن كنا أسرة الشيخ رفعت نحتفل بذكراه فى "كرمة ابن هانئ" حيث بيت أمير الشعراء فى الجيزة، وفوجئنا بحضور الفنان حسن يوسف، وأخبرنا بأنه يسكن بجوار المكان، ويومها حكى عن علاقته بالشيخ رفعت، وتكلم بحماس وحب وكأنه يستعيد ذكريات طفولته فى حى السيدة زينب..
وقتها كان الفنان حسن يوسف يقوم بتصوير مسلسله عن "الإمام المراغى" بعد نجاحه الكبير فى شخصية الشيخ الشعراوى بمسلسل "إمام الدعاة"، وتألقه فى تجسيد الشخصيات الدينية مثل الإمام عبد الحليم محمود والإمام النسّائى، وحدثنى عن حلمه بتجسيد شخصية الشيخ رفعت، وطلب منى كتابة خطوط عريضة عن شخصية وحياة جدى، وترددت فى البداية ولكنه راح يشجعنى، وقال لى: "أى حاجة تكتبيها كلمينى وأنا أبعتلك السواق بتاعى ياخدها منك، والمفارقة أن سائقه كان اسمه حسن برضه، ووقتها كنا على اتصال تليفونى دائم، ومن خلال التليفون الأرضى فلم يكن اختراع الموبايل قد انتشر بعد، وعرفت منه أن زوجته الحاجة شمس البارودى من أكبر المشجعات له على تجسيد شخصية الشيخ رفعت، خاصة وأنه كان قريبا منه فى الجسم والشكل، وعرفت منه أنه سيعطى ما أكتبه للسيناريست الذى يتعامل معه فى مسلسلاته الدينية (اللواء بهاء إبراهيم) لكى يبدأ فى كتابة السيناريو ملتزما بما أكتبه وأحكيه، وفعلا وأمام حماسه وإلحاحه بدأت أكتب فعلا، لكن لم يتم التوافق بشكل كامل بين ورثة الشيخ رفعت على المشروع فتوقف للأسف.. لكن لا أنسى أبدا أن الفنان حسن يوسف كان من كبار المحبين لجدى والراغبين فى تخليد سيرته على الشاشة.. لكن كل شىء نصيب".. انتهت شهادة الحاجة هناء رفعت..
رحل حسن يوسف، ولكن فى حياته ومشواره حكايات وأسرار مجهولة، خاصة فى سنوات تألقه خلال حقبتى الستينيات والسبعينيات، لم يكتف فيها بالتمثيل كقاسم مشترك أعظم فى أفلام الكوميديا الشبابية، بل انطلق ليكون منتجا ومخرجا، بل وفارسا لأحلام البنات حينها..
(2)
سألت مرة الفنانة الكبيرة نادية لطفى عن تفسيرها لتلك الكيمياء الخاصة التى كانت تجمع بين عبد الحليم حافظ وحسن يوسف، التى جعلت من الأخير أبرز من قام بدور شقيق العندليب على شاشة السينما، حتى بدا أنهما شقيقان فى الحقيقة من فرط الاندماج فى التمثيل، مثلما كان الحال مثلا فى فيلم "الخطايا" الذى شاركتهما بطولته من إخراج حسن الإمام؟!
أشارت نادية لطفى إلى سبب لم يخطر لى على البال كان فى مقدمة الأسباب التى جعلت العندليب يوافق على ترشيح الممثل الشاب حسن يوسف لدور شقيقه، بل ويصر على أن يقيم معه حسن إقامة شبه كاملة فى بيته قبل تصوير الفيلم ليعيشا الحالة بالفعل، أما السبب الغريب فهو أنه كان مناسبا فى الطول لحليم، فقد كان العندليب متوسط الطول، وهو ما كان يضعه فى مواقف محرجة مع الممثلين طوال القامة، إذ كان الأمر يتطلب زوايا تصوير معينة لمعالجة فارق الطول، أما حسن يوسف فهو النجم الشاب الوحيد تقريبا ـ وقتهاـ الذى يفوقه العندليب طولا!
(3)
كانت الفنانة الكبيرة هند رستم تعتبر حسن يوسف من اكتشافاتها، وحكت لى أنها كانت سبب سعده ونجوميته فى السينما، فعندما شاهدته فى فيلم "سوق السلاح" عام 1960 لفت نظرها هذا الوجه الجديد الذى يمثل بثقة ويتمتع بحضور ويخطف الكاميرا رغم مساحة دوره المحدودة، والأهم أنه لا يقلد أحدا من النجوم المعروفين ويصر على أن يكون له أسلوبه وطريقته وبصمته، ولذلك رشحته للمخرج حسام الدين مصطفى ليشارك فى فيلمهما الجديد "نساء وذئاب"، ولكن حسام تردد فى البداية، فالدور بمثابة بطولة وإسناده إلى وجه جديد بمثابة مغامرة محفوفة بالمخاطر، فنصحته هند أن يذهب ويتفرج على الفيلم بنفسه، وعاد حسام من "سوق السلاح" معجبا بحسن يوسف ومقررا أن يسند له دور البطولة..
"نساء وذئاب" كان واحدا من أعمال سينمائية عديدة جمعت هند رستم وحسن يوسف، لعل أشهرها "شفيقة القبطية"، "امرأة على الهامش"، "تفاحة آدم"، "عجايب يا زمن"، و"الجبان والحب".. الغريب أنه رغم فارق السن المحدود بين هند رستم وحسن يوسف إلا أنها فى أغلب تلك الأعمال قامت بدور والدته..
وسألت هند رستم مرة مستغربا: "إزاى قبلتى تعملى دور أم حسن يوسف؟"، وردت باستغراب أشد: "وكنت مستعدة أعمل دور أم الأستاذ حسين رياض لو العمل عاوز كده".. لكن يبقى أن حسن يوسف كان محظوظا بأنه كان ابنا لأجمل أم!
(4)
رغم قصر قامته إلا أنه كان "حريفا" فى لعب الكرة، الهواية التى أصبحت شغله الشاغل فى صغره، يمارسها بشغف، بل كان يخطط لأن يصبح أحد نجومها، ومثله الأعلى يومها هو الكابتن حنفى بسطان نجم نادى الزمالك وصديق الأسرة، وبتشجيعه التحق بفريق الكرة بنادى الزمالك وتدرج فيه حتى وصل إلى فريق الناشئين تحت 21 سنة، منتظرا تأهيله للفريق الأول، خاصة أنه كان قد التحق بعد حصوله على الثانوية العامة بكلية التربية الرياضية..
لكن عشقه للتمثيل هو الذى انتصر فى النهاية، حيث دفعه هذا العشق للالتحاق بمعهد الفنون المسرحية، وحاول التوفيق بين العشقين ولكنه فشل، فلم يعد ممكنا أن يلحق تدريبات الكرة فى التاسعة صباحا، بل لم يستطع التوفيق بين محاضرات كلية التربية والمعهد فوجد نفسه مفصولا من الكلية، وأمام رغبة والده بأن يحصل على شهادة جامعية (تضمن له وظيفة حكومية) التحق بكلية التجارة وتخرج فيها فى العام 1955 ثم من معهد الفنون المسرحية بعدها بسبع سنوات..
ورغم عشق حسن يوسف لنادى الزمالك إلا أنه كان عضوا بنادى الجزيرة ويحرص على الذهاب إليه بصحبة زوجته الفنانة شمس البارودى خاصة فى سنوات ما بعد الاعتزال، وظل مواظبا على ذهابه لنادى الجزيرة حتى بعد فجيعته فى فقدان ابنه الأصغر "عبد الله" قبل شهور قليلة من رحيله، وأقنعه رئيس النادى عادل عبد الباقى منذ فترة بأن يكون ضيفا فى الصالون الثقافى الذى يقيمه النادى، وحضرته زوجته شمس البارودى، وأفاض فيه حسن يوسف عن ذكرياته الفنية بما فيها علاقته بنجمات أفلامه وخاصة سعاد حسنى..
(5)
طغت شهرة حسن يوسف كممثل، فلم تأخذ تجربته كمخرج ومنتج ومؤلف حظها من الاهتمام، ففى رصيده 9 أفلام وهو مخرج، بداية من فيلم "ولد وبنت والشيطان" مع نجلاء فتحى(1971) ، إلا أن أغلبها كان من بطولة زوجته شمس البارودى، أبرزها "كفانى يا قلب" و"الجبان والحب" و"القطط السمان"، ولذلك كان اعتزال شمس التمثيل بعد فيلم "2 على الطريق" أمام عادل إمام (وكان من إنتاجه كذلك) بمثابة أزمة شديدة له، لأنه اعتاد أن يمارس الإخراج فى جو هادئ بعيدا عن مشاكل نجوم السينما ودلع نجماتها، ومن ثم لم يُخرج سوى فيلم واحد بعد اعتزال شمس، هو "عصفور له أنياب" شاركته بطولته الفنانة يسرا، ثم اعتزل بعده الإخراج ولم يقف وراء الكاميرا حتى رحيله.
وقد حدث فى فيلم "2 على الطريق" آخر أفلام شمس أنها قررت الاعتزال قبل الانتهاء تماما من تصوير كل مشاهدها، وكان الفيلم يحمل فى البداية اسم "امرأة بلا عنوان"، وحاول حسن يوسف بصفته مخرج الفيلم أن يقنع بطلته المعتزلة أن تعود من الاعتزال لمدة يوم واحد تصور فيه آخر مشاهدها، ولكنها رفضت بشدة، مما اضطره إلى تعديلات فى السيناريو ليكتفى بما تم تصويره، وتغير اسم الفيلم إلى "2 على الطريق"..
أما التأليف فمارسه حسن يوسف فى تجربة واحدة من خلال فيلم "رحلة لذيذة" الذى شاركته بطولته نجلاء فتحى وأخرجه فطين عبد الوهاب وعرض عام 1971، وكان من نوعية الأفلام الكوميدية الخفيفة التى اشتهر بها حسن يوسف فى تلك المرحلة من حياته، ورغم أنه استعان بالسيناريست الكبير فاروق صبرى ليشاركه فى كتابة السيناريو والحوار، إلا أن الفيلم لم يحقق نجاحا يذكر، فلم يكرر حسن يوسف بعدها تجربة التأليف واكتفى بالتمثيل أولا، ثم الإخراج والإنتاج ثانيا..
(6)
من الأمور التى سببت ألما شديدا لحسن يوسف فى سنواته الأخيرة فقدانه لكابينة المنتزه، ذلك الشاليه المميز فى مكانه بشاطئ المشاهير فى الإسكندرية والمطل على فندق فلسطين، وكان قد اعتاد أن يقضى فيه شهور الصيف لسنوات طويلة، إلى أن استردت الدولة تلك الشاليهات بعد انتهاء عقود إيجارها.. كان حزنه شديدا على الشاليه، ليس لقيمته المادية، وإنما لأن المكان كان يحمل أجمل ذكريات شبابه مع جيرانه فى المنتزه وخاصة حليم ونادية لطفى وهند رستم وغيرهم من أقرب النجوم إلى قلبه.
لكن جاء فقدانه لابنه ليكون هو الفاجعة الأكبر التى لم يستطع قلبه تحملها، فغادر الحياة ليلحق به بعد شهور قليلة..
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...